ذكر حكمه - صلى الله عليه وسلم - في الولد من أحق به في الحضانة

١١٥ فقرة، ج ٧ ص ٥

الصفحة ٢ من ٣

  1. الثَّاني: أنَّ الخالة والأخت للأمِّ لم تُدلِيا بالأب، وهما من أهل الحضانة، فتقدَّم نساء الحضانة على كلِّ رجلٍ إلا على من أَدلينَ به، فلا يُقدَّمن (٣) عليه؛ لأنَّهنَّ فرعه. فعلى هذا الوجه لا تُقدَّم أمُّ الأب على الأب، ولا الأختُ والعمَّة عليه، وتُقدَّم عليه أمُّ الأمِّ (٤) والخالة والأختُ للأمِّ. وهذا أيضًا ضعيفٌ جدًّا؛ إذ يستلزم تقديمَ قرابة الأمِّ البعيدة على الأب وأمِّه، ومعلومٌ أنَّ الأب إذا قُدِّم على الأخت للأب فتقديمُه على الأخت (٥) للأمِّ أولى؛ لأنَّ الأخت للأب مقدَّمةٌ عليها، فكيف تُقدَّم على الأب نفسه؟ هذا تناقضٌ بيِّنٌ.

    ج ٧ ص ١٩
  2. الثَّالث: تقديم نساء الأمِّ على الأب وأمَّهاتِه وسائرِ من في جهته، قالوا: وعلى هذا فكلُّ امرأةٍ في درجة رجلٍ تُقدَّم عليه، ويُقدَّم مَن أدلى بها على من أدلى بالرَّجل، فلمَّا قُدِّمت الأمُّ على الأب وهي في درجته قُدِّمت الأخت من الأمِّ على الأخت من الأب، وقُدِّمت الخالة على العمَّة.

  3. هذا تقرير ما ذكره أبو البركات بن تيميَّة في «محرَّره» (٦) من تنزيل نصِّ

    ج ٧ ص ٢٠أحمد على هذه المحامل الثَّلاث. وهو مخالفٌ لعامَّة نصوصه في تقديم الأخت للأب على الأخت للأمِّ وعلى الخالة، وتقديم خالة الأب على خالة الأمِّ، وهو الذي لم يذكر الخرقيُّ في «مختصره» (١) غيره، وهو الصَّحيح. وخرَّجها ابن عقيل على الرِّوايتين في أمِّ الأمِّ وأمِّ الأب (٢) ، ولكنَّ نصَّه ما ذكره الخرقي. وهذه الرِّواية الَّتي حكاها صاحب «المحرَّر» ضعيفةٌ مرجوحةٌ، فلهذا جاءت فروعُها ولوازمُها أضعفَ منها بخلاف سائر نصوصه في جادَّة مذهبه.

  4. فصل

    وقد ضبط بعض أصحابه هذا الباب بضابطٍ، فقال (٣) : كلُّ عصبةٍ فإنَّه (٤) يُقدَّم على كلِّ امرأةٍ هي أبعدُ منه، ويتأخَّر عمَّن هي أقربُ منه، وإذا تساويا (٥) فعلى وجهين. فعلى هذا الضَّابط يُقدَّم الأب على أمِّه وعلى أمِّ الأمِّ ومن معها، ويُقدَّم الأخ على ابنته وعلى العمَّة، والعمُّ على عمَّة الأب، وتُقدَّم أمُّ الأب على جدِّ الأب. وفي تقديمها على أبي الأب وجهان. وفي تقديم الأخت للأب على الأخ للأب وجهان. وفي تقديم العمَّة على العمِّ وجهان (٦) .

  5. والصَّواب: تقديم الأنثى مع التَّساوي، كما قُدِّمت (١) الأمُّ على الأب لمَّا استويا، فلا وجهَ لتقديم الذَّكر على الأنثى مع مساواتها له، وامتيازها بقوَّة أسباب الحضانة والتَّربية فيها.

    ج ٧ ص ٢١
  6. واختُلِف في بنات الإخوة والأخوات، هل يُقدَّمن على الخالات والعمَّات، أو تُقدَّم الخالات والعمَّات عليهنَّ؟ على وجهين، مأخذهما: أنَّ الخالة والعمَّة تُدلِيانِ بأخوَّة الأمِّ والأب، وبنات الإخوة والأخوات يُدلِينَ ببنوَّة الأب، فمن قدَّم بناتِ الإخوة راعى قوَّة البنوَّة على الأخوَّة. وليس ذلك بجيِّدٍ (٢) ، بل الصَّواب تقديم العمَّة والخالة لوجهين:

    أحدهما: أنَّها أقربُ إلى الطِّفل من بنات أخيه، فإنَّ العمَّة أخت أبيه، وابنة الأخ بنتُ أبيه (٣) ، وكذلك الخالة أخت أمِّه، وبنتُ الأخت من الأمِّ أو الأب بنتُ بنتِ أمِّه أو أبيه، ولا ريبَ أنَّ العمَّة والخالة أقربُ إليه من هذه القرابة.

  7. الثَّاني: أنَّ صاحب هذا القول إن طرد أصلَه لزِمَه ما لا قِبَلَ له (٤) به من تقديم بنت بنت الأخت وإن نزلتْ على الخالة الَّتي هي أمٌّ، وهذا فاسدٌ من القول، وإن خصَّ ذلك ببنت الأخت دون من أسفلَ (٥) منها تناقضَ.

  8. واختلف أصحاب أحمد أيضًا في الجدِّ والأخت للأب أيُّهما أولى؟ فالمذهب: أنَّ الجدَّ أولى منها، وحكى القاضي في «المجرَّد» وجهًا: أنَّها أولى منه. وهذا يجيء على أحد التَّأويلات الَّتي تأوَّل عليها الأصحاب نصَّ أحمد، وقد تقدَّمت.

    ج ٧ ص ٢٢
  9. فصل

    وممَّا يبيِّن صحَّة الأصل المتقدِّم: أنَّهم قالوا: إذا عُدِم الأمَّهات ومن في جهتهنَّ انتقلت الحضانة إلى العصبات، وقُدِّم الأقرب فالأقرب منهم، كما في الميراث، فهذا جارٍ على القياس.

  10. فيقال لهم: فهلَّا راعيتم هذا في جنس القرابة، فقدَّمتم القرابةَ القويَّة الرَّاجحة على الضَّعيفة المرجوحة كما فعلتم في العصبات؟

  11. وأيضًا فإنَّ الصَّحيح في الأخوات عندكم أنَّه يُقدَّم منهنَّ من كانت لأبوين، ثمَّ من كانت لأبٍ، ثمَّ من كانت لأمٍّ، وهذا صحيحٌ موافقٌ للأصول والقياس، لكن إذا ضمَّ هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأمِّ على قرابة الأب جاء التَّناقضُ، وتلك الفروعُ المشكلة المتناقضة.

  12. وأيضًا فقد قالوا بتقديم أمَّهات الأب والجدِّ على الخالات والأخوات للأمِّ، وهو الصَّواب الموافق لأصول الشَّرع، لكنَّه يُناقِض (١) لتقديمهم (٢) أمَّهات الأمِّ على أمَّهات الأب، ويُناقض تقديم الخالة والأخت للأمِّ على الأب، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، والقول القديم للشَّافعيِّ. ولا ريبَ أنَّ القول به أطردُ للأصل، لكنَّه في غاية البعد من قياس الأصول كما تقدَّم.

  13. ويَلزمهم من طرده أيضًا: تقديمُ من كان من الأخوات لأمٍّ على من كان منهنَّ لأبٍ، وقد التزمه أبو حنيفة والمزني وابن سُريج (١) .

    ج ٧ ص ٢٣
  14. ويلزمهم من طرده أيضًا: تقديمُ بنت الخالة على الأخت للأب، وقد التزمه زفر، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة، ولكن أبو يوسف استشنع ذلك، فقدَّم الأخت للأب كقول الجمهور، ورواه عن أبي حنيفة.

  15. ويلزمهم أيضًا من طرده: تقديمُ الخالة والأخت للأمِّ على الجدَّة أمِّ الأب. وهذا في غاية البعد والوهن، وقد التزمه زفر. ومثل هذا من المقاييس الَّتي حذَّر منها أبو حنيفة - رحمه الله - لأصحابه (٢) ، وقال (٣) : لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنَّكم إن أخذتم بمقاييس زفر حرَّمتم الحلال وحلَّلتم الحرام.

  16. فصل

    وقد رام بعض أصحاب أحمد ضبْطَ هذا الباب بضابطٍ زعم أنَّه يتخلَّص به من التَّناقض، فقال: الاعتبار في الحضانة بالولادة المتحقِّقة، وهي الأمومة، ثمَّ الولادة الظَّاهرة وهي الأبوَّة، ثمَّ الميراث. قال: ولذلك تُقدَّم الأخت من الأب على الأخت من الأمِّ وعلى الخالة؛ لأنَّها أقوى إرثًا منهما. قال: ثمَّ الإدلاء، فتُقدَّم الخالة على العمَّة؛ لأنَّ الخالة تُدِلي بالأمِّ، والعمَّة تُدلِي بالأب. فذكر أربعة أسبابٍ (٤) للحضانة مرتبة: الأمومة، ثمَّ بعدها الأبوَّة، ثمَّ

    ج ٧ ص ٢٤بعدها الميراث، ثمَّ الإدلاء.

  17. وهذه طريقة صاحب «المستوعب» (١) ، وما زادته هذه الطَّريقة إلا تناقضًا وبعدًا عن قواعد الشَّرع، وهي من أفسد الطُّرق، وإنَّما يتبيَّن فسادها بلوازمها الباطلة، فإنَّه إن أراد بتقديم الأمومة على الأبوَّة تقديمَ الأمِّ و (٢) من في جهتها على الأب ومن في جهته= كانت تلك اللَّوازم الباطلة المتقدِّمة من: تقديمِ الأختِ للأمِّ وبنتِ الخالة على الأب وأمِّه، وتقديمِ الخالة على العمَّة، وتقديمِ خالة الأمِّ على الأب (٣) ، وتقديمِ بنات الأخت من الأمِّ على أمِّ الأب، وهذا مع مخالفته لنصوص إمامه فهو مخالفٌ لأصول الشَّرع وقواعده.

  18. وإن أراد أنَّ الأمَّ نفسها تُقدَّم على الأب فهذا حقٌّ، لكنَّ الشَّأن في مناط هذا التَّقديم: هل هو لكون الأمِّ ومن في جهتها تُقدَّم على الأب ومن في جهته، أو لكونها أنثى في درجة ذكرٍ، وكلُّ أنثى كانت في درجة ذكرٍ قُدِّمت عليه مع تقديم قرابة الأب على قرابة الأمِّ؟ وهذا هو الصَّواب كما تقدَّم.

  19. وكذلك قوله: «ثمَّ الميراث» ، إن أراد به أنَّ المقدَّم في الميراث مقدَّمٌ في الحضانة فصحيحٌ، وطَرْدُه تقديم قرابة الأب على قرابة الأمِّ؛ لأنَّها مقدَّمةٌ عليها في الميراث، فتُقدَّم الأخت على العمَّة والخالة.

  20. وقوله: «ولذلك تُقدَّم الأخت للأب على الأخت للأمِّ والخالة؛ لأنَّها

    ج ٧ ص ٢٥أقوى إرثًا منهما»، فيقال: لم يكن تقديمها لأجل الإرث وقوَّته، ولو كان لأجل ذلك لكان العصبات أحقَّ بالحضانة من النِّساء، فيكون العمُّ أولى بها (١) من الخالة والعمَّة، وهذا باطلٌ.

  21. فصل

    وقد ضبط الشَّيخ في «المغني» هذا الباب بضابطٍ آخر، فقال (٢) : فصلٌ في بيان الأَولى فالأَولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرِّجال والنِّساء. وأولى الكلِّ بها: الأمُّ، ثمَّ أمَّهاتها وإن عَلَون، يُقدَّم منهنَّ الأقربُ فالأقرب؛ لأنَّهنَّ نساءٌ ولادتُهنَّ متحقِّقةٌ، فهنَّ في معنى الأمِّ. وعن أحمد أنَّ أمَّ الأب وأمَّهاتها يُقدَّمنَ على أمِّ الأمِّ. فعلى هذه الرِّواية يكون الأب أولى بالتّقديم؛ لأنَّهنَّ يُدلِينَ به، فيكون الأب بعد الأمِّ، ثمَّ أمَّهاتُه. والأُولى هي المشهورة عند أصحابنا، فإنَّ المقدَّم الأمُّ، ثمَّ أمَّهاتها، ثمَّ الأب، ثمَّ أمَّهاته، ثمَّ الجدُّ، ثمَّ أمَّهاته، ثمَّ جدُّ الأب، ثمَّ أمَّهاته وإن كنَّ غير وارثاتٍ؛ لأنَّهنَّ يُدلِينَ بعصبةٍ من أهل الحضانة، بخلاف أمِّ أبي الأمِّ. وحُكِي عن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّ الأخت من الأمِّ والخالة أحقُّ من الأب، فتكون الأختُ من الأبوين أحقَّ منه ومنهما ومن جميع العصبات. والأُولى هي المشهورة من المذهب.

  22. فإذا انقرض الآباء والأمَّهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات، وتُقدَّم الأختُ من الأبوين، ثمَّ الأختُ من الأب، ثمَّ الأختُ من الأمِّ، وتُقدَّم الأخت على الأخ؛ لأنَّها امرأةٌ من أهل الحضانة، فقُدِّمت على من في درجتها

    ج ٧ ص ٢٦من الرِّجال، كالأمِّ تُقدَّم على الأب، وأمِّ الأب على أبي الأب، وكلُّ جدَّةٍ في درجة جدٍّ تُقدَّم عليه؛ لأنَّها تلي الحضانة بنفسها، والرَّجل لا يليها بنفسه. وفيه وجهٌ آخر: أنَّه يُقدَّم عليها لأنَّه عصبةٌ بنفسه. والأوَّل أولى. وفي تقديم الأخت من الأبوين أو من الأب على الجدِّ وجهان. وإذا لم تكن أختٌ فالأخ للأبوين أولى، ثمَّ الأخُ للأب، ثمَّ أبناؤهما (١) ، ولا حضانةَ للأخ من الأمِّ لما ذكرنا.

  23. فإذا عُدِموا صارت الحضانة للخالات على الصَّحيح، وترتيبهنَّ فيها كترتيب الأخوات، ولا حضانةَ للأخوال. فإذا عُدِموا (٢) صارت للعمَّات، ويُقدَّمن على الأعمام كتقديم الأخوات على الإخوة، ثمَّ للعمِّ للأبوين، ثمَّ للعمِّ للأب، ولا حضانةَ للعمِّ من الأمِّ، ثمَّ أبناؤهما (٣) ، ثمَّ إلى خالات الأب على قول الخرقي، وعلى القول الآخر إلى خالات الأمِّ، ثمَّ إلى عمَّات الأب. ولا حضانةَ لعمَّات الأمِّ؛ لأنَّهنَّ يُدلِينَ بأبي الأمِّ (٤) ، ولا حضانةَ له. وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة في درجةٍ قُدِّم المستحقُّ منهم بالقرعة. انتهى كلامه (٥) .

  24. وهذا خيرٌ ممَّا قبله من الضَّوابط، ولكن فيه تقديم أمِّ الأمِّ وإن عَلَتْ على الأب وأمَّهاته، فإن طردَ تقديم من في جهة الأمِّ على من في جهة الأب جاءت

    ج ٧ ص ٢٧تلك اللَّوازم الباطلة، وهو لم يطرده، وإن قدَّم بعضَ من في جهة الأب على بعض من في جهة الأمِّ كما فعل= طُولب بالفرق وبمناط التَّقديم.

  25. وفيه إثبات الحضانة للأخت من الأمِّ (١) دون الأخ من الأمِّ، وهو في درجتها ومساوٍ لها من كلِّ وجهٍ، فإن (٢) كان ذلك لأنوثتها وهو ذكرٌ انتقضَ برجال العصبة كلِّهم، وإن كان ذلك لكونه ليس من العصبة، والحضانة لا تكون لرجلٍ إلا أن يكون من العصبة= قيل: فكيف جعلتموها لنساء ذوي الأرحام مع مساواة قرابتهنَّ لقرابة من في درجتهنَّ من الذُّكور من كلِّ وجهٍ؟ فإمَّا أن تعتبروا الأنوثة فلا تجعلوها لذَكَرٍ، أو الميراثَ فلا تجعلوها لغير وارثٍ، أو القرابةَ فلا تمنعوا منها الأخَ من الأمِّ والخال وأبا الأمِّ، أو التَّعصيبَ فلا تعطوها لغير عصبةٍ.

  26. فإن قلتم: بقي قسمٌ آخر وهو قولنا، وهو اعتبار التّعصيب في الذُّكور والقرابة في الإناث.

  27. قيل: هذا مخالفٌ لباب الولايات وباب الميراث، والحضانة ولايةٌ على الطِّفل، فإن سلكتم بها مسلكَ الولايات فخُصُّوها بالأب والجدِّ، وإن سلكتم بها مسلكَ الميراث فلا تُعطوها لغير وارثٍ، وكلاهما خلاف قولكم وقول النَّاس أجمعين.

  28. وفي كلامه أيضًا: تقديم ابن الأخ وإن نزلت درجتُه على الخالة الَّتي هي أمٌّ، وهو في غاية البعد، وجمهور الأصحاب إنَّما جعلوا أولاد الإخوة بعد

    ج ٧ ص ٢٨أبي الأب والعمَّات، وهو الصَّحيح، فإنَّ الخالة أخت الأمِّ، وبها تُدلِي، والأمُّ مقدَّمةٌ على الأب، وابن الأخ إنَّما يُدلِي بالأخ الذي يُدلِي بالأب، فكيف يُقدَّم على الخالة؟ وكذا العمَّة أخت الأب وشقيقته، فكيف يُقدَّم ابنُ ابنه عليها؟

  29. وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيميَّة بضابطٍ آخر، فقال (١) : أقربُ ما يُضبط به باب الحضانة أن يقال: لمَّا كانت الحضانة ولايةً تعتمد الشَّفقة والتَّربية والملاطفة كان أحقُّ النَّاس بها أقومَهم بهذه الصِّفات، وهم أقاربه، يُقدَّم منهم أقربُهم إليه وأقومُهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدًا، فإن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذَّكر، فتُقدَّم الأمُّ على الأب، والجدَّة على الجدِّ، والخالة على الخال، والعمَّة على العمِّ، والأخت على الأخ. فإن كانا ذكرين أو أنثيين قُدِّم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما. وإن اختلفت درجتهم من الطِّفل، فإن كانوا من جهةٍ واحدةٍ قُدِّم الأقرب إليه، فتُقدَّم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجدِّ، والجدَّة والجدُّ أبو الأمِّ على الأخ للأمِّ. هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ جهة الأبوَّة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوَّة فيها. وقيل: يُقدَّم الأخ للأمِّ لأنَّه أقوى من أبي الأمِّ في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد.

  30. وفيه وجهٌ ثالثٌ: لا حضانةَ للأخ من الأمِّ بحال؛ لأنَّه ليس من العصبات ولا من نساء الحضانة، وكذلك الخال أيضًا، فإنَّ صاحب هذا الوجه يقول: لا حضانةَ له، ولا نزاع أنَّ أبا الأمِّ وأمَّهاته أولى من الخال، وإن كانوا من

    ج ٧ ص ٢٩جهتين، كقرابة الأمِّ وقرابة الأب، مثل العمَّة والخالة، والأخت للأب والأخت للأمِّ، وأمِّ الأب وأمِّ الأمِّ، وخالة الأب وخالة الأمِّ= قُدِّم مَن في جهة الأب في ذلك كلِّه على إحدى الرِّوايتين فيه.

  31. هذا كلُّه إذا استوت درجتهم، أو كانت جهة الأب أقربَ إلى الطِّفل، وأمَّا إذا كانت جهة الأمِّ أقربَ، وقرابةُ الأب أبعدَ، كأمِّ الأمِّ وأمِّ أبي الأب، وكخالة الطِّفل وعمَّة أبيه، فقد تقابل التَّرجيحان، ولكن يُقدَّم الأقرب إلى الطِّفل لقوَّة شفقته وحُنوِّه على شفقة الأبعد. ومن قَدَّم قرابة الأب فإنَّما يُقدِّمها مع مساواة قرابة الأمِّ لها، فأمَّا إذا كانت أبعد منها قُدِّمت قرابة الأمِّ القريبة، وإلَّا لزم من تقديم القرابة البعيدة لوازمُ باطلةٌ لا يقول بها أحدٌ.

  32. فبهذا الضَّابط يمكن حَصْرُ جميع مسائل هذا الباب، وجَرْيُها على قياس الشريعةِ، واطِّرادُها وموافقتُها لأصول الشَّرع، فأيُّ مسألةٍ وردت عليك أمكن أخذها من هذا الضَّابط، مع كونه مقتضى الدَّليل، ومع سلامته من التَّناقض ومناقضة قياس الأصول. وباللَّه التَّوفيق.

  33. فصل

    وقوله: «أنت (١) أحقُّ به ما لم تَنْكِحي»، فيه دليلٌ على أنَّ الحضانة حقٌّ للأمِّ. وقد اختلف الفقهاء هل هي حقٌّ للحاضنِ أو عليه؟ على قولين في مذهب أحمد ومالك، وينبني عليهما: هل لمن له الحضانة أن يُسقِطها ويَنزِل عنها (٢) ؟ على قولين. وأنَّه لا يجب عليه خدمة الولد أيَّامَ حضانته إلا بأجرة

    ج ٧ ص ٣٠إن قلنا: الحقُّ له، وإن قلنا: عليه، وجبَ خدمته مجَّانًا. وإن كان الحاضن فقيرًا، فله الأجرة على القولين.

  34. وإذا وُهِبت الحضانة للأب وقلنا: الحقُّ لها، لزمت الهبةُ ولم ترجع فيها، وإن قلنا: الحقُّ عليها، فلها العَوْد إلى طلبها.

  35. والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعدُ كهبة الشُّفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين= أنَّ الهبة في الحضانة قد وُجِد سببها، فصار بمنزلة ما قد وُجِد. وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرًا لزِمت الهبة، ولم ترجع فيها.

  36. هذا كلُّه كلام أصحاب مالكٍ وتفريعهم، والصَّحيح أنَّ الحضانة حقٌّ لها، وعليها إذا احتاج الطِّفل إليها ولم يُوجد غيرها، وإن اتَّفقتْ هي ووليُّ الطِّفل على نقلها إليه جاز. والمقصود أنَّ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنتِ أحقُّ به» دليلًا على أنَّ الحضانة حقٌّ لها.

  37. فصل

    وقوله: «ما لم تنكحي» ، اختُلف فيه: هل هو تعليلٌ أو توقيتٌ؟ على قولين، ينبني عليهما: ما لو تزوَّجتْ وسقطتْ حضانتها ثمَّ طلِّقت، فهل تعود الحضانة؟ فإن قيل: اللَّفظ تعليلٌ، عادت الحضانة بالطَّلاق؛ لأنَّ الحكم إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزوالها، وعلَّة سقوط الحضانة التَّزويج، فإذا طلِّقت زالت العلَّة، فزال حكمها، وهذا قول الأكثرين، منهم الشَّافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة.

  38. ثمَّ اختلفوا فيما إذا كان الطَّلاق رجعيًّا، هل يعود حقُّها بمجرَّده، أو

    ج ٧ ص ٣١يتوقَّف عَودُها على (١) انقضاء العدَّة؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد والشَّافعيِّ ومالك، أحدهما: يعود بمجرَّده، وهو ظاهر مذهب الشَّافعيِّ. والثَّاني: لا يعود حتَّى تنقضي العدَّة، وهو قول أبي حنيفة والمزني. هذا كلُّه تفريعٌ على أنَّ قوله: «ما لم تنكحي» تعليلٌ، وهو قول الأكثرين.

    وقال مالك في المشهور من مذهبه: إذا تزوَّجت ودخل بها لم يَعُدْ حقُّها من الحضانة وإن طُلِّقت. قال بعض أصحابه: وهذا بناءً على أنَّ قوله «ما لم تنكحي» للتَّوقيت، أي: حقُّك من الحضانة موقَّتٌ إلى حين نكاحك، فإذا نكحتِ انقضى وقت الحضانة، فلا يعود بعد انقضاء وقتها، كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطِّفل واستغنائه عنها. وقال بعض أصحابه: يعود حقُّها إذا فارقَها زوجها، كقول الجمهور، وهو قول المغيرة وابن أبي حازم. قالوا: لأنَّ المقتضي لحقِّها من الحضانة هو قرابتها الخاصَّة، وإنَّما عارضها مانعُ النِّكاح؛ لما يوجبه من إضاعة الطِّفل، واشتغالها بحقوق الزَّوج الأجنبيِّ منه عن مصالحه، ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه، وعليهم في ذلك مِنَّةٌ وغَضاضةٌ. فإذا انقطع النِّكاح (٢) بموتٍ أو فرقةٍ زال المانع (٣) والمقتضي قائمٌ، فترتَّب عليه أثره. وهكذا كلُّ من قام به من أهل الحضانة مانعٌ منها، ككفرٍ أو رقٍّ أو فسقٍ أو بدوٍ، فإنَّه لا حضانة له، فإن زالت الموانع عاد حقُّهم من الحضانة، فهكذا النِّكاح والفرقة.

  39. وأمَّا النِّزاع في عَود الحضانة بمجرَّد الطَّلاق الرَّجعيِّ، أو توقُّفه على

    ج ٧ ص ٣٢انقضاء العدَّة= فمأخذه كون الرَّجعيَّة زوجةً في عامَّة الأحكام، فإنَّه يثبت بينهما التَّوارث والنَّفقة، ويصحُّ منها الظِّهار والإيلاء، ويحرم أن يأخذَ (١) عليها أختَها أو عمَّتها أو خالتها أو أربعًا سواها وهي زوجةٌ، فمن راعى ذلك لم يُعِدْ (٢) إليها الحضانة بمجرَّد الطَّلاق الرَّجعيِّ حتَّى تنقضيَ العدَّة، فتَبِينَ حينئذٍ، ومن أعاد الحضانة بمجرَّد الطَّلاق قال: قد عَزلَها عن فراشه، ولم يَبقَ لها عليه قسمٌ، ولا لها به شغلٌ، والعلَّة الَّتي سقطت حضانتُها لأجلها قد زالت بالطَّلاق. وهذا هو الذي رجَّحه الشَّيخ في «المغني» (٣) ، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ، فإنَّه قال: وإذا أُخِذَ الولد من الأمِّ إذا تزوَّجت ثمَّ طُلِّقتْ، رجعتْ على حقِّها من كفالته.

  40. فصل

    وقوله: «ما لم تنكحي» اختُلِف فيه: هل المراد به مجرَّد العقد، أو العقد مع الدُّخول؟ وفي ذلك وجهان:

    أحدهما: أنَّ بمجرَّد العقد تزول حضانتها، وهو قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة؛ لأنَّه بالعقد يملك الزَّوج منافعَ الاستمتاع بها، ويملك نفْعَها من حضانة الولد.