ذكر حكمه - صلى الله عليه وسلم - في الولد من أحق به في الحضانة

١١٥ فقرة، ج ٧ ص ٥

الصفحة ٣ من ٣

  1. والثَّاني: أنَّها لا تزول إلا بالدُّخول، وهو قول مالك، فإنَّ بالدُّخول يتحقَّق اشتغالُها عن الحضانة.

    ج ٧ ص ٣٢
  2. والحديث يحتمل الأمرين، والأشبه سقوطُ حضانتها بالعقد؛ لأنَّها حينئذٍ صارت في مظنَّة الاشتغالِ عن الولد، والتَّهيُّؤِ للدُّخول، وأَخْذِها حينئذٍ في أسبابه، وهذا قول الجمهور.

    ج ٧ ص ٣٣
  3. فصل

    واختلف النَّاس في سقوط الحضانة بالنِّكاح على أربعة أقوالٍ:

    أحدها: سقوطها به مطلقًا، سواءٌ كان المَحْضُون ذكرًا أو أنثى، وهذا مذهب الشَّافعيِّ ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. قال ابن المنذر (١) : أجمع على هذا كلُّ من أحفظ عنه من أهل العلم، قضى (٢) به شُريح.

  4. والقول الثَّاني: أنَّها لا تسقط بالتَّزويج بحالٍ، ولا فرق في الحضانة بين الأيِّم وذات البعل، وحكي هذا المذهب عن الحسن البصريِّ، وهو قول أبي محمَّد بن حزمٍ (٣) .

  5. القول الثَّالث: أنَّ الطِّفل إن كان بنتًا لم تسقط الحضانة بنكاح أمِّها (٤) ، وإن كان ذكرًا سقطت (٥) . وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد، نصَّ عليه في

    ج ٧ ص ٣٤رواية مهنّا بن يحيى الشامي، فقال (١) : إذا تزوَّجت الأمُّ وابنها صغيرٌ أُخِذ منها. قيل له: والجارية مثل الصَّبيِّ؟ قال: لا، الجارية تكون مع أمِّها إلى سبع سنين. وعلى هذه الرِّواية: فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ؟ على روايتين. قال ابن أبي موسى (٢) : وعن أحمد أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانة البنت وإن تزوَّجت إلى أن تبلغ.

  6. والقول الرَّابع: أنَّها إذا تزوَّجت بنسبٍ (٣) من الطِّفل لم تسقط حضانتها، ثمَّ اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوالٍ:

    أحدها: أنَّ المشتَرَط أن يكون الزَّوج نسيبًا للطِّفل فقط، وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد.

  7. الثَّاني: أنَّه يُشترط مع ذلك أن يكون ذا رحمٍ مَحْرمٍ، وهو قول أصحاب أبي حنيفة.

  8. الثَّالث: أنَّه يشترط أن يكون بين الزَّوج وبين الطِّفل إيلادًا (٤) ما، بأن يكون جَدًّا للطِّفل، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد. فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة.

  9. فأمَّا حجَّة من أسقط الحضانة بالتَّزويج مطلقًا، فثلاث حججٍ:

    إحداها: حديث عمرو بن شعيبٍ المتقدِّم ذكره.

  10. الثَّانية: اتِّفاق الصَّحابة على ذلك، وقد تقدَّم قول الصِّدِّيق لعمر: إنها أحقُّ به ما لم تتزوَّج، وموافقة عمر له على ذلك، ولا مخالفَ لهما من الصَّحابة البتَّةَ، وقضى به شُريح والقضاةُ بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار.

    ج ٧ ص ٣٥
  11. الثَّالثة (١) : ما رواه عبد الرزاق (٢) : أنا ابن جريجٍ، أنا أبو الزبير، عن رجلٍ صالحٍ من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن (٣) ، قال: كانت امرأةٌ من الأنصار تحت رجلٍ من الأنصار، فقُتِل عنها يوم أحدٍ، وله منها ولدٌ، فخطبها عمُّ ولدها ورجلٌ آخر إلى أبيها، فأنكحَ الآخر، فجاءت إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: أنكحَني أبي رجلًا لا أريده، وترك عمَّ ولدي، فأخذَ منِّي ولدي، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباها، فقال (٤) : «أنت الذي لا نكاح لك، اذهبي فانكحي عمَّ ولدك» . فلم ينكر أخْذَ الولد منها لمَّا تزوَّجت، بل أنكحها عمَّ الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليلٌ على سقوط الحضانة بالنِّكاح، وبقائها إذا تزوَّجت بنسيبٍ من الطِّفل.

  12. واعترض أبو محمد ابن حزم (٥) على هذا الاستدلال بأنَّ حديث

    ج ٧ ص ٣٦عمرو بن شعيبٍ صحيفةٌ، وحديث أبي سلمة هذا مرسلٌ، وفيه مجهولٌ. والاعتراضان ضعيفان، فقد بيَّنَّا (١) احتجاج الأئمَّة بعمرو في تصحيحهم حديثه، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجلٍ قولُ ابن حزمٍ وقول البخاريِّ وأحمد وابن المدينيِّ والحُميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، لم يُلتفت إلى سواهم.

  13. وأمَّا حديث أبي سلمة هذا، فإنَّ أبا سلمة من كبار التَّابعين، وقد حكى القصَّةَ عن الأنصاريَّة، ولا يُنكَر لقاؤه لها، فلا يتحقَّق الإرسال، ولو تحقَّق فمرسلٌ جيِّدٌ، له شواهد مرفوعةٌ وموقوفةٌ، وليس الاعتماد عليه وحده، وعنى بالمجهول الرَّجلَ الصَّالح الذي شهد له أبو الزبير بالصَّلاح، ولا ريبَ أنَّ هذه الشَّهادة لا تعرِّف به، ولكنَّ المجهول إذا عدَّله الرَّاوي عنه الثِّقة ثبتت عدالته، وإن كان واحدًا على أصحِّ القولين، فإنَّ التَّعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشَّهادة، ولا سيَّما التَّعديل في الرِّواية، فإنَّه يُكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل نصاب الرِّواية. هذا مع أنَّ أحد القولين: إنَّ مجرَّد رواية العدل عن غيره تعديلٌ له، وإن لم يصرِّح بالتَّعديل، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد. وأمَّا إذا روى عنه وصرَّح بتعديله (٢) ، خرج عن الجهالة الَّتي تُردُّ لأجلها روايته، لا سيَّما إذا لم يكن معروفًا بالرِّواية عن الضُّعفاء والمتَّهمين.

  14. وأبو الزبير وإن كان فيه تدليسٌ فليس معروفًا بالتَّدليس عن المتَّهمين والضُّعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السَّلف، لم يكونوا يدلِّسون عن متَّهمٍ

    ج ٧ ص ٣٧ولا مجروحٍ، وإنَّما كثر هذا النَّوع من التَّدليس في المتأخِّرين.

  15. واحتجَّ أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاريِّ، عن عبد العزيز بن صُهيبٍ عن أنس قال: قدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ وليس له خادمٌ، فأخذ أبو طلحة بيدي، وانطلق بي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ أنسًا غلامٌ كيِّسٌ، فليخدِمْك. قال: فخدمتُه في السَّفر والحضر (١) . وذكر الخبر.

    قال أبو محمد (٢) : فهذا أنس في حضانة أمِّه، ولها زوجٌ، وهو أبو طلحة بعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  16. وهذا الاحتجاج في غاية السُّقوط، والخبر في غاية الصِّحَّة، فإنَّ أحدًا من أقارب أنسٍ لم ينازع أمَّه فيه إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو طفلٌ صغيرٌ لم يُثْغَر (٣) ، أو لم يأكلْ وحده ويشربْ وحده، أو لم يُميِّز، وأمُّه مزوَّجةٌ فحكم به لأمِّه. وإنَّما يتمُّ الاستدلال بهذه المقدِّمات كلِّها، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قدم المدينة كان لأنسٍ من العمر عشرُ سنين، وكان عند أمِّه، فلمَّا تزوَّجت أبا طلحة لم يأتِ أحدٌ من أقارب أنس ينازعها (٤) في ولدها ويقول: قد تزوَّجتِ فلا حضانة لكِ، وأنا أطلب انتزاعَه منكِ. ولا ريبَ أنَّه لا يحرم على المرأة المزوَّجة حضانةُ ابنها إذا اتَّفقت هي والزَّوج وأقارب الطِّفل على ذلك، ولا ريبَ أنَّه لا يجب بل لا يجوز أن يُفرَّق بين الأمِّ وولدها إذا تزوَّجت من غير أن يخاصِمَها من له الحضانة،

    ج ٧ ص ٣٨ويطلبَ انتزاع الولد. فالاحتجاج بهذه القصَّة أبعدُ الاحتجاج وأبردُه.

  17. ونظير هذا أيضًا احتجاجُهم بأنَّ أم سلمة لمَّا تزوَّجت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تسقط كفالتها لابنتها (١) ، بل استمرَّت على حضانتها. فيا عجبًا! مَن الذي نازع أم سلمة في ولدها ورَغِبَ عن أن يكون في حجر النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؟

  18. واحتجَّ لهذا القول أيضًا بأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوَّجةٌ بجعفر. ولا ريبَ أنَّ للنَّاس في قصَّة ابنة حمزة ثلاث مآخذ:

    أحدها: أنَّ النِّكاح لا يُسقِط الحضانة.

  19. الثَّاني: أنَّ المحضونة إذا كانت بنتًا فنكاح أمِّها لا يُسقِط حضانتها، ويُسقِطها إذا كان ذكرًا.

  20. الثَّالث: أنَّ الزَّوج إذا كان نسيبًا من الطِّفل لم تسقط حضانتها، وإلَّا سقطت. فالاحتجاج بالقصَّة على أنَّ النِّكاح لا يُسقِط الحضانة مطلقًا لا يتمُّ إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين.

  21. فصل

    وقضاؤه - صلى الله عليه وسلم - بالولد لأمِّه وقولُه: «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي» لا يستفاد منه عموم القضاء لكلِّ أمٍّ حتَّى يَقضيَ به للأمِّ وإن كانت كافرةً، أو رقيقةً، أو فاسقةً، أو مسافرةً، فلا يصحُّ الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه، فإذا دلَّ دليلٌ منفصلٌ على اعتبار الإسلام والحرِّيَّة والدِّيانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصًا ولا مخالفةً لظاهر الحديث.

  22. وقد اشتُرِط في الحاضن ستَّة شروطٍ: اتِّفاقهما في الدِّين، فلا حضانة لكافرٍ على مسلمٍ لوجهين:

    أحدهما: أنَّ الحاضن حريصٌ على تربية الطِّفل على دينه، وأن ينشأ عليه ويتربَّى عليه، فيصعُب بعد كبره وعقله انتقالُه عنه، وقد يُغيِّره عن فطرة الله الَّتي فطر عليها عباده، فلا يراجعها أبدًا، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، ويُنصِّرانه، ويُمجِّسانه» (١) . فلا يُؤمَن تهويدُ الحاضن وتنصيرُه للطِّفل المسلم.

    ج ٧ ص ٣٩
  23. فإن قيل: الحديث إنَّما جاء في الأبوين خاصَّةً.

  24. قيل: الحديث خرج مخرجَ الغالب، إذ الغالب المعتاد نشوء الطِّفل بين أبويه، فإن فُقِد الأبوان أو أحدهما قام وليُّ الطِّفل من أقاربه مقامَهما.

  25. الوجه الثَّاني: أنَّ الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفَّار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعضٍ، والكفَّار بعضهم من بعضٍ، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة الَّتي قطعها الله بين الفريقين.

    وقال أهل الرَّأي وابن القاسم وأبو ثورٍ: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد. واحتجُّوا بما روى النَّسائيُّ في «سننه» (٢) من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدِّه رافع بن سِنان: أنَّه أسلم وأبتْ امرأتُه أن تُسلِم، فأتت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ابنتي وهي فَطِيمٌ أو مُشبهة، وقال رافع: ابنتي، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اقعُدْ ناحيةً» ، وقال لها: «اقعدي ناحيةً» ، وقال

    ج ٧ ص ٤٠لهما: «ادعُواها» ، فمالت الصَّبيَّة إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهمَّ اهْدِها» ، فمالت إلى أبيها فأخذها.

    قالوا: ولأنَّ الحضانة أمران: الرِّضاع وخدمة الطِّفل، وكلاهما يجوز من الكافرة (١) .

    قال الآخرون: هذا الحديث هو من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سِنان الأنصاري الأَوْسي، وقد ضعَّفه إمام العلل يحيى بن سعيدٍ القطَّان، وكان سفيان الثَّوريُّ يحمل عليه (٢) ، وضعَّف ابن المنذر الحديث، وضعَّفه غيره. وقد اضطرب في القصَّة، فروى أنَّ المخيَّر كان بنتًا، وروى أنَّه كان ابنًا. وقال الشَّيخ في «المغني» (٣) : وأمَّا الحديث فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبِته أهل النَّقل، وفي إسناده مقالٌ، قاله ابن المنذر.

  26. ثمَّ إنَّ الحديث قد يُحتجُّ به على صحَّة مذهب من اشترط الإسلام، فإنَّ الصَّبيَّة لمَّا مالت إلى أمِّها دعا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لها بالهداية، فمالت إلى أبيها، وهذا يدلُّ على أنَّ كونها مع الكافر خلافُ هدى الله الذي أراده من عباده، ولو استقرَّ جعْلُها مع أمِّها لكان فيه حجَّةٌ، بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله.

  27. ومن العجب أنَّهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأيُّ فسقٍ أكبر من الكفر؟ وأين الضَّرر المتوقَّع من الفاسق بنشوء الطِّفل على طريقته إلى الضَّرر

    ج ٧ ص ٤١المتوقَّع من الكافر؟ مع (١) أنَّ الصَّواب أنَّه لا تُشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شَرَطَها أصحاب أحمد والشَّافعيِّ وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد.

  28. ولو اشتُرِطَ (٢) في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم (٣) ، ولعظمت المشقَّة على الأمَّة، واشتدَّ العَنَتُ. ولم يزل من حينِ قام الإسلام إلى أن تقوم السَّاعة أطفال الفسَّاق بينهم لا يتعرَّض لهم أحدٌ في الدُّنيا، مع كونهم هم الأكثرين. ومتى وقع في الإسلام انتزاعُ طفلٍ من أبويه أو أحدِهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسرِ واستمرارِ العمل المتَّصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النِّكاح، فإنَّه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي، مع أنَّ أكثر الأولياء الذين يَلُون (٤) ذلك فسَّاقٌ. ولم يزل الفسوق في النَّاس، ولم يمنع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أحدٌ من أصحابه فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه مَوْلِيَّتَه، والعادة شاهدةٌ بأنَّ الرَّجل ولو كان من الفسَّاق فإنَّه يحتاط لابنته ولا يضيِّعها، ويَحرِص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّر خلاف ذلك. فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى المعتاد. والشَّارع يكتفي في ذلك بالباعث الطَّبيعيِّ. ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانةِ وولايةِ النِّكاح لكان بيان هذا للأمَّة من أهمِّ الأمور، واعتناء الأمَّة بنقله (٥) وتوارث العمل به

    ج ٧ ص ٤٢مقدَّمًا على كثيرٍ ممَّا نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتِّصال العمل بخلافه؟ ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرِبَ (١) أو أتى كبيرةً فُرِّق بينه وبين أولاده الصِّغار والتمس لهم غيره، والله أعلم.

  29. نعم، العقل مشتَرَطٌ في الحضانة، فلا حضانة لمجنونٍ ولا معتوهٍ ولا طفلٍ؛ لأنَّ هؤلاء يحتاجون إلى من يحضُنُهم ويكفُلُهم، فكيف يكونون كافلين لغيرهم؟

  30. وأمَّا اشتراط الحرِّيَّة، فلا ينهض عليه دليلٌ يركَنُ القلب إليه، وقد شرَطَه أصحاب الأئمَّة الثَّلاثة. وقال مالك في حرٍّ له ولدٌ من أمةٍ: إنَّ الأمَّ أحقُّ به إلا أن تُباع فتنتقل، فيكون الأبُ أحقَّ بها. وهذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُولَّه والدةٌ عن ولدها» (٢) ، وقال: «من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرَّق الله بينه وبين أحبَّتِه يومَ القيامة» (٣) . وقد قالوا: لا يجوز التَّفريق في البيع بين الأمِّ

    ج ٧ ص ٤٣وولدها الصَّغير فكيف يفرِّقون بينهما في الحضانة؟ وعموم الأحاديث يمنع من التَّفريق مطلقًا في الحضانة والبيع. واستدلالُهم بكون منافعها مملوكةً للسَّيِّد، فهي مستغرقةٌ في خدمته، فلا تفرغ لحضانة الولد= ممنوعٌ، بل حقُّ الحضانة لها، تُقدَّم به (١) في أوقات حاجة الولد على حقِّ السَّيِّد، كما في البيع سواء.

  31. وأمَّا اشتراط خلوِّها من النِّكاح فقد تقدَّم. وهاهنا مسألةٌ ينبغي التَّنبيه عليها، وهي أنَّا إذا أسقطنا حقَّها من الحضانة بالنِّكاح ونقلناها إلى غيرها فاتَّفق أنَّه لم يكن له سواها= لم يسقط حقُّها من الحضانة، وهي أحقُّ به من الأجنبيِّ الذي يدفعه القاضي إليه، وتربيته في حجْرِ أمِّه ورَابِّه (٢) أصلح له من تربيته في بيت أجنبيٍّ محضٍ لا قرابةَ بينهما تُوجِب شفقته ورحمته وحُنوَّه، ومن المحال أن تأتي الشَّريعة بدفع مفسدةٍ بمفسدةٍ أعظمَ منها بكثيرٍ، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم حكمًا عامًّا كلِّيًّا: أنَّ كلَّ امرأةٍ تزوَّجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال، حتَّى يكون إثبات الحضانة للأمِّ في هذه الحال مخالفةً للنَّصِّ.

  32. وأمَّا اتِّحاد الدَّار، فإن كان سفر أحدهما لحاجةٍ ثمَّ يعود والآخر مقيمٌ فهو أحقُّ؛ لأنَّ السَّفر بالولد الطِّفل ولا سيَّما إن كان رضيعًا إضرارٌ به، وتضييعٌ له. هكذا أطلقوه، ولم يستثنوا سفر الحجِّ من غيره.

  33. وإن كان أحدهما منتقلًا عن بلد الآخر للإقامة، والبلد وطريقه مَخُوفان،

    ج ٧ ص ٤٤أو أحدهما، فالمقيم أحقُّ. وإن كان هو وطريقُه آمنين ففيه قولان (١) ، وهما روايتان عن أحمد، إحداهما: أنَّ الحضانة للأب ليتمكَّن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه، وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وقضى به شُريحٌ. والثَّانية: أنَّ الأمَّ أحقُّ. وفيها قولٌ ثالثٌ: إنَّ المنتقل إن كان هو الأب فالأمُّ أحقُّ به، وإن كان (٢) الأمُّ فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النِّكاح فهي أحقُّ به، وإن انتقلت إلى غيره (٣) فالأب أحقُّ، وهذا قول الحنفيَّة. وحكوا عن أبي حنيفة روايةً أخرى: أنَّ نَقْلَها إن كان من بلدٍ إلى قريةٍ فالأب أحقُّ، وإن كان من بلدٍ إلى بلدٍ فهي أحقُّ.

  34. وهذه كلُّها أقوالٌ كما ترى لا يقوم عليها دليلٌ يسكن القلب إليه، فالصَّواب النَّظر والاحتياط للطِّفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة والنّقلة، فأيُّهما كان أنفعَ له وأصونَ وأحفظَ رُوعِي، ولا تأثيرَ لإقامةٍ ولا نقلةٍ. هذا كلُّه ما لم يُرِد أحدهما بالنّقلة مُضارَّةَ الآخر وانتزاعَ الولد منه، فإن أراد ذلك لم يُجَبْ إليه، والله الموفِّق.

  35. فصل

    وقوله: «أنت أحقُّ به ما لم تنكحي» ، قيل: فيه إضمارٌ تقديره: ما لم تنكحِي، ويدخلْ بك الزَّوج، ويحكمِ الحاكم بسقوط الحضانة. وهذا تعسُّفٌ بعيدٌ لا يُشعِر به اللَّفظ ولا يدلُّ عليه بوجهٍ، ولا هو من دلالة الاقتضاء الَّتي تتوقَّف صحَّة المعنى عليها. والدُّخول داخلٌ في قوله «تنكحي» عند من