- مسألة التخيير بين الأبوين في الحضانة، وذكر الآثار الواردة فيها

٦٨ فقرة، ج ٧ ص ٤٥

الصفحة ٢ من ٢

  1. الخامس: أنَّ في بعض ألفاظ الحديث أنَّ الولد كان صغيرًا لم يبلغ، ذكره النَّسائيُّ (١) ، وهو حديث رافع بن سِنان، وفيه: فجاء ابنٌ لها صغيرٌ لم يبلغ، فأجلس النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأبَ هاهنا والأمَّ هاهنا، ثمَّ خيَّره.

    ج ٧ ص ٦٣
  2. وأمَّا قولكم: إنَّ بئر أبي عِنَبةَ على أميالٍ من المدينة، فجوابه: بمطالبتِكم أوَّلًا بصحَّة هذا الحديث ومن ذكره، وثانيًا: بأنَّ مسكنَ هذه المرأة كان بعيدًا من البئر، وثالثًا: بأنَّ من له نحو العشر سنين لا يُمكِنُه أن يستقي من البئر المذكورة عادةً، وكلُّ هذا ممَّا لا سبيلَ إليه، فإنَّ العرب وأهل البوادي يستقي أولادهم الصِّغار من آبارٍ هي أبعدُ من ذلك.

  3. وأمَّا تقييدنا له بالسَّبع، فلا ريب أنَّ الحديث لا يقتضي ذلك، ولا هو أمرٌ مجمعٌ عليه، فإنَّ للمخيِّرين قولين:

    أحدهما: أنَّه يُخيَّر لخمسٍ، حكاه إسحاق بن راهويه، ذكره عنه حرب في «مسائله» (٢) . ويُحتَجُّ لهؤلاء بأنَّ الخمس هي السِّنُّ الَّتي يصحُّ فيها سماع

    ج ٧ ص ٦٤الصَّبيِّ، ويمكن أن يَعقِل فيها، وقد قال محمود بن لبيد (١) : عَقَلتُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَجَّةً مَجَّها في فيَّ وأنا ابنُ خمسِ سنين (٢) .

  4. والقول الثَّاني: إنَّه إنَّما يُخيَّر لسبعٍ، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق، ويُحتجَ لهذا القول بأنَّ التَّخيير يستدعي التَّمييز والفهم، ولا ضابطَ له في الأطفال، فضُبِط بمَظِنَّته وهي السَّبع، فإنَّها أوَّل سنِّ التَّمييز؛ ولهذا جعلها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حدًّا للوقت الذي يؤمر فيه (٣) بالصِّلاة.

  5. وقولكم: إنَّ الأحاديث وقائعُ أعيانٍ، فنعم هي كذلك، ولكن يمتنع حملُها على تخيير الرِّجال البالغين كما تقدَّم. وفي بعضها لفظ «غلام» ، وفي بعضها «صغيرٌ لم يبلغ» ، وباللَّه التَّوفيق.

  6. فصل

    وأمَّا قصَّة بنت حمزة، واختصام علي وزيد وجعفر فيها، وحُكْم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها لجعفر، فإنَّ هذه الحكومة كانت عقيبَ فراغهم من عمرة القضاء، فإنَّهم لمَّا خرجوا من مكَّة تبِعتْهم ابنةُ حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ، فأخذ عليٌّ

    ج ٧ ص ٦٥بيدها، ثمَّ تنازع فيها هو وجعفر وزيد، وذكر كلُّ واحدٍ من الثَّلاثة ترجيحًا، فذكر زيد أنَّها ابنة أخيه للمؤاخاة الَّتي عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين حمزة، وذكر عليٌّ كونَها ابنةَ عمِّه، وذكر جعفر مرجِّحين: القرابة، وكون خالتها عنده، فتكون عند خالتها، فاعتبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مرجِّحَ جعفر دون المرجِّحين الآخرين، فحكم له، وجَبَرَ كلَّ واحدٍ منهم وطيَّب قلبه بما هو أحبُّ إليه من أخذ البنت.

  7. فأمَّا مرجِّح المؤاخاة فليس بمقتضٍ للحضانة، ولكن زيد كان وصيَّ حمزة، وكان الإخاء حينئذٍ يثبت به التَّوارث، فظنَّ زيد أنَّه أحقُّ بها لذلك.

  8. وأمَّا مرجِّح القرابة هاهنا وهي بنوَّة العمِّ، فهل يستحقُّ بها الحضانة؟ على قولين:

    أحدهما: يستحقُّ بها وهو منصوص الشَّافعيِّ، وقول مالك وأحمد وغيرهم لأنَّه عصبةٌ، وله ولايةٌ بالقرابة (١) ، فقُدِّم على الأجانب كما يُقدَّم عليهم في الميراث وولاية النِّكاح وولاية الموت، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على جعفر وعلي ادِّعاءهما حضانتَها (٢) ، ولو لم يكن لهما ذلك لأنكر عليهما الدَّعوى الباطلة، فإنَّها دعوى ما ليس لهما، وهو لا يُقِرُّ على باطلٍ.

  9. والقول الثَّاني: أنَّه لا حضانةَ لأحدٍ من الرِّجال سوى الآباء والأجداد، وهذا قول بعض أصحاب الشَّافعيِّ، وهو مخالفٌ لنصِّه وللدَّليل.

  10. فعلى قول الجمهور ــ وهو الصَّواب ــ إذا كان الطِّفل أنثى، وكان ابن

    ج ٧ ص ٦٦العمِّ مَحْرمًا لها برضاعٍ أو نحوه= كان له حضانتها وإن جاوزتِ السَّبعَ، وإن لم يكن مَحْرمًا فله حضانتها صغيرةً حتَّى تبلغ سبعًا، فلا يبقى له حضانتُها، بل تُسلَّم إلى مَحْرمها أو امرأة ثقةٍ. وقال أبو البركات في «محرَّره» (١) : لا حضانة له ما لم يكن محرمًا برضاعٍ أو نحوه.

  11. فإن قيل: فالحكم بالحضانة من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذه القصَّة هل وقع للخالة أو لجعفر؟

  12. قيل: هذا ممَّا اختُلِف فيه على قولين، منشؤهما اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك، ففي «صحيح البخاريِّ» (٢) من حديث البراء: فقضى بها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لخالتها.

  13. وعند أبي داود (٣) من حديث نافع (٤) بن عُجَير، عن أبيه (٥) ، عن علي

    ج ٧ ص ٦٧في هذه القصَّة: «وأمَّا الجارية فأَقْضِي (١) بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنَّما الخالة أمٌّ». ثمَّ ساقه (٢) من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وقال: «قضى بها لجعفر؛ لأنَّ خالتها عنده» . ثمَّ ساقه (٣) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ وهُبَيرة بن يَرِيم (٤) ، وقال: فقضى بها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لخالتها، وقال: «الخالةُ بمنزلة الأمِّ» .

  14. واستشكل كثيرٌ من الفقهاء هذا وهذا، فإنَّ القضاء إن كان لجعفر فليس محرمًا لها، وهو وعلي سواءٌ في القرابة منها، وإن كان للخالة فهي مزوَّجةٌ، والحاضنة إذا تزوَّجت سقطت حضانتها. ولمَّا ضاق هذا على ابن حزمٍ طعن في القصَّة بجميع طرقها، وقال (٥) : أمَّا حديث البخاريِّ فمن رواية إسرائيل، وهو ضعيفٌ. وأمَّا حديث هانئ وهُبيرة فمجهولان. وأمَّا حديث ابن أبي ليلى فمرسلٌ، وأبو فروة الرَّاوي عنه هو مسلم بن سالم الجهني ليس بالمعروف. وأمَّا حديث نافع بن عُجَير فهو وأبوه مجهولان، ولا حجَّة في مجهولٍ. قال (٦) : إلا أنَّ هذا الخبر بكلِّ وجهٍ حجَّةٌ على الحنفيين والمالكيين والشافعيين؛ لأنَّ خالتها كانت مزوَّجةً بجعفر، وهو أجمل شابٍّ في قريشٍ،

    ج ٧ ص ٦٨وليس هو ذا محرمٍ (١) من بنت حمزة. قال: ونحن لا ننكر قضاءه بها لجعفر من أجل خالتها؛ لأنَّ ذلك أحفظُ لها.

    قلت: وهذا من تهوُّره - رحمه الله - وإقدامِه على تضعيف ما اتفق النَّاس على صحَّته، فخالفهم وحدَه، فإنَّ هذه القصَّة شهرتها في الصِّحاح والسُّنن والمساند والسِّير والتَّواريخ تُغنِي عن إسنادها، فكيف وقد اتَّفق عليها صاحبا الصَّحيح، ولم يُحفظ عن أحدٍ قبله الطَّعنُ فيها البتَّةَ.

  15. وقوله: إسرائيل ضعيفٌ، فالَّذي غرَّه في ذلك تضعيفُ عليِّ بن المدينيِّ له، ولكن أبى ذلك سائر أهل الحديث، واحتجُّوا به، ووثَّقوه وثبَّتوه (٢) . قال أحمد: ثقةٌ، وتعجَّب من حفظه، وقال أبو حاتم: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ولا سيَّما قد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق، وكان يحفظ حديثه كما يحفظ السُّورة من القرآن، وروى له الجماعة كلُّهم محتجِّين به.

  16. وأمَّا قوله: إنَّ هانئًا وهُبيرةَ مجهولان، فنعم مجهولان عنده، معروفان عند أهل السُّنن، ووثَّقهما الحفَّاظ، فقال النَّسائيُّ: هانئ بن هانئ ليس به بأسٌ، وهبيرة روى له أهل السُّنن الأربعة وقد وثِّق (٣) .

  17. وأمَّا قوله: حديث ابن أبي ليلى مرسل، وأبو فروة الرَّاوي عنه مسلم بن مسلم (٤) الجهني ليس بالمعروف، فالتَّعليلان باطلان؛ فإنَّ عبد الرَّحمن بن

    ج ٧ ص ٦٩أبي ليلى روى عن علي غيرَ حديثٍ، وعن عمر ومعاذ. والَّذي غرَّ أبا محمد أنَّ أبا داود (١) قال: حدَّثنا محمد بن عيسى، ثنا سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى بهذا الخبر. وظنَّ أبو محمد أنَّ عبد الرحمن لم يذكر عليًّا في الرِّواية، فرماه بالإرسال، وذلك من وهمه، فإنَّ ابن أبي ليلى روى القصَّة عن علي، فاختصر أبو داود ذِكرَ مكان الاحتجاج، وأحال على العلم المشهور برواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن علي. وهذه القصَّة قد رواها علي، وسمعها منه أصحابه: هانئ بن هانئ، وهُبيرة بن يَرِيم (٢) ، وعُجَير بن عبد يزيد (٣) ، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى (٤) ، فذكر أبو داود أحاديث الثَّلاثة الأوَّلين لسياقهم لها بتمامها، وأشار إلى حديث ابن أبي ليلى لأنَّه لم يُتِمَّه، وذكر السَّند منه إليه، فبطل الإرسال.

  18. ثمَّ رأيت أبا بكرٍ الإسماعيليَّ قد روى هذا الحديث في مسند عليٍّ (٥) مصرِّحًا فيه بالاتِّصال، فقال: أخبرنا الهيثم بن خلفٍ، ثنا عثمان بن سعيد المقرئ، ثنا يوسف بن عديٍّ، ثنا سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن علي أنَّه اختصم هو وجعفر وزيد، وذكر الحديث.

  19. وأمَّا قوله: إنَّ أبا فروة ليس بالمعروف، فقد عرفه سفيان بن عيينة

    ج ٧ ص ٧٠وغيره، وخرَّجا له في الصَّحيحين (١) .

  20. وأمَّا رميه نافع بن عُجَير وأباه بالجهالة، فنعم، ولا يُعرَف حالهما، وليسا من المشهورين بنقل العلم (٢) ، وإن كان نافعٌ أشهرَ من أبيه؛ لرواية ثقتين عنه: محمَّد بن إبراهيم التَّيمي (٣) ، وعبد الله بن علي، فليس الاعتماد على روايتهما، وباللَّه التَّوفيق. فثبتَ صحَّة الحديث.

  21. وأمَّا الجواب عن استشكال من استشكله، فنقول وباللَّه التَّوفيق: لا إشكال، سواءٌ كان القضاء لجعفر أو للخالة، فإنَّ ابنة العمِّ إذا لم يكن لها قرابةٌ سوى ابنِ عمِّها جاز أن تُجعَل مع امرأته في بيته، بل يتعيَّن ذلك، وهو أولى من الأجنبيِّ، لا سيَّما إن كان ابنُ العمِّ مبرِّزًا في الدِّيانة والعفَّة والصِّيانة، فإنَّه في هذه الحال أولى من الأجانب بلا ريبٍ.

  22. فإن قيل: فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان ابن عمِّها، وكان مَحْرمًا لها؛ لأنَّ حمزة كان أخاه من الرَّضاعة، فهلَّا أخذها هو؟

  23. قيل: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في شُغلٍ شاغلٍ بأعباء الرِّسالة، وتبليغ الوحي، والدَّعوة إلى اللَّه، وجهاد أعداء الله= عن فراغه للحضانة، فلو أخذها لدفعها إلى بعض (٤) نسائه، فخالتها أمسُّ بها رَحِمًا وأقربُ.

  24. وأيضًا فإنَّ المرأة من نسائه لم تكن تَجيئُها النَّوبةُ إلا بعد تسع ليالٍ، فإن

    ج ٧ ص ٧١دارت الصَّبيَّة معه حيث دار كان مشقَّةً عليها، وكان فيه من بروزها وظهورها كلَّ وقتٍ ما لا يخفى، وإن جلست في بيت إحداهنَّ كانت لها الحضانة وهي أجنبيَّةٌ.

  25. هذا إن كان القضاء لجعفر. وإن كان للخالة ــ وهو الصَّحيح، وعليه يدلُّ الحديث الصَّحيح الصَّريح ــ فلا إشكال؛ لوجوهٍ:

    أحدها: أنَّ نكاح الحاضنة لا يُسقِط حضانة البنت، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، وأحد قولي العلماء. وحجته هذا الحديث، وقد تقدَّم سرُّ الفرق بين الذَّكر والأنثى.

  26. الثَّاني: أنَّ نكاحها قريبًا من الطِّفل لا يُسقِط حضانتها، وجعفر ابن عمِّها.

  27. الثَّالث: أنَّ الزَّوج إذا رضي بالحضانة وآثرَ كونَ الطِّفل عنده في حجره لم تسقط الحضانة. هذا هو الصَّحيح، وهو مبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ سقوط الحضانة بالنِّكاح هو مراعاةٌ لحقِّ الزَّوج، فإنَّه ينتقص (١) عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة لحضانتها ولدَ غيره، ويتنكَّد عليه عيشُه مع المرأة، ولا يُؤمَن أن يحصل بينهما خلافُ المودَّة والرَّحمة؛ ولهذا للزَّوج أن يمنعها من هذا مع اشتغالها هي بحقوق الزَّوج، فتضيع مصلحة الطِّفل. فإذا آثرَ الزَّوجُ ذلك، وطلبه وحَرَصَ عليه، زالت المفسدة الَّتي لأجلها سقطت الحضانة، والمقتضي قائمٌ، فتَرتَّب عليه أثره.

  28. يُوضِّحه أنَّ سقوط الحضانة بالنِّكاح ليست حقًّا للَّه، وإنَّما هي حقٌّ للزَّوج وللطِّفل وأقاربِه، فإذا رضي من له الحقُّ جاز. فزال الإشكال على كلِّ