فصل في انصرافه من الصلاة وما كان يقوله وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها
٣٢ فقرة، ج ٢ ص ٣٤١
- ج ٢ ص ٣٤١
هذا (١) الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة. والله أعلم.
-
فصل
فيما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله بعد انصرافه من الصلاة، وجلوسه بعدها، وسرعة انفتاله (٢) منها، وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها
كان إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٣) .
-
ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك، بل يسرع الانفتال إلى المأمومين.
-
وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره. قال ابن مسعود: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ينصرف عن يساره. وقال أنس: أكثر ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينصرف عن يمينه. والأول في «الصحيحين» (٤) ، والثاني في مسلم (٥) . وقال عبد الله بن عمرو (٦) : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة (٧) .
- ج ٢ ص ٣٤٢
ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه (١) ، ولا يخُصُّ ناحيةً منهم دون ناحية.
-
وكان إذا صلَّى الفجر، جلس في مصلَّاه حتى تطلع الشمس حسنًا (٢) .
-
وكان يقول في دبر كلِّ صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ. اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (٣) .
-
وكان يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه. له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» (٤) .
-
وذكر أبو داود (٥) عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلَّم من الصلاة قال: «اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به منِّي. أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت» .
- ج ٢ ص ٣٤٣
هذا قطعةٌ من حديث عليٍّ الطويل الذي رواه مسلم (١) في استفتاحه - صلى الله عليه وسلم -، وما كان يقوله (٢) في ركوعه وسجوده. ولمسلم فيه لفظان، أحدهما (٣) : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله بين التشهُّد والتسليم، وهذا هو الصواب. والثاني (٤) : كان يقوله بعد السلام. ولعله كان يقوله في الموضعين. والله أعلم.
-
وذكر الإمام أحمد (٥) عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في دبر كلِّ صلاة: «اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّك الرَّبُّ وحدك لا شريك لك. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّ محمَّدًا عبدك ورسولك. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّ العباد كلَّهم إخوةٌ. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، اجعلني مخلصًا لك وأهلي في كلِّ ساعة من الدنيا والآخرة. يا ذا الجلال والإكرام، اسمَعْ واستَجِبْ. الله الأكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله (٦) الأكبر الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله الأكبر الأكبر». ورواه أبو داود.
- ج ٢ ص ٣٤٤
وندب أمَّتَه إلى أن يقولوا في دبر كلِّ صلاة: «سبحان الله» ثلاثًا وثلاثين و «الحمد لله» كذلك، و «الله أكبر» كذلك. وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ (١) . وفي صفة أخرى: التكبير أربعًا وثلاثين فتتم به المائة (٢) .
-
وفي صفة أخرى: خمسًا وعشرين تسبيحةً، ومثلها تحميد، ومثلها تكبير (٣) ، ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ (٤) .
-
وفي صفة أخرى: عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات (٥) .
-
وفي صفة أخرى: إحدى عشرة كما في «صحيح مسلم» (٦) في بعض
ج ٢ ص ٣٤٥روايات حديث أبي هريرة: «تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون (١) دبرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة= فذلك ثلاثةٌ وثلاثون». والذي يظهر في هذه الصفة أنها من تصرُّف بعض الرواة وتفسيره، لأن لفظ الحديث: «تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون دبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين» (٢) . وإنما مراده بهذا أن تكون الثلاث والثلاثون في كلِّ واحدة من (٣) كلمات التسبيح والتكبير والتحميد (٤) . أي تقولوا (٥) : سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، لأن راوي الحديث سميٌّ عن أبي صالح السَّمَّان، وبذلك فسَّره له أبو صالح فقال: تقول: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر» ، حتى يكون منهن كلِّهن ثلاثٌ وثلاثون.
-
وأما تخصيصه بإحدى عشرة فلا نظير له في شيء من الأذكار، بخلاف المائة، فإن لها نظائر، والعشرة لها نظائر أيضًا، كما في «السنن» (٦) من حديث
ج ٢ ص ٣٤٦أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثانٍ رجليه، قبل أن يتكلَّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت, وهو على كلِّ شيء قديرٌ= عشر مرَّات، كُتِبت (١) له عشرُ حسنات، ومُحِي عنه عشرُ سيِّئات، ورُفِع له عشرُ درجات، وكان يومه ذلك كلَّه في حِرْزٍ من كلِّ مكروه، وحُرِس من الشيطان، ولم ينبغِ للذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.
-
وفي «مسند الإمام أحمد» (٢) من حديث أمِّ سلَمة أنه - صلى الله عليه وسلم - علَّم ابنته فاطمة لما جاءته تسأله الخادم أن تسبِّح الله عند النوم ثلاثًا وثلاثين، وتحمِّده ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّره أربعًا وثلاثين (٣) . وإذا صلَّت الصبح أن تقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد (٤) ، وهو على كل شيء قديرٌ»، عشر مرات، وبعد صلاة المغرب عشر مرَّات.
-
وفي «صحيح ابن حبان» (٥)
-
عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه: «من قال إذا
ج ٢ ص ٣٤٧أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ= عشرَ مرَّات، كُتِب له بهن عشرُ حسنات، ومُحِي عنه بهنَّ عشرُ سيِّئات، ورُفع له بهنَّ عشرُ درجات، وكُنَّ له عَدْلَ عَتاقةِ أربع رقاب، وكنَّ له حرَسًا من الشيطان حتى يمسي. ومن قالهن إذا صلَّى المغرب دبرَ صلاته فمثلُ ذلك حتى يصبح».
-
وقد تقدَّم قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الاستفتاح: «الله أكبر عشرًا، والحمد لله عشرًا، وسبحان الله عشرًا، ولا إله إلا الله عشرًا، ويستغفر الله عشرًا، ويقول: اللهم اغفر لي، واهدني وارزقني عشرًا، ويتعوَّذ من ضيق يوم القيامة عشرًا» .
-
فالعشر في الأذكار والدعوات كثيرةٌ. وأما الإحدى عشرة فلم يجئ ذكرها في شيء من ذلك البتة، إلا في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدِّم، فالله (١) أعلم.
- ج ٢ ص ٣٤٨
وقد ذكر أبو حاتم في «صحيحه» (١) أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند انصرافه من صلاته: «اللهمَّ أصلِحْ لي ديني الذي جعلتَه عِصْمةَ أمري، وأصلِحْ لي دنياي التي جعلتَ فيها معاشي، اللهمَّ إنِّي أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» .
-
وذكر الحاكم في «مستدركه» (٢) عن أبي أيوب أنه قال: ما صلَّيتُ وراء نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - إلا سمعتُه حين ينصرف من صلاته يقول: «اللهمَّ اغفر لي خطاياي وذنوبي كلَّها. اللهمَّ انعَشْني (٣) وأَحْيِني وارزقني، واهْدِني لصالح الأعمال
ج ٢ ص ٣٤٩والأخلاق، إنه لا يهدي لصالحها ولا يَصْرف سيِّئَها (١) إلا أنت».
-
وذكر ابن حِبَّان في «صحيحه» (٢) عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلَّيتَ الصبح فقل قبل أن تتكلَّم: اللهمَّ أَجِرْني من النار، سبع مرَّات، فإنك إن متَّ من يومك كتب الله لك جوارًا من النار. وإذا صلَّيت المغرب، فقل قبل أن تتكلَّم: اللهمَّ أجِرْني من النار، سبع مرات؛ فإنك إن متَّ من ليلتك كتَب الله لك جوارًا من النار (٣) ».
-
وقد ذكر النَّسائي في «الكبير» (٤) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله
ج ٢ ص ٣٥٠- صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ آية الكرسي في دبر كلِّ صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» . هذا الحديث تفرَّد به محمد بن حِمْيَر عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة، رواه النسائي عن الحسين بن بشر، عن محمد بن حِمْيَر. وهذا الحديث من الناس من يصحِّحه (١) ، ويقول: الحسين بن بشر (٢) قد قال فيه النسائي: لا بأس به، وفي موضع وثَّقه (٣) . وأما المحمَّدان، فاحتجَّ بهما البخاري في «صحيحه» . قالوا: فالحديث على رسمه.
-
ومنهم من يقول: بل (٤) هو موضوعٌ. وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في «الموضوعات» (٥) ، وتعلَّق على محمَّد بن حِمْيَر، وأن أبا حاتم الرَّازي قال: لا يحتجُّ به، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقويّ. فأنكر ذلك
ج ٢ ص ٣٥١عليه بعضُ الحفاظ (١) ، ووثَّقوا محمدًا، وقالوا: هو أجلُّ من أن يكون له حديثٌ موضوعٌ، وقد احتجَّ به أجلُّ من صنَّف في الصحيح وهو البخاري، ووثَّقه أشدُّ الناس مقالةً في الرجال: يحيى بن معين.
-
وقد رواه الطبراني في «معجمه» (٢) أيضًا من حديث عبد الله بن حسن بن حسن (٣) عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمَّة الله إلى الصلاة الأخرى» . وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عُمَر (٤) ، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك (٥) .
-
وفيها كلِّها
ج ٢ ص ٣٥٢ضعفٌ، ولكن إذا انضمَّ بعضها إلى بعض، مع تباين (١) طرقها واختلاف مخارجها، دلَّت على أن الحديث له أصلٌ وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه أنه قال: ما تركتُها عَقيبَ كلِّ صلاة (٢) .
-
وفي «المسند» و «السنن» (٣) عن عُقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله
ج ٢ ص ٣٥٣- صلى الله عليه وسلم -: أن أقرأ بالمعوِّذات في دبر كلِّ صلاة. ورواه أبو حاتم ابن حِبَّان في «صحيحه» ، والحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. ولفظ الترمذي: «بالمعوِّذتين» .
-
وفي «معجم الطبراني» و «مسند أبي يعلى الموصلي» (١) من حديث عمر بن نبهان ــ وقد تُكُلِّم فيه ــ عن جابر يرفعه: «ثلاثٌ مَن جاء بهن مع الإيمان، دخل من أيِّ أبواب الجنة شاء، وزُوِّج من الحُور العِين حيث شاء: من عفا عن قاتله، وأدَّى دَينًا خفيًّا، وقرأ في دبر كلِّ صلاة مكتوبة عشر مرَّات: قل هو الله أحد» . فقال أبو بكر: أو إحداهنَّ يا رسول الله: قال: «أو إحداهنَّ» .
-
وأوصى معاذًا أن يقول في دبر كلِّ صلاة: «اللهمَّ أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» (٢) .
-
و «دبر الصلاة» هنا يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجِّح أن