فصل في تغميض العين في الصلاة
٧ فقرات، ج ٢ ص ٣٣٩
- ج ٢ ص ٣٣٩
ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - تغميض عينيه في الصلاة. وقد تقدَّم أنه كان في التشهُّد يرمي (١) ببصره إلى إصبعه في الدعاء، ولا يجاوز ببصره إشارته.
-
وذكر البخاري في «صحيحه» (٢) عن أنس قال: كان قِرَامٌ (٣) لعائشة، سترت به جانبَ بيتها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أميطي عنَّا قِرامَكِ هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرِض في صلاتي» . ولو كان يغمِّض عينيه، لما عرضت له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظرٌ، لأن الذي كان يعرض له في صلاته: هل هو تذكُّرُ (٤) تلك التصاوير بعد رؤيتها، أو نفسُ رؤيتها؟ هذا محتمل (٥) .
-
وأبين دلالةً منه حديث عائشة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في خميصة لها أعلامٌ، فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْم، وَأْتُوني بأنبجَانيَّته (٦) ، فإنها أَلْهَتْني آنفًا عن صلاتي» (٧) . وفي الاستدلال به أيضًا ما فيه، إذ غايته أنه حانت منه التفاتةٌ إليها، فشغلته بتلك الالتفاتة.
-
ولا يدل حديث التفاته إلى الشِّعْب لما أرسل الفارس إليه طليعةً، لأن
ج ٢ ص ٣٤٠ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة، لاهتمامه بأمور الجيش.
-
وقد يدل على ذلك مدُّ يدِه في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة، وكذلك رؤيةُ (١) النارِ وصاحبةِ الهرَّة فيها وصاحبِ المحجن. وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمُرَّ بين يديه، وردُّه الغلام والجارية، وحجزُه بين الجاريتين. وكذلك أحاديث ردِّه السلامَ بالإشارة على من سلَّم عليه وهو في الصلاة، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه. وكذلك حديث تعرُّض الشيطان له في صلاته (٢) ، فأخذه، فخنقه، وكان ذلك رؤية عين (٣) . فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلمُ بأنه لم يكن يغمِّض عينيه في الصلاة.
-
وقد اختلف الفقهاء في كراهته. فكرهه الإمام أحمد وغيره، وقالوا: هو من فعل اليهود. وأباحه جماعةٌ، ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرُّها ومقصودها (٤) .
-
والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع فهو أفضل. وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزَّخرفة (٥) والتزويق أو غيره مما يشوِّش عليه قلبه، فهنا لا يُكرَه التغميض قطعًا، والقولُ باستحبابه في