ذكر حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الاستبراء

١٢٥ فقرة، ج ٧ ص ٣٧١

الصفحة ٢ من ٤

  1. وبعد، فهو ثقةٌ، قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: صالح الحديث، وذكره ابن حبَّان في كتاب «الثِّقات» (٢) ، واحتجَّ به مسلم، فلا وجه لضعف الحديث به. وإنَّما علَّة الحديث (٣) أنَّه من رواية قَبيصة بن ذُؤيبٍ، عن عمرو بن العاص، ولم يسمع منه، قاله الدَّارقطنيُّ (٤) .

    ج ٧ ص ٣٨٦
  2. وله علَّةٌ أخرى، وهي أنَّه موقوفٌ، لم يقل: «لا تلبسوا علينا سنَّة نبيِّنا» . قال الدَّارقطنيُّ (٥) : والصَّواب: «لا تلبسوا علينا ديننا» . موقوفٌ.

  3. وله علَّةٌ أخرى، وهي اضطراب الحديث، واختلافه عن عمرو على ثلاثة أوجهٍ:

    ج ٧ ص ٣٨٧أحدها: هذا.

  4. والثَّاني: عدَّة أمِّ الولد عدَّة الحرَّة.

  5. والثَّالث: عدَّتها إذا توفِّي عنها سيِّدها أربعة أشهرٍ وعشرًا، فإذا عَتَقَتْ فعدَّتها ثلاث حيضٍ. والأقاويل الثَّلاثة عنه ذكرها البيهقي (١) .

    قال الإمام أحمد: هذا حديثٌ منكرٌ، حكاه البيهقي عنه (٢) .

  6. وقد روى خِلاس عن علي مثل رواية قَبِيصة عن عمرو، أنَّ عدَّة أمِّ الولد أربعة أشهرٍ وعشرًا (٣) . ولكنَّ خِلاس بن عمرٍو قد تُكلِّم في حديثه (٤) ، فقال أيوب: لا تَرْوِ عنه؛ فإنَّه صحفيٌّ، وكان مغيرة لا يعبأ بحديثه. وقال أحمد: روايته عن علي يقال: إنَّه كتابٌ، وقال البيهقي (٥) : روايات خِلاس عن علي ضعيفةٌ عند أهل العلم بالحديث، يقال: هي من صحيفةٍ. ومع ذلك فقد روى مالك (٦) عن نافع عن ابن عمر في أمِّ الولد يتوفَّى عنها سيِّدها، قال: تعتدُّ بحيضةٍ.

  7. فإن ثبت عن علي وعمرو ما رُوي عنهما فهي مسألة نزاعٍ بين الصَّحابة، والدَّليل هو الحاكم، وليس مع من جعلها أربعة أشهرٍ وعشرًا إلا التَّعلُّقُ بعموم المعنى، إذ لم يكن معهم لفظٌ عامٌّ، ولكنَّ شرط عموم المعنى تَساوي الأفراد في المعنى الذي ثبت الحكم لأجله، فما لم يُعلم ذلك لم يتحقَّق الإلحاق.

    ج ٧ ص ٣٨٨
  8. والَّذين ألحقوا أمَّ الولد بالزَّوجة رأوا أنَّ الشَّبَه الذي بين أمِّ الولد وبين الزَّوجة أقوى من الشَّبَه الذي بينها وبين الأمة، من جهةِ أنَّها بالموت صارت حرَّةً، فلزمتْها العدَّة مع حرِّيَّتها، بخلاف الأمة. ولأنَّ المعنى الذي جُعِلت له عدَّة الزَّوجة أربعة أشهرٍ وعشرًا موجودٌ في أمِّ الولد، وهو أدنى الأوقات الذي يتيقَّن فيها خلق الولد، وهذا لا يفترق الحال فيه بين الزَّوجة وأمِّ الولد، والشَّريعة لا تُفرِّق بين متماثلين.

  9. ومنازعوهم يقولون: أمُّ الولد أحكامها أحكام الإماء، لا أحكام الزَّوجات، ولهذا لم تدخل في قوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: ١٢] وغيرها، فكيف تدخل في قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: ٢٣٤] ؟

    قالوا: والعدَّة لم تُجعل أربعة أشهرٍ وعشرًا لأجل مجرَّد براءة الرَّحم، فإنَّها تجب على من يتيقَّن براءة رحمها، وتجب قبل الدُّخول والخلوة، فهي من حريمِ عقد النِّكاح وتمامِه. وأمَّا استبراء الأمة فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها، وهذا يكفي فيه حيضةٌ، ولهذا لم يُجعل استبراؤها ثلاثة قروءٍ، كما جُعلت عدَّة الحرَّة كذلك تطويلًا لزمان الرَّجعة ونظرًا للزَّوج. وهذا المعنى مقصودٌ في المستبرأة، فلا نصَّ يقتضي إلحاقَها بالزَّوجات ولا معنى، فأولى

    ج ٧ ص ٣٨٩الأمور بها أن يُشرع لها ما شرعه صاحب الشَّرع في المَسْبيَّات والمملوكات، ولا يتعدَّاه، وباللَّه التَّوفيق.

  10. فصل

    الحكم الثَّاني: أنَّه لا يحصل الاستبراء بطهرٍ البتَّةَ، بل لا بدَّ من حيضةٍ. وهذا قول الجمهور، وهو الصَّواب. وقال أصحاب مالك، والشَّافعيُّ في قولٍ له: يحصل بطهر كاملٍ، ومتى طعنتْ في الحيضة تمَّ استبراؤها، بناءً على قولهما: إنَّ الأقراء الأطهار. ولكن يردُّ هذا قولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تَضعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ» (١) .

    وقال رُوَيفع بن ثابتٍ: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يومَ حنين: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جاريةً من السَّبي حتَّى يستبرئها بحيضةٍ» . رواه الإمام أحمد (٢) ، وعنده فيه ثلاثة ألفاظٍ، [هذا أحدها] (٣) .

  11. الثَّاني: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُوطَأ (٤) الأمة حتَّى تحيض، وعن الحبالى حتَّى يضعن» (٥) .

  12. الثَّالث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحنَّ ثيِّبًا من السَّبايا حتَّى تحيض» (١) .

    ج ٧ ص ٣٩٠
  13. فعلَّق الحِلَّ في ذلك كلِّه بالحيض وحده لا بالطُّهر، فلا يجوز إلغاء ما اعتبره واعتبارُ ما ألغاه، ولا تعويلَ على ما خالف نصَّه، وهو مقتضى القياس المحض، فإنَّ الواجب هو الاستبراء، والَّذي يدلُّ على البراءة هو الحيض، فأمَّا الطُّهر فلا دلالة فيه على البراءة، فلا يجوز أن يُعَوَّل (٢) في الاستبراء على ما لا دلالةَ له فيه عليه دون ما يدلُّ عليه.

  14. وبناؤهم هذا على أنَّ الأقراء هي الأطهار بناءٌ للخلاف على الخلاف، وليس بحجَّة ولا شبهةٍ. ثمَّ لم يُمكِنهم بناءُ هذا على ذاك حتَّى خالفوه، فجعلوا الطُّهر الذي طلَّقها فيه قرءًا، ولم يجعلوا طهر المستبرأة الَّتي تجدَّد عليها المِلكُ فيه أو مات سيِّدها فيه قرءًا، وحتَّى خالفوا الحديثَ أيضًا كما تبيَّن، وحتَّى خالفوا المعنى كما بيَّنَّاه، فلم يمكنهم هذا البناء إلا بعد هذه الأنواع الثَّلاثة من المخالفة.

  15. وعامة (٣) ما قالوا: أنَّ بعض الحيضة المقترن بالطُّهر يدلُّ على البراءة، فيقال لهم: فيكون الاعتماد حينئذٍ على بعض الحيضة، وليس ذلك قرءًا عند أحدٍ.

  16. فإن قالوا: هو اعتمادٌ على بعض حيضةٍ وطهرٍ.

  17. قلنا: هذا قولٌ ثالثٌ في مسمَّى القرء، ولا يُعرف، وهو أن تكون حقيقته مركَّبةً من حيضٍ وطهرٍ.

    ج ٧ ص ٣٩١
  18. فإن قالوا: بل هو اسمٌ للطُّهر بشرط الحيض، فإذا انتفى الشَّرط انتفى المشروط.

  19. قلنا: هذا إنَّما يمكن أن لو علَّق الشَّارع الاستبراء بقرءٍ، فأمَّا مع تصريحه على التَّعليق بحيضةٍ فلا. والله أعلم.

  20. فصل

    الحكم الثَّالث: أنَّه لا يحصل ببعض حيضةٍ في يد المشتري (١) اكتفاءً (٢) بها. قال صاحب «الجواهر» (٣) : فإن بيعت الأمة في آخر أيَّام محيضها لم يكن ما بقي من حيضها استبراءً لها من غير خلافٍ، وإن بيعت وهي في أوَّل [حيضتها] (٤) فالمشهور من المذهب أنَّ ذلك يكون (٥) استبراءً لها.

  21. وقد احتجَّ من نازع مالكًا رحمة الله عليه بهذا الحديث، فإنَّه علَّق الحلَّ بحيضةٍ، فلا بدَّ من تمامها. ولا دليلَ فيه على بطلان قوله، فإنَّه لا بدَّ من الحيضة بالاتِّفاق، ولكنَّ النِّزاع في أمرٍ آخر، وهو أنَّه هل يُشترط أن يكون جميع الحيضة وهي في مِلكه، أو يكفي أن يكون معظمها في ملكه؟ فهذا لا

    ج ٧ ص ٣٩٢ينفيه الحديث ولا يُثبته. لكن لمنازعيه أن يقولوا: لمَّا اتَّفقنا على أنَّه لا يكفي أن يكون بعضها في مِلك المشتري وبعضها في مِلك البائع، إذا كان أكثرها عند البائع، عُلِم أنَّ الحيضة المعتبرة أن تكون وهي عند المشتري، ولهذا لو حاضت عند البائع لم يكن ذلك [كافيًا] (١) في الاستبراء.

  22. ومن قال بقول مالك يجيب عن هذا: بأنَّها إذا حاضت قبل البيع وهي مُودَعةٌ عند المشتري، ثمَّ باعها عقيبَ الحيضة، ولم تخرج من بيته= اكتفَى بتلك الحيضة، ولم يجب على المشتري استبراءٌ ثانٍ. وهذا أحد القولين في مذهب مالك كما تقدَّم، فهو يُجوِّز أن يكون الاستبراء واقعًا قبل البيع في صورٍ، منها هذه، ومنها إذا وُضِعت للاستبراء عند ثالثٍ، فاستبرأها، ثمَّ بيعت بعده.

    قال في «الجواهر» (٢) : ولا يُجزئ الاستبراء قبل البيع إلا في حالاتٍ:

    منها: أن تكون تحت يده للاستبراء أو بالوديعة، فتحيض عنده، ثمَّ يشتريها (٣) حينئذٍ أو بعد أيَّامٍ، وهي لا تخرج، ولا يدخل عليها سيِّدها.

  23. ومنها: أن يشتريها ممَّن هو ساكنٌ معه من زوجته أو ولدٍ له صغيرٍ في عِياله، وقد حاضت، فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك. وقال أشهب: إن كانت معه في دارٍ وهو الذَّابُّ عنها والنَّاظر في أمرها فهو استبراءٌ، كانت تخرج أو لا تخرج.

  24. ومنها: إذا كان سيِّدها غائبًا، فحين قدِمَ اشتراها (١) قبل أن تخرج، أو خرجت وهي حائضٌ فاشتراها منه قبل أن تطهر.

    ج ٧ ص ٣٩٣
  25. ومنها: الشَّريك يشتري نصيبَ شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما، وقد حاضت في يده.

  26. وقد تقدَّمت هذه المسائل (٢) ، فهذه وما في معناها تضمَّنت الاستبراء قبل البيع، واكتفى به مالك عن استبراءٍ ثانٍ.

  27. فإن قيل: فكيف يجتمع قوله هذا وقوله: إنَّ الحيضة إذا وُجِد معظمها عند البائع لم يكن استبراءً؟

  28. قيل: لا تناقضَ بينهما، وهذه لها موضعٌ، وهذه لها موضعٌ، فكلُّ موضعٍ يحتاج فيه المشتري إلى استبراءٍ مستقلٍّ لا يُجزئ إلا حيضةٌ، لم يوجد معظمها عند البائع، وكلُّ موضعٍ لا يحتاج فيه إلى استبراءٍ مستقلٍّ لا يحتاج فيه إلى حيضةٍ ولا بعضها، والاعتبار (٣) بالاستبراء قبلَ البيع كهذه الصُّور ونحوها.

  29. فصل

    الحكم الرَّابع: أنَّها إذا كانت حاملًا فاستبراؤها بوضع الحمل، وهذا كما أنَّه حكمُ النَّصِّ فهو مجمعٌ عليه بين الأمَّة.

  30. فصل

    الحكم الخامس: أنَّه لا يجوز وطؤها قبل وضع حملها، أيَّ حملٍ كان، سواءٌ كان يلحق بالواطئ، كحمل الزَّوجة والمملوكة والموطوءة بشبهة، أو لا يلحق به، كحمل الزَّانية، فلا يحلُّ وطء حاملٍ من غير الواطئ البتَّةَ، كما صرَّح به النَّصُّ، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَسقِي ماءه زَرْعَ غيرِه» (١) ، وهذا يعمُّ الزَّرعَ الطَّيِّب والخبيثَ. ولأنَّ صيانة ماء الواطئ عن الماء الخبيث حتَّى لا يختلط به أولى من صيانته عن الماء الطَّيِّب. ولأنَّ حمْلَ الزَّاني وإن كان لا حرمة له ولا لمائه، فحملُ هذا الواطئ وماؤه محترمٌ، فلا يجوز له خلطه بغيره. ولأنَّ هذا مخالفٌ لسنَّة الله في تمييز الخبيث من الطَّيِّب، وتخليصِه منه، وإلحاقِ كلِّ قسمٍ بمجانسه ومشاكله.

    ج ٧ ص ٣٩٤
  31. والَّذي يُقضى منه العجب تجويزُ من جوَّز من الفقهاء الأربعة العقدَ على الزَّانية قبل استبرائها ووَطْأَها عقيبَ العقد، فتكون اللَّيلةَ عند الزَّاني وقد عَلِقَتْ منه، واللَّيلة الَّتي تليها فراشًا للزَّوج. ومن تأمَّل كمال هذه الشَّريعة علم أنَّها تأبى ذلك كلَّ الإباء، وتمنع منه كلَّ المنع.

  32. ومن محاسن مذهب الإمام أحمد قدَّس الله روحه أن حرَّم نكاحها بالكلِّيَّة حتَّى تتوب، ويرتفع عنها اسم الزَّانية والبغيِّ والفاجرة، فهو - رحمه الله - لا يُجوِّز أن يكون الرَّجل زوجَ بغيٍّ. ومنازعوه يُجوِّزون ذلك. وهو أسعدُ منهم في هذه المسألة بالأدلَّة نصًّا كلِّها، من النُّصوص والآثار، والمعاني والقياس، والمصلحة والحكمة، وتحريم ما رآه المسلمون قبيحًا. والنَّاس إذا بالغوا في

    ج ٧ ص ٣٩٥سبِّ الرَّجل صرَّحوا له بالزَّاي والقاف (١) . فكيف تُجوِّز الشَّريعة مثلَ هذا، مع ما فيه من تعرُّضِه لإفساد فراشه، وتعليقِ أولادٍ عليه من غيره، وتعرُّضِه للاسم المذموم عند جميع الأمم؟

  33. وقياسُ قول من جوَّز العقدَ على الزَّانية ووطْأَها قبل استبرائها حتَّى لو كانت حاملًا: أن لا يُوجِب استبراء الأمة إذا كانت حاملًا من الزِّنا، بل يطؤها عقيبَ مِلكها، وهو مخالفٌ لصريح السُّنَّة. فإن أوجبَ استبراءها نقضَ قولَه بجواز وطء الزَّانية قبل استبرائها، وإن لم يُوجِب استبراءها خالف النُّصوص، ولا ينفعه الفرقُ بينهما بأنَّ الزَّوج لا استبراءَ عليه بخلاف السَّيِّد، فإنَّ الزَّوج إنَّما لم يجب عليه الاستبراء؛ لأنَّه لا يَعقِد على معتدَّةٍ ولا حاملٍ من غيره، بخلاف السَّيِّد.

  34. ثمَّ إنَّ الشَّارع إنَّما حرَّم الوطء بل العقدَ في العدَّة خشيةَ إمكان الحمل، فيكون واطئًا حاملًا من غيره، وساقيًا ماءه لزرع غيرِه مع احتمال أن لا يكون كذلك، فكيف إذا تحقَّق حملُها؟

  35. وغاية ما يقال: إنَّ ولد الزَّانية ليس لاحقًا بالواطئ الأوَّل، فإنَّ الولد للفراش، وهذا لا يُجوِّز إقدامَه على خلْطِ مائِه ونسبِه بغيره، وإن لم يلحق بالواطئ الأوَّل (٢) ، فصيانةُ مائه ونسبِه عن نسبٍ لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسبٍ يلحق به.

  36. والمقصود: أنَّ الشَّرع حرَّم وطء الأمة الحامل حتَّى تضع، سواءٌ كان حملُها محرَّمًا أو غيرَ محرَّمٍ. وقد فرَّق النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين الرَّجل وبين المرأة الَّتي

    ج ٧ ص ٣٩٦تزوَّجَ بها فوجدها حُبلى، وجلَدَها الحدَّ، وقضى لها بالصَّداق (١) . وهذا صريحٌ في بطلان العقد على الحامل من الزِّنا.

  37. وصحَّ عنه أنَّه مرَّ بامرأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسطاطٍ فقال: «لعلَّ سيِّدها يريد أن يُلِمَّ بها؟» ، قالوا: نعم. قال: «لقد هَممتُ أن ألعنَه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يَستخدِمه وهو لا يحلُّ له؟ كيف يُورِّثه وهو لا يحلُّ له؟» (٢) . فجعلَ سببَ همِّه بلعنته وَطْأَه للأمة الحامل، ولم يَستفصل عن حَمْلِها هل هو لاحقٌ بالواطئ أم غير لاحقٍ به؟

  38. وقوله: «كيف يستخدمه وهو لا يحلُّ له» ، أن يجعله عبدًا له يستخدمه، وذلك لا يحلُّ له، فإنَّ ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل، فيكون بعضه منه، قال الإمام أحمد: يزيد وطؤه في سَمْعه وبصره.

  39. وقوله: «كيف يُورِّثه وهو لا يحلُّ له» ، سمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٣) يقول فيه (٤) : أي كيف يجعله تركةً موروثةً عنه؟ فإنَّه يعتقده عبدَه، فيجعله تركةً تُورَث عنه، ولا يحلُّ له ذلك؛ لأنَّ ماءه زاد في خلقه، ففيه جزءٌ منه.

    ج ٧ ص ٣٩٧وقال غيره (١) : المعنى: كيف يُورِّثه على أنَّه ابنه؟ ولا يحلُّ له ذلك لأنَّ الحمل من غيره، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه، فيورِّثه ماله.

  40. وهذا يردُّه (٢) أوَّلُ الحديث، وهو قوله: «كيف يستعبده؟» ، أي: كيف يجعله عبدَه؟ وهذا إنَّما يدلُّ على المعنى الأوَّل.