ذكر حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الاستبراء

١٢٥ فقرة، ج ٧ ص ٣٧١

الصفحة ٣ من ٤

  1. وعلى القولين فهو صريحٌ في تحريم وطء الحامل من غيره، سواءٌ كان الحمل من زنًا أو من غيره، وأنَّ فاعل ذلك جديرٌ باللَّعن. بل قد صرَّح جماعةٌ من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: بأنَّ الرَّجل إذا ملك زوجتَه الأمةَ لم يطأها حتَّى يستبرئها، خشيةَ أن تكون حاملًا منه في صلب النِّكاح، فيكون على ولده الولاءُ لموالي أمِّه، بخلاف ما عَلِقَتْ به في مِلكه فإنَّه لا ولاءَ عليه. وهذا كلُّه احتياطٌ لولده: هل هو صريح الحرِّيَّة لا ولاءَ عليه، أو عليه ولاءٌ؟ فكيف إذا كانت حاملًا من غيره؟

    ج ٧ ص ٣٩٧
  2. فصل

    الحكم السَّادس: استنبط من قوله: «لا تُوطأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ» أنَّ الحامل لا تحيض، وأنَّ ما تراه من الدَّم يكون دمَ فسادٍ بمنزلة الاستحاضة، تصوم معه وتصلِّي، وتطوف بالبيت، وتقرأ القرآن. وهذه مسألةٌ اختلف فيها الفقهاء:

    ج ٧ ص ٣٩٨فذهب عطاء (١) ، والحسن (٢) ، وعكرمة (٣) ، ومكحول (٤) ، وجابر بن زيدٍ (٥) ، ومحمَّد بن المنكدر (٦) ، والشَّعبيُّ (٧) ، والنخعي (٨) ، والحكم (٩) ، وحمَّاد (١٠) ، والزُّهريُّ (١١) ، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيُّ، وأبو عبيد، وأبو ثورٍ، وابن المنذر، والإمام أحمد في المشهور من مذهبه، والشَّافعيُّ في أحد قوليه [إلى أنَّه ليس دم حيضٍ] (١٢) .

  3. وقال قتادة (١٣) ، وربيعة (١٤) ، ومالك، واللَّيث بن سعدٍ، وعبد الرَّحمن بن مهديٍّ، وإسحاق بن راهويه: إنَّه دم حيضٍ وقد ذكر

    ج ٧ ص ٣٩٩البيهقي في «سننه» (١) : وقال إسحاق بن راهويه: قال لي أحمد بن حنبلٍ: ما تقول في الحامل ترى الدَّم؟ فقلت: تُصلِّي، واحتججتُ بخبر عطاء عن عائشة (٢) . قال: فقال أحمد بن حنبلٍ: أين أنت عن خبرِ المدنيِّين خبرِ أمِّ علقمة مولاة عائشة؟ فإنَّه أصحُّ. قال إسحاق: فرجعتُ إلى قول أحمد.

  4. وهذا كالتَّصريح من أحمد بأنَّ دم الحامل دم حيضٍ، وهو الذي فهمه إسحاق عنه. والخبر الذي أشار إليه أحمد هو ما روِّيناه من طريق البيهقي (٣) : أخبرنا الحاكم، أبنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا أحمد بن إبراهيم بن

    ج ٧ ص ٤٠٠ملحان، ثنا ابن بُكَير، ثنا الليث، عن بُكَير بن عبد اللَّه، عن أم علقمة مولاة عائشة، أنَّ عائشة سُئِلتْ عن الحامل ترى الدَّم؟ فقالت: لا تصلِّي.

    قال البيهقي (١) : ورُوِّيناه عن أنس بن مالكٍ، ورُوِّينا عن عمر بن الخطَّاب ما يدلُّ على ذلك (٢) . ورُوِّينا عن عائشة أنَّها أنشدت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتَ أبي كبير (٣) الهذلي:

    ومُبرَّأٍ من كلِّ غُبَّرِ حيضةٍ ... وفسادِ مُرضعةٍ وداءٍ مُغْيِلِ (٤)

    ج ٧ ص ٤٠١قال (١) : وفي هذا دليلٌ على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر الشِّعر.

    قال (٢) : وروِّينا عن مطر [عن عطاء] (٣) عن عائشة أنَّها قالت: الحُبلى لا تحيض، إذا رأتِ الدَّمَ صَلَّتْ.

    قال (٤) : وكان يحيى القطَّان يُنكِر هذه الرِّواية، ويُضعِّف رواية ابن أبي ليلى ومطر عن عطاء.

    قال (٥) : وروى محمَّد بن راشدٍ، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن عائشة نحو رواية مطرٍ، فإن كانت محفوظةً فيُشِبه أن تكون عائشة كانت تراها لا تحيض، ثمَّ كانت تراها تحيض، فرجعتْ إلى ما رواه المدنيُّون، والله أعلم.

    قال المانعون من كون دمِ الحامل دمَ حيضٍ: قد قسَّم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإماء قسمين: حاملًا وجعل عدَّتها وضْعَ الحمل، وحائلًا فجعل عدَّتها حيضةً، فكانت الحيضة عَلَمًا على براءة رحمها، فلو كان الحيض يجامع الحملَ لما كانت الحيضة عَلَمًا على عدمه.

    قالوا: وكذلك جُعِلت عدَّة المطلَّقة ثلاثة أقراءٍ ليكون دليلًا على عدم

    ج ٧ ص ٤٠٢حملها، فلو جامع الحيضُ الحملَ لم يكن دليلًا على عدمه (١) .

    قالوا: وقد ثبت في «الصَّحيح» (٢) أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر بن الخطَّاب لمّا طلَّق ابنُه امرأتَه وهي حائضٌ: «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليمسِكْها حتَّى تطهر، ثمَّ تحيض، ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسكها بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يَمَسَّ، فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن تُطلَّق لها النِّساء» .

  5. ووجه الاستدلال به: أنَّ طلاق الحامل ليس ببدعةٍ في زمن الدَّم وغيره إجماعًا، فلو كانت تحيض لكان طلاقُها فيه وفي طهرِها بعد المَسِيسِ بدعةً عملًا بعموم الخبر.

    قالوا: وروى مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث [ابن عمر] (٤) : «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليطلِّقْها طاهرًا أو حاملًا» ، وهذا يدلُّ على أنَّ ما تراه من الدَّم لا يكون حيضًا، فإنَّه جعل الطَّلاق في وقته نظيرَ الطَّلاق في وقت الطُّهر سواءً، فلو كان ما تراه (٥) حيضًا لكان لها حالان: حال طهرٍ، وحال (٦) حيضٍ، ولم يجز طلاقها في حال حيضها، فإنَّه يكون بدعةً.

    قالوا: وقد روى أحمد في «مسنده» (٧) من حديث رُوَيفِع عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٧ ص ٤٠٣قال: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يَسقِيَ ماءه زرعَ غيرِه، ولا يقع على أَمَةٍ حتَّى تحيضَ أو يتبيَّنَ حملُها» . فجعل وجود الحيض علمًا على براءة الرَّحم من الحمل.

    قالوا: وقد رُوي عن علي - رضي الله عنه - أنَّه قال: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعل الدَّمَ ممَّا تَغِيضُ الأرحام. وقال ابن عبَّاسٍ: إنَّ الله رفعَ الحيضَ عن الحبلى، وجعلَ الدَّم رزقًا للولد (١) . رواهما أبو حفص بن شاهين.

    قالوا: وروى الأثرم (٢) والدَّارقطنيُّ (٣) بإسنادهما عن عائشة في الحامل ترى الدَّم، فقالت: الحامل لا تحيض، وتغتسلُ وتُصلِّي. وقولها: «تغتسل» بطريق النَّدب، لكونها مستحاضةً.

    قالوا: ولا يُعرف عن غيرهم خلافهم، لكنَّ عائشة قد ثبت عنها أنَّها قالت: الحامل لا تُصلِّي (٤) . وهذا محمولٌ على ما تراه قريبًا من الولادة باليومين ونحوهما، وأنَّه نفاسٌ جمعًا بين قوليها.

    قالوا: ولأنَّه دمٌ لا تنقضي به العدَّة، فلم يكن حيضًا كالاستحاضة. وحديث عائشة يدلُّ على أنَّ الحائض قد تَحْبَلُ، ونحن نقول بذلك، لكنَّه يقطع حيضها ويرفعه.

    ج ٧ ص ٤٠٤قالوا: ولأنَّ الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دمِ الطَّمْث لبنًا غذاءً للولد، فالخارج وقتَ الحملِ يكون غيرَه، فهو دم فسادٍ.

    قال المحيِّضون: لا نزاعَ أنَّ الحائض (١) قد ترى الدَّم على عادتها، ولا سيَّما في أوَّل حملها، وإنَّما النِّزاع في حكم هذا الدَّم لا في وجوده. وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتِّفاق، فنحن نستصحب حُكمَه حتَّى يأتي ما يرفعه بيقينٍ.

    قالوا: والحكم إذا ثبت في محلٍّ فالأصل بقاؤه حتَّى يأتي ما يرفعه، فالأوَّل استصحابٌ لحكم الإجماع في محلِّ النِّزاع، والثَّاني استصحابٌ للحكم الثَّابت في المحلِّ حتَّى يتحقَّق ما يرفعه، والفرق بينهما ظاهرٌ.

    قالوا: وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان دم الحيض فإنَّه أسود يُعرَف» (٢) . وهذا أسود يُعرَف، فكان حيضًا.

    ج ٧ ص ٤٠٥قالوا: وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أليست إحداكنَّ إذا حاضت لم تَصُمْ ولم تُصَلِّ؟» (١) . وحيض المرأة خروج دمها في أوقاتٍ معلومةٍ من الشَّهر لغةً وشرعًا، وهذا كذلك لغةً، والأصل في الأسماء تقريرها لا تغييرها.

    قالوا: ولأنَّ الدَّم الخارج من الفرج الذي رتَّب الشَّارع عليه الأحكام قسمان: حيضٌ واستحاضةٌ، ولم يجعل لهما ثالثًا، وهذا ليس باستحاضةٍ، فإنَّ الاستحاضة الدَّم المُطْبِق (٢) أو الزَّائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا ليس واحدًا منهما، فبطل أن يكون استحاضةً، فهو حيضٌ.

    قالوا: ولا يُمكِنكم إثباتُ قسمٍ ثالثٍ في هذا المحلِّ، وجعلُه دمَ فسادٍ، فإنَّ هذا لا يثبت إلا بنصٍّ أو إجماعٍ أو دليلٍ يجب المصير إليه، وهو منتفٍ.

    قالوا: وقد ردَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة إلى عادتها، وقال: «اجلسي قدْرَ الأيَّام الَّتي كنتِ تحيضينَ» (٣) . فدلَّ على أنَّ عادة النِّساء معتبرةٌ في وصف الدَّم وحكمه، فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتِها من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ ولا انتقالٍ، دلَّ عادتُها على أنَّه حيضٌ، ووجب تحكيمُ عادتِها وتقديمُها على الفساد الخارج عن العادة (٤) .

    قالوا: وأعلم الأمَّة بهذه المسألة نساء النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأعلمهنَّ عائشة، وقد

    ج ٧ ص ٤٠٦صحَّ عنها من رواية أهل المدينة عنها أنَّها لا تصلِّي، وقد شهد له الإمام أحمد بأنَّه أصحُّ من الرِّواية الأخرى عنها، ولذلك رجع إليه إسحاق، وأخبر أنَّه قول أحمد بن حنبلٍ.

    قالوا: ولا تُعرف صحَّة الآثار بخلاف ذلك عمَّن ذكرتم من الصَّحابة، ولو صحَّت فهي مسألة نزاعٍ بين الصَّحابة، ولا دليلَ يفصل.

    قالوا: ولأنَّ عدم مجامعة الحيض للحمل إمَّا أن يُعلَم بالحسِّ أو بالشَّرع، وكلاهما منتفٍ، أمَّا الأوَّل فظاهرٌ، وأمَّا الثَّاني فليس عن صاحب الشَّرع ما يدلُّ على أنَّهما لا (١) يجتمعان.

  6. وأمَّا قولكم: إنَّه جعله دليلًا على براءة الرَّحم من الحمل في العدَّة والاستبراء.

  7. قلنا: جعل دليلًا ظاهرًا أو قطعيًّا؟ الأوَّل صحيحٌ، والثَّاني باطلٌ، فإنَّه لو كان دليلًا قطعيًّا لما تخلَّف عنه مدلوله، ولكانت أوَّل مدَّة الحمل من حينِ انقطاعِ الحيض، وهذا لم يقله أحدٌ، بل أوَّل المدَّة من حين الوطء، ولو حاضت بعده عدَّة حِيَضٍ. فلو وطئها، ثمَّ جاءت بولدٍ لأكثرَ من ستَّة أشهرٍ من حين الوطء، ولأقلَّ منها من حينِ انقطاعِ الحيض= لحِقَه النَّسبُ اتِّفاقًا، فعُلِم أنَّه أمارةٌ ظاهرةٌ، قد يتخلَّف عنها مدلولُها تخلُّفَ المطرِ عن الغيم الرَّطْب. وبهذا يخرج الجواب عمَّا استدللتم به من السُّنَّة، فإنَّا بها قائلون، وإلى حكمها صائرون، وهي الحَكَمُ بين المتنازعين.

  8. والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قسَّم النِّساء إلى قسمين: حاملٌ فعدَّتها وضْعُ حملها، وحائلٌ فعدَّتها بالحيض، ونحن قائلون بموجب هذا غيرُ منازعين فيه، ولكن أين فيه ما يدلُّ على أنَّ ما تراه (١) الحامل من الدَّم على عادتها تصوم معه وتصلِّي؟ هذا أمرٌ آخر لا تعرُّضَ للحديث به، ولهذا يقول القائلون بأنَّ دمها دم حيضٍ هذه العبارةَ بعينها، ولا يُعَدُّ هذا تناقضًا ولا خللًا في العبارة.

    قالوا: وهكذا قوله في شأن عبد الله بن عمر: «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليطلِّقْها طاهرًا قبل أن يَمَسَّها» ، إنَّما فيه إباحة الطَّلاق إذا كانت حائلًا بشرطين: الطُّهر وعدم المَسِيْس، فأين في هذا التَّعرُّضُ لحكم الدَّم الذي تراه على حملها؟

    ج ٧ ص ٤٠٧
  9. وقولكم: إنَّ الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدَّم بدعةً، وقد اتَّفق النَّاس على أنَّ طلاق الحامل ليس ببدعةٍ وإن رأت الدَّم؟

  10. قلنا: النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قسَّم أحوال المرأة الَّتي يريد طلاقها إلى حالِ حملٍ وحالِ خلوٍّ عنه، وجوَّز طلاق الحامل مطلقًا من غير استثناءٍ، وأمَّا غير ذات الحمل فإنَّما أباح طلاقها بالشَّرطين المذكورين، وليس في هذا ما يدلُّ على أنَّ دم الحامل دم فسادٍ، بل على (٢) أنَّ الحامل تخالف غيرَها في الطَّلاق، وأنَّ غيرها إنَّما تُطلَّق طاهرًا غيرَ مُصابةٍ، ولا يُشترط في الحامل شيءٌ من هذا، بل تُطلَّق عقيبَ الإصابة، وتُطلَّق وإن رأتِ الدَّم، فكما لا يحرم طلاقُها عقيبَ إصابتها، لا يحرم حالَ حيضها.

  11. وهذا الذي تقتضيه حكمةُ الشَّارع في وقت الطَّلاق إذنًا ومنعًا، فإنَّ المرأة متى استبان حملُها كان المطلِّق على بصيرةٍ من أمره، ولم يَعرِض له من النَّدم ما يَعرِض لمن طلَّق (١) بعد الجماع ولا يَشْعُر بحملِها، فليس ما مُنِع منه نظيرَ ما أُذِن فيه، لا شرعًا ولا واقعًا ولا اعتبارًا، ولا سيَّما من علَّل [المنعَ] (٢) من الطَّلاق في الحيض بتطويل العدَّة، فهذا لا أثرَ له في الحامل.

    قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّه لو كان حيضًا لانقضتْ به العدَّة، فهذا لا يلزم، لأنَّ الله سبحانه جعل عدَّة الحامل بوضع الحمل، وعدَّة الحائل بالأقراء، ولا يمكن انقضاء عدَّة الحامل بالأقراء، لإفضاء ذلك إلى أن يَملِكها الثَّاني أو يتزوَّجها وهي حاملٌ من غيره، فيسقي زرعه ماء غيره (٣) .

    قالوا: وإذا كنتم سلَّمتم لنا أنَّ الحائض قد تَحْبَل، وحملتم على ذلك حديث عائشة، ولم يُمكِنْكم منعُ ذلك لشهادة الحسِّ به، فقد أعطيتم أنَّ الحيض والحبل يجتمعان، فبطل استدلالكم من رأسٍ (٤) ، لأنَّ مداره على أنَّ الحيض لا يجامع الحبلَ.

    ج ٧ ص ٤٠٨
  12. فإن قلتم: نحن إنَّما جوَّزنا ورود الحمل على الحيض، وكلامنا في عكسه، وهو ورود الحيض على الحمل، وبينهما فرقٌ.

  13. قيل: إذا كانا متنافيين لا يجتمعان، فأيُّ فرقٍ بينَ ورودِ هذا على هذا وعكسه؟

    ج ٧ ص ٤٠٩
  14. وأمَّا قولكم: إنَّ الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطَّمْث لبنًا يتغذَّى به الولد، ولهذا لا تحيض المراضع.

  15. قلنا: وهذا من أكبر حجَّتنا عليكم؛ فإنَّ هذا الانقلاب والتَّغذية باللَّبن إنَّما يستحكم بعد الوضع، وهو دون (١) سلطانِ اللَّبن وارتضاعِ المولود، وقد أجرى الله العادة بأنَّ المرضع لا تحيض، ومع هذا فلو رأت دمًا في وقت عادتها لحُكِمَ له بحكم الحيض بالاتِّفاق، فلَأَنْ يُحكَم له بحكم الحيض في الحال الَّتي لم يستحكم فيها انقلابُه ولا تَغذِّي الطِّفلِ به= أولى وأحرى.

    قالوا (٢) : وَهَبْ أنَّ هذا كما تقولون، فهذا إنَّما يكون عند احتياج الطِّفل إلى التَّغذية باللَّبن، وهذا بعدَ أن يُنفَخ فيه الرُّوح، فأمَّا قبل ذلك فإنَّه لا ينقلب لبنًا لعدم حاجة الحملِ إليه. وأيضًا، فإنَّه لا يستحيل كلُّه لبنًا، بل يستحيل بعضه ويخرج الباقي.

  16. وهذا القول هو الرَّاجح كما تراه نقلًا ودليلًا. والله المستعان.

  17. فإن قيل: فهل تمنعون من الاستمتاع بالمستبرأة بغير الوطء في الموضع الذي يجب فيه الاستبراء؟

  18. قيل: أمَّا إذا كانت صغيرةً لا يُوطأ مثلُها، فهذه لا تَحرم قُبلتُها ولا مباشرتُها، وهذا منصوص أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، اختارها أبو محمَّدٍ المقدسيُّ وشيخنا (١) وغيرهما، فإنَّه قال (٢) : إن كانت صغيرةً بأيِّ شيءٍ تُستبرأ إذا كانت رضيعةً؟ وقال في روايةٍ أخرى: تُستبرأ بحيضةٍ إن كانت تحيض، وإلَّا ثلاثة أشهرٍ إن كانت ممَّن تُوطأ وتَحْبَل.

    قال أبو محمد (٣) : فظاهر هذا أنَّه لا يجب استبراؤها، ولا تحرم مباشرتها. وهذا اختيار ابن أبي موسى، وقول مالك، وهو الصَّحيح، لأنَّ سبب الإباحة متحقِّقٌ، وليس على تحريمها دليلٌ، فإنَّه لا نصَّ فيها ولا معنى نصٍّ، فإنَّ تحريم مباشرة الكبيرة إنَّما كان لكونه داعيًا إلى الوطء المحرَّم، أو خشيةَ أن تكون أمَّ ولدٍ لغيره، ولا يُتوهَّم هذا في هذه، فوجب العمل بمقتضى الإباحة. انتهى كلامه.

    ج ٧ ص ٤١٠
  19. فصل

    وإن كانت ممَّن يُوطأ مثلُها، فإن كانت بكرًا وقلنا: لا يجب استبراؤها، فظاهرٌ، وإن قلنا: يجب استبراؤها، فقال أصحابنا: تحرم قُبلتُها ومباشرتها. وعندي أنَّه لا يَحرُم ولو قلنا بوجوب استبرائها؛ لأنَّه لا يلزم من تحريم الوطء تحريمُ دواعيه، كما في حقِّ الصَّائم، لا سيَّما وهم إنَّما حرَّموا تحريم (٤)

  20. مباشرتها لأنَّها قد تكون حاملًا، فيكون مستمتعًا بأمة الغير. هكذا علَّلوا تحريم المباشرة، ثمَّ قالوا: ولهذا (١) لا يحرم الاستمتاع بالمسبيَّة بغير الوطء قبل الاستبراء في إحدى الرِّوايتين؛ لأنَّها لا يُتوهَّم فيها انفساخُ الملك؛ لأنَّه قد استقرَّ بالسِّباء، فلم يبقَ لمنع الاستمتاع بالقبلة وغيرها من البكر معنًى.

    ج ٧ ص ٤١١
  21. وإن كانت ثيِّبًا، فقال أصحاب أحمد والشَّافعيِّ وغيرهم: يحرم الاستمتاع بها قبل الاستبراء. قالوا: لأنَّه استبراءٌ يُحرِّم الوطء، فحرَّم الاستمتاع كالعدَّة، ولأنَّه لا يأمن كونَها حاملًا، فتكون أمَّ ولدٍ، والبيع باطلٌ، فيكون مستمتعًا بأمِّ ولدِ غيره. قالوا: وبهذا فارق تحريم وطء الحائض والصَّائم.

    وقال الحسن البصريُّ: لا يحرم من المستبرأة إلا فرجُها، وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يطأ (٢) ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما منع من الوطء قبل الاستبراء، ولم يَمنع ممَّا دونه، ولا يلزم من تحريم الوطء تحريمُ ما دونه، كالحائض والصَّائمة، وقد قيل: ابنُ عمر [قبَّل] (٣) جاريتَه من السَّبي حين وقعت في سهمه قبل استبرائها (٤) .

  22. ولمن نصَر هذا القول أن يقول: الفرق بين المشتراة (٥) والمعتدَّة: أنَّ

    ج ٧ ص ٤١٢المعتدَّة قد صارت أجنبيَّةً منه، فلا يحلُّ وطؤها ولا دواعيه، بخلاف المملوكة، فإنَّ وطْأَها إنَّما يحرم قبل الاستبراء خشيةَ اختلاط مائه بماء غيره، وهذا لا يوجب تحريمَ الدَّواعي، فهي أشبهُ بالحائض والصَّائمة. ونظير هذا أنَّه لو زنت امرأته أو جاريته حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء، ولا يحرم دواعيه، وكذلك المَسْبيَّة كما سيأتي.

  23. وأكثر ما يُتوهَّم كونُها حاملًا من سيِّدها، فينفسخ البيع، فهذا بناءً على تحريم بيع أمَّهات الأولاد على عَلالتِه (١) ، ولا يَلزم القائلَ به؛ لأنَّه لمَّا استمتع بها كانت مِلْكَه ظاهرًا، وذلك يكفي في جواز الاستمتاع، كما يخلو بها ويحدِّثها، وينظر منها ما لا يباح من الأجنبيَّة، وما كان جوابكم عن هذه الأمور فهو الجواب عن القبلة والاستمتاع. ولا يُعلم في جواز هذا نزاعٌ، فإنَّ المشتري لا يُمنع من قَبْضِ أمته وحَوْزِها (٢) إلى بيته، وإن كان وحده قبل الاستبراء، ولا يجب عليها أن تستر وجهها منه، ولا يحرم عليه النَّظر إليها، والخلوة بها، والأكل معها، واستخدامها، والانتفاع بمنافعها، وإن لم يجزْ له ذلك في ملك الغير.

  24. فصل

    وإن كانت مَسبيَّةً، ففي جواز الاستمتاع بغير الوطء قولان للفقهاء، وهما روايتان عن أحمد:

    ج ٧ ص ٤١٣إحداهما: أنَّها كغير المسبيَّة، فيحرم الاستمتاع منها بما دون الفرج، وهو (١) ظاهر كلام الخرقي، لأنَّه قال (٢) : ومن ملكَ أمةً لم يُصِبْها ولم يُقبِّلها حتَّى يستبرئها بعد تمام مِلْكه لها.

  25. والثَّانية: لا تحرم، وهو قول ابن عمر (٣) - رضي الله عنه -. والفرق بينها وبين المملوكة بغير السَّبي أنَّ المسبيَّة لا يُتوهَّم فيها كونُها أمَّ ولدٍ، بل هي مملوكةٌ له على كلِّ حالٍ، بخلاف غيرها كما تقدَّم، والله أعلم.

  26. فإن قيل: فهل يكون أوَّل مدَّة الاستبراء من حين البيع أو من حين القبض؟

  27. قيل: فيه قولان، وهما وجهان في مذهب أحمد، أحدهما: من حين البيع؛ لأنَّ الملك ينتقل به. والثَّاني: من حين القبض؛ لأنَّ القصد معرفة براءة رحمها من ماء البائع وغيره، ولا يحصل ذلك مع كونها في يده. وهذا على أصل الشَّافعيِّ وأحمد. أمَّا على أصل مالك، فيكفي عنده الاستبراء قبل البيع في المواضع الَّتي تقدَّمت.

  28. فإن قيل: فإن كان في البيع خيارٌ، فمتى يكون ابتداء مدَّة الاستبراء؟

  29. قيل (٤) : هذا ينبني على الخلاف في انتقال الملك في مدَّة الخيار، فمن

    ج ٧ ص ٤١٤قال: ينتقل، فابتداء المدَّة عنده من حين البيع، ومن قال: لا ينتقل، فابتداؤها عنده من حين انقطاع الخيار.

  30. فإن قيل: فما تقولون لو كان الخيار خيارَ عيبٍ؟

  31. قيل: ابتداء المدَّة من حينِ البيع قولًا واحدًا؛ لأنَّ خيار العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلافٍ، والله أعلم.

  32. فصل

    فإن قيل: قد دلَّت السُّنَّة على استبراء الحامل بوضع الحمل، وعلى استبراء الحائل بحيضةٍ، فكيف سكتتْ عن استبراء الآيسة (١) والَّتي لم تحض، ولم تسكت عنهما في العدَّة؟

  33. قيل: لم تسكتْ عنهما بحمد اللَّه، بل بيَّنتهما بطريق الإيماء والتَّنبيه، فإنَّ الله سبحانه جعل عدَّة الحرَّة ثلاثة قروءٍ، ثمَّ جعل عدَّة الآيسة (٢) والَّتي لم تَحِضْ ثلاثة أشهرٍ، فعُلِم أنَّه سبحانه جعل في مقابلة كلِّ قرءٍ شهرًا. وبهذا أجرى سبحانه عادته الغالبة في إمائه أنَّ المرأة تحيض في كلِّ شهرٍ حيضةً، وبيَّنت السُّنَّة أنَّ استبراء الأمة الحائض بحيضةٍ، فيكون الشَّهر قائمًا مقامَ الحيضة. وهذا إحدى الرِّوايات عن أحمد، وأحد قولي الشَّافعيِّ.

  34. وعن أحمد روايةٌ ثانيةٌ: أنَّها تُستبرأ بثلاثة أشهرٍ، وهي المشهورة عنه، وهو أحد قولي الشَّافعيِّ. ووجهُ هذا القول ما احتجَّ به أحمد في رواية

    ج ٧ ص ٤١٥أحمد بن القاسم، فإنَّه قال (١) : قلت لأبي عبد الله: كيف جعلتَ ثلاثة أشهرٍ مكان حيضةٍ، وإنَّما جعل الله سبحانه في القرآن مكان كلِّ حيضةٍ شهرًا؟ فقال أحمد: إنَّما قلنا: ثلاثة أشهرٍ من أجل الحمل، فإنَّه لا يتبيَّن في أقلَّ من ذلك، فإنَّ عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك، وجمع أهل العلم والقوابلَ، فأخبروا أنَّ الحمل لا يتبيَّن في أقلَّ من ثلاثة أشهرٍ، فأعجبه ذلك (٢) . ثمَّ قال: ألا تسمع قول ابن مسعودٍ: إنَّ النُّطفة (٣) أربعين يومًا علقةٌ، ثمَّ أربعين يومًا مضغةٌ بعد ذلك (٤) ، فإذا خرجت الثَّمانون صارت بعدها مضغةً، وهي لحمٌ، فتبيَّن حينئذٍ. قال ابن القاسم: وقال لي: هذا معروفٌ عند النِّساء. فأمَّا شهرٌ فلا معنى فيه. انتهى كلامه.

  35. وعنه روايةٌ ثالثةٌ: أنَّها تُستبرأ بشهرٍ ونصفٍ، فإنَّه قال في رواية حنبل (٥) : قال عطاء: إن كانت لا تحيض فخمسٌ وأربعون ليلةً. قال حنبل: قال عمِّي: كذلك (٦) أذهب؛ لأنَّ عدَّة المطلَّقة الآيسة كذلك. انتهى كلامه.

  36. ووجه هذا القول: أنَّها لو طُلِّقت وهي آيسةٌ اعتدَّتْ بشهرٍ ونصفٍ في

    ج ٧ ص ٤١٦روايةٍ، فلَأن تُستبرأ الأمة بهذا القدر أولى.

  37. وعن أحمد روايةٌ رابعةٌ: أنَّها تُستبرأ بشهرين، حكاها القاضي عنه، واستشكلها كثيرٌ من أصحابه، حتَّى قال صاحب «المغني» (١) : ولم أرَ لذلك وجهًا. قال: ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراءُ ذاتِ القرء بقرءين، ولم نعلم به قائلًا.

  38. ووجه هذه الرِّواية: أنَّها اعتُبِرت بالمطلَّقة، ولو طُلِّقت وهي أمةٌ لكانت عدَّتها شهرين، هذا هو المشهور عن أحمد، واحتجَّ فيه بقول عمر (٢) - رضي الله عنه -. وهو الصَّواب؛ لأنَّ الأشهر [قائمةٌ مقامَ] (٣) القروء، وعدَّة ذات القرء قرءانِ، فبَدَلُهما شهران، وإنَّما صرنا إلى استبراء ذات القرء بحيضةٍ؛ لأنَّها علمٌ ظاهرٌ على براءتها من الحمل، ولا يحصل ذلك بشهرٍ واحدٍ، فلا بدَّ من مدَّةٍ تظهر فيها براءتها، وهي إمَّا شهران أو ثلاثةٌ، فكانت الشَّهران أولى؛ لأنَّها جُعِلت عَلَمًا على البراءة في حقِّ المطلَّقة، ففي حقِّ المستبرأة أولى، فهذا وجه هذه الرِّواية.

  39. وبعد، فالرَّاجح من الدَّليل الاكتفاءُ بشهرٍ واحدٍ، وهو الذي دلَّ عليه إيماء النَّصِّ وتنبيهه، وفي جعْلِ مدَّة استبرائها ثلاثةَ أشهرٍ تسويةٌ بينها وبين الحرَّة، وجَعْلها بشهرين تسويةٌ بينها وبين المطلَّقة، فكان أولى المُدَدِ بها شهرًا؛ فإنَّه البدل التَّامُّ. والشَّارع قد اعتبرَ نظيرَ هذا البدل في نظير الأمة، وهي

    ج ٧ ص ٤١٧الحرَّة، واعتبره الصَّحابة في الأمة المطلَّقة، فصحَّ عن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: عدَّتها حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهران (١) ، احتجَّ به أحمد.

  40. وقد نصَّ أحمد في أشهر الرِّوايات عنه على أنَّها إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفَعَه اعتدَّت بعشرة أشهرٍ، تسعةٍ للحمل وشهرٍ مكان الحيضة.