اختلاف الناس في الترتيل مع قلة القراءة والسرعة مع كثرتها أيهما أفضل
٧ فقرات، ج ٢ ص ٤٠٢
- ج ٢ ص ٤٠٢
وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلَّة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة: أيهما أفضل؟ على قولين.
-
فمذهب ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أنَّ (١) الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها.
-
واحتجَّ أرباب هذا القول بأن المقصود من القرآن (٢) فهمه وتدبُّره، والفقه فيه، والعمل به؛ وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن لِيُعْمَل به، فاتخَذوا تلاوته عملًا (٣) . ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب. وأما من حفِظه ولم يفهمه ولم يعمل به، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامةَ السهم.
ج ٢ ص ٤٠٣قالوا: ولأنَّ الإيمان أفضل الأعمال، وفهم القرآن وتدبُّره هو الذي يثمر الإيمان. وأما مجرَّد التلاوة من غير فهم ولا تدبُّر، فيفعلها البَرّ والفاجر، والمؤمن والمنافق، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة: ريحها طيِّبٌ وطعمها مرٌّ» (١) .
-
والناس في هذا أربع طبقات: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس. الثانية: مَن عَدِم القرآنَ والإيمانَ. الثالثة: من أوتي قرآنًا ولم يُؤتَ إيمانًا، الرابعة: من أوتي إيمانًا ولم يُؤتَ القرآن (٢) .
قالوا: فكما أنَّ من أوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا وفهمًا في التلاوة أفضل ممَّن أوتي كثرةَ قراءةٍ وسرعتَها بلا تدبُّر.
قالوا: وهذا هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان يرتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآيةٍ حتى الصباح.
وقال أصحاب الشافعي: كثرة القراءة أفضل، واحتجُّوا بحديث ابن مسعود قال: قال (٣) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: الم حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ،
ج ٢ ص ٤٠٤وميمٌ حرفٌ». رواه الترمذي (١) وصححه.
قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأه في ركعة (٢) ، وذكروا آثارًا عن كثير من السلف في كثرة القراءة (٣) .
-
والصواب في المسألة أن يقال: إنَّ ثواب قراءة الترتيل والتدبُّر أجلُّ وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا. فالأول: كمن تصدَّق بجوهرة
ج ٢ ص ٤٠٥عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمتُه نفيسةٌ جدًّا؛ والثاني: كمن تصدَّق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددًا من العبيد قيمتُهم رخيصةٌ (١) .
-
وفي «صحيح البخاري» (٢) عن قتادة قال: سألت أنسًا عن قراءة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: كان يمُدُّ مدًّا.
وقال شعبة: حدثنا أبو جَمْرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجلٌ سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرةً أو مرتين، فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورةً واحدةً أعجَبُ إليَّ من أن أفعل مثل ذلك الذي تفعل. فإن كنت فاعلًا لا بدَّ، فاقرأه (٣) قراءةً تسمع أذنُك (٤) ، ويعيه قلبك (٥) .
وقال إبراهيم: قرأ علقمة على عبد الله، وكان حسن الصوت، فقال: رتِّل ــ فداك أبي وأمي ــ فإنه زينُ القرآن (٦) .
وقال عبد الله بن مسعود: لا تهُذُّوا القرآن هذَّ الشِّعر، ولا تنثروا نثرَ
ج ٢ ص ٤٠٦الدقل، وقِفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخرَ السورة (١) .
وقال عبد الله أيضًا: إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأَصْغِ لها سمعَك، فإنه خيرٌ تؤمر به، أو شرٌّ تُصْرَف عنه (٢) .
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى (٣) : دخلتْ عليَّ امرأةٌ، وأنا أقرأ سورة هود، فقالت لي: يا عبد الرحمن، هكذا تقرأ سورة هود؟ والله إنِّي فيها منذ (٤) ستة أشهر وما فرغت من قراءتها (٥) .
-
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسِرُّ بالقرآن (٦) في صلاة الليل (٧) تارةً، ويجهر تارةً، ويطيل القيام تارةً، ويخفِّفه تارةً، ويوتر آخرَ الليل ــ وهو الأكثر ــ وأولَه