العشرون: أن فيه ساعة الإجابة

٤٠ فقرة، ج ٢ ص ٤٧٨

  1. وفي «مسند أحمد» (١) من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس ثيابه ومسَّ طيبًا إن كان عنده، ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة، ولم يتخطَّ أحدًا ولم يؤذه، وركع ما قُضي له، ثم انتظر حتى ينصرف الإمام= غُفِر له ما بين الجمعتين» .

    ج ٢ ص ٤٧٨
  2. التاسعة عشر: أنَّ جهنَّم تُسْجَر كلَّ يوم إلا يوم الجمعة. وقد تقدَّم حديث أبي قتادة في ذلك. وسرُّ ذلك ــ والله أعلم ــ أنه أفضل الأيام عند الله ويقع فيه من العبادات والطاعات والدعوات والابتهال إلى الله سبحانه ما يمنع من سَجْر جهنَّم فيه. ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقلَّ من معاصيهم في غيره، حتى إنَّ أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره.

  3. وهذا الحديث، الظاهر أنَّ المراد منه سَجْر جهنَّم في الدنيا، وأنها توقد كلَّ يوم إلا يوم الجمعة. وأما يوم القيامة، فإنَّها لا يفتُر عذابها، ولا يخفَّف عن أهلها الذين هم أهلُها يومًا من الأيام. ولذلك يدعُون الخزَنةَ أن يدعوا ربَّهم، فيخفِّفَ (٢) عنهم يومًا من العذاب، فلا يجيبونهم إلى ذلك.

  4. العشرون: أن فيه ساعة الإجابة، وهي الساعة التي لا يُسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه. ففي «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلمٌ وهو قائم يصلِّي يسأل الله عز وجلَّ شيئًا إلا أعطاه إياه» وقال بيده يقلِّلها.

  5. وفي «المسند» (١) من حديث أبي لُبابة (٢) البدري (٣) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سيِّد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى. وفيه خمس خِلال: خلق الله آدم فيه. وأهبط الله فيه آدم (٤) إلى الأرض. وفيه توفَّى الله عزَّ وجلَّ آدم (٥) . وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه، ما لم يسأل فيه حرامًا. وفيه تقوم الساعة. ما من ملك مقرَّب ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا شجر (٦) إلا هن يشفقن (٧) من يوم الجمعة».

    ج ٢ ص ٤٧٩
  6. فصل

    وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رُفعت؟ على قولين حكاهما ابن عبد البر وغيره (٨) . والذين قالوا: هي باقية ولم تُرفَع، اختلفوا هل هي في وقت من اليوم بعينه أو هي غير معيَّنة؟ على قولين. ثم اختلف من قال بعدم تعيُّنها (٩) : هل هي تنتقل في ساعات اليوم أو لا؟ على

    ج ٢ ص ٤٨٠قولين أيضًا. والذين قالوا بتعيُّنها اختلفوا فيه على أحد عشر (١) قولًا.

    قال ابن المنذر (٢) : روينا عن أبي هريرة أنه قال: هي من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.

  7. القول الثاني: أنها عند الزوال. ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري وأبي العالية.

  8. الثالث: أنها إذا أذَّن المؤذن لصلاة الجمعة. قال ابن المنذر: روِّينا ذلك عن عائشة.

  9. الرابع: أنها إذا جلس الإمام على المنبر حتى يفرغ. قال ابن المنذر: روِّيناه عن الحسن البصري.

  10. الخامس قاله أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة.

  11. السادس قاله أبو السَّوَّار (٣) العَدَوي. قال: كانوا يرون أنَّ الدعاء مستجابٌ ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.

  12. السابع قاله أبو ذر: إنها ما بين أن تزيغ (٤) الشمس شبرًا إلى ذراع.

  13. الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس. قاله أبو هريرة (٥) وعبد الله بن سلام وطاوس.

  14. حكى ذلك كله ابن المنذر (١) .

    ج ٢ ص ٤٨١
  15. التاسع: أنها آخر ساعة بعد العصر. وهو قول أحمد وجمهور الصحابة والتابعين (٢) .

  16. العاشر: أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة. حكاهما (٣) النواوي (٤) وغيره.

  17. الحادي عشر: أنها الساعة الثالثة من النهار. حكاه صاحب «المغني» (٥) فيه.

    وقال كعب: لو قسم إنسان جُمَعَهً في جُمَعٍ أتى على تلك الساعة (٦) . وقال عمر (٧) : إنَّ طلبَ حاجةٍ في يوم ليسيرٌ.

  18. وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمَّنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر.

  19. القول الأول: إنها ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة. وحجَّة هذا

    ج ٢ ص ٤٨٢القول ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث أبي بردة بن أبي موسى: أنَّ عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدِّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شأن ساعة الجمعة (٢) ؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة» .

  20. وروى ابن ماجه والترمذي (٣) من حديث عمرو بن عوف المزَني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه» . قالوا: يا رسول الله، أية ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصلاة إلى انصرافٍ منها» .

  21. والقول الثاني: إنها بعد العصر. وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد (٤) وخلق. وحجة هذا القول ما روى أحمد في «مسنده» (٥) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٢ ص ٤٨٣قال: «إنَّ في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر» .

  22. وروى أبو داود والنسائي (١) عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة (٢) ساعةً، فيها ساعة لا يوجد مسلمٌ يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه، فالتمِسوها آخرَ ساعة بعد العصر».

  23. وروى سعيد بن منصور في «سننه» (٣) عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرَّقوا، ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.

  24. وفي «سنن ابن ماجه» (٤) عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٢ ص ٤٨٤جالس: إنَّا لَنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعةٌ لا يوافقها عبد مؤمن يصلِّي يسأل الله عز وجل فيها شيئًا إلا قضى الله (١) له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أو بعضُ ساعة» . فقلت: صدقتَ يا رسول الله (٢) ، أو بعض ساعة. قلت: أيُّ ساعة هي؟ قال: «آخر ساعة من ساعات النهار» . قلت: إنها ليست ساعة صلاة. قال: «بلى، إنَّ العبد المؤمن إذا صلّى ثم جلس لا يُجْلِسه (٣) إلا الصلاة فهو في صلاة».

  25. وفي «مسند أحمد» (٤) من حديث أبي هريرة قال: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لأيِّ شيءٍ سمِّي يوم الجمعة؟ قال: «لأنَّ فيها طُبِعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة. وفي آخر ثلاث ساعاتٍ منها ساعةٌ مَن دعا الله عزَّ وجلَّ فيها استجيب له» .

  26. وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي (٥) من حديث أبي سلَمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُ يومٍ طلعت فيه

    ج ٢ ص ٤٨٥الشمس يومُ الجمعة. فيه خُلِق آدم، وفيه أُهْبِط، وفيه تِيبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة. وما من دابَّة إلا وهي مُصِيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجنَّ والإنسَ. وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي يسأل الله عز وجل حاجةً إلا أعطاه إياها». قال كعب: ذلك في كلِّ سنة يومٌ؟ فقلت: بل في كلِّ جمعة. قال: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبد الله بن سلام، فحدَّثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: وقد علمتُ أية ساعة هي. قال أبو هريرة: فقلت: أخبِرني بها. فقال عبد الله بن سلام: هي آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعة. فقلت: كيف هي آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلِّي» ، وتلك الساعة لا يصلَّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلِّي» ؟ قال: فقلت: بلى. قال (١) : هو ذاك. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي «الصحيحين» (٢) بعضه.

  27. وأما من قال: إنها من حين يفتتح (٣) الخطبةَ إلى فراغه من الصلاة، فاحتجَّ بما روى مسلم في «صحيحه» (٤) عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعتَ أباك يحدِّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٢ ص ٤٨٦في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة» .

  28. وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتجُّوا بما رواه الترمذي وابن ماجه (١) من حديث عمرو بن عوف المزَني قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه» . قالوا: يا رسول الله، أية ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصلاة إلى انصرافٍ منها» . ولكن هذا الحديث ضعيف، قال أبو عمر بن عبد البر (٢) : هو حديث لم يروه فيما علمتُ إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدِّه، وليس هو ممن يُحتجُّ به (٣) .

  29. وقد روى رَوح بن عبادة (٤) ، عن عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة بن (٥) أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تُقضى الصلاة. فقال ابن عمر: أصاب الله بك!

  30. وروى عبد الرحمن بن حُجَيرة (٦) عن أبي ذرٍّ أنَّ امرأته سألته عن

    ج ٢ ص ٤٨٧الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: مع زَيغ (١) الشمس بيسير (٢) . فإن سألتني (٣) بعدها فأنت طالق!

  31. واحتجَّ هؤلاء أيضًا بقوله في حديث أبي هريرة: «وهو قائم يصلِّي» ، وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذُ بظاهر الحديث أولى.

    قال أبو عمر (٤) : ويحتجُّ أيضًا مَن ذهب إلى هذا بحديث عليٍّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا زالت الشمس، وفاءت الأفياء، وراحت الأرواح؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين» . ثم تلا: {إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: ٢٥] .

  32. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الساعة التي تُذكَر يوم الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وكان سعيد بن جبير إذا صلَّى العصر لم يكلِّم أحدًا حتى تغرب الشمس (٥) .

  33. وهذا القول هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول بأنها ساعة الصلاة. وبقية الأقوال لا دليل عليها. وعندي أنَّ ساعةَ الصلاة

    ج ٢ ص ٤٨٨ساعةٌ ترجى فيها الإجابة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة. وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخرَ ساعة بعد العصر، فهي ساعة معيَّنة من اليوم، لا تتقدَّم ولا تتأخَّر. وأمَّا ساعة الصلاة فتابعة للصلاة، تقدَّمت أو تأخَّرت، لأنَّ لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرُّعهم وابتهالهم إلى الله تأثيرًا في الإجابة، فساعةُ اجتماعهم ساعةٌ ترجى فيها الإجابة. وعلى هذا، فتتفق الأحاديث كلُّها، ويكون النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد حضَّ أمَّتَه على الدعاء والابتهال إلى الله في هاتين الساعتين.

  34. ونظير هذا: قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن المسجد الذي أُسِّس على التقوى فقال: «هو مسجدكم هذا» ، وأشار إلى مسجد المدينة (١) . وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسَّسًا على التقوى، بل كلٌّ منهما مؤسَّس على التقوى. فكذلك قوله في ساعة الجمعة: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة» (٢) لا ينافي قولَه في الحديث الآخر: «فالتمِسُوها آخرَ ساعة بعد العصر» (٣) .

  35. ويشبه هذا في الأسماء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما تعدُّون الرَّقوب فيكم؟» . قالوا: مَن لم يولد له. قال: «الرَّقوب مَن لم يقدِّم مِن ولده شيئًا» (٤) . فأخبر أن هذا هو الرقوب، إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدَّم منهم فَرَطًا.

  36. وهذا لا ينفي أن يسمَّى من لم يولد له رقوبًا.

    ج ٢ ص ٤٨٩
  37. ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما تعدُّون المفلس فيكم؟» . قالوا: مَن لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي قد لطَم هذا، وضرَب هذا، وسفَك دم هذا؛ فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته ... » (١) الحديث.

  38. ومثله قوله: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردُّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين: الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَن له فيُتصدَّقَ عليه» (٢) .

  39. وهذه الساعة ــ وهي آخر ساعة بعد العصر ــ يعظِّمها جميع الملل (٣) . وعند أهل الكتاب (٤) هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنوهم.

  40. وأما من قال بتنقُّلها، فرامَ الجمعَ بذلك بين الأحاديث، كما قيل ذلك في ليلة القدر. وهذا ليس بقوي، فإنَّ ليلة القدر قد قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فالتمِسُوها في خامسةٍ تبقى، في سابعة تبقى، في تاسعة تبقى» (٥) ، ولم يجئ