الثانية والثلاثون: كراهية إفراده بالصوم
٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٥٢٠
- ج ٢ ص ٥٢٠
الحادية والثلاثون: أنه (١) يُكرَه إفرادُ يوم الجمعة بالصوم. هذا منصوص أحمد. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي (٢) أن يفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأمَّا أن يفرَد فلا. قلت: رجل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوقع فطرُه يومَ الخميس وصومُه يومَ الجمعة، وفطرُه يومَ السبت، فصار الجمعة مفردًا؟ فقال: هذا الآنَ لم يتعمَّد (٣) صومه خاصَّةً. إنما كره أن يتعمَّد الجمعة (٤) .
-
وأباح مالك وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام (٥) . قال مالك (٦) : لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه وممَّن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة. وصيامُه حسَنٌ. وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأُراه كان يتحرَّاه.
قال ابن عبد البر (٧) : اختلفت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صيام يوم الجمعة. فروى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يصوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وقال: «قلما رأيته مفطرًا يوم الجمعة» (٨) . وهو حديث صحيح.
- ج ٢ ص ٥٢١
وقد روي عن ابن عمر أنه قال: ما رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مفطرًا يوم جمعةٍ قطُّ. ذكره ابن أبي شيبة (١) ، عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن عمير بن أبي عمير، عن ابن عمر.
-
وروى (٢) عن (٣) ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه (٤) .
-
وأما الذي ذكره مالك فيقولون: إنه محمد بن المنكدر (٥) ، وقيل:
ج ٢ ص ٥٢٢صفوان بن سُلَيم.
-
وروى الدَّراوردي (١) عن صفوان بن سُلَيم عن رجل من بني جُشَم أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صام يومَ الجمعة كُتِب له عشرةُ أيامٍ غُرٍّ زُهْرٍ (٢) من أيام الآخرة لا يشاكلهن (٣) أيام الدنيا» (٤) .
-
والأصل في صوم (٥) يوم الجمعة أنه عملُ برٍّ، لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له (٦) .
قلت: قد صحَّ المعارضُ صحَّةً لا مطعن فيها البتة. ففي «الصحيحين» (٧) عن محمد بن عباد قال: سألت جابرًا: أنَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الجمعة؟ قال: «نعم» .
-
وفي «صحيح مسلم» (٨) عن محمد بن عباد (٩) قال: سألت جابر بن
ج ٢ ص ٥٢٣عبد الله وهو يطوف بالبيت: أنَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم الجمعة؟ قال: «نعم، وربِّ هذه البنيَّة (١) ».
-
وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة قال: سمعت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يصومنَّ أحدُكم يومَ الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده (٣) ». واللفظ للبخاري.
-
وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تختصُّوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تختصُّوا (٥) يوم الجمعة بصيام من بين الأيام (٦) إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم».
-
وفي «صحيح البخاري» (٧) عن جويرية بنت الحارث أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصُمْتِ أمسِ؟» . قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟» . قالت: لا. قال: «فأفطِري» .
-
وفي «مسند الإمام أحمد» (٨) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده» .
- ج ٢ ص ٥٢٤
وفي «مسنده» (١) أيضًا عن جُنادة الأزدي قال: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم جمعة، في سبعةٍ من الأزد أنا ثامنهم، وهو يتغدَّى، فقال: «هلمُّوا إلى الغداء» . فقلنا: يا رسول الله، إنَّا صيام. قال: «أصمتم أمس؟» . قلنا: لا. قال: «فتصومون غدًا؟» . قلنا: لا. قال: «فأفطِروا» . قال: فأكلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فلما خرج وجلس على المنبر دعا بإناء من ماء، فشرب وهو على المنبر، والناس ينظرون، يُريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة.
-
وفي «مسنده» (٢) أيضًا عن أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» .
-
وذكر ابن أبي شيبة (٣) عن سفيان بن عيينة، عن عمران بن ظَبيان، عن حكيم بن سعد، عن علي بن أبي طالب قال: من كان منكم متطوِّعًا من الشهر أيامًا، فليكن في صومه يوم الخميس. ولا يصُمْ يومَ الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر، فيجمع لله يومين (٤) صالحَين: يوم صيامه ويوم نسكه
ج ٢ ص ٥٢٥مع المسلمين.
-
وذكر جرير (١) عن مغيرة عن إبراهيم أنهم كرهوا صوم الجمعة ليتقَوَّوْا على الصلاة (٢) .
قلت: المآخذ (٣) في كراهته ثلاثة، هذا أحدها. ولكن يشكل عليه زوال الكراهية بضمِّ يوم قبله أو يوم (٤) بعده إليه.
-
والثاني: أنه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد أُورِد على هذا التعليل إشكالان، أحدهما: أنَّ صومه ليس بحرام، وصوم يوم العيد حرام. الثاني: أن الكراهة تزول بعدم إفراده.
-
وأجيب عن الإشكالين بأنه ليس عيد العام، بل عيد الأسبوع، والتحريم إنما هو لصوم يوم (٥) عيد العام. وأما إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده فلا يكون قد صامه لأجل كونه يوم جمعة وعيد (٦) ، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلًا في صيامه تبعًا.
-
وعلى هذا يحمل ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» والنسائي
ج ٢ ص ٥٢٦والترمذي (١) من حديث عبد الله بن مسعود ــ إن صحّ ــ قال: قلما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر يوم جمعة. فإن صحَّ هذا تعيَّن حملُه على أنه كان يدخل في صيامه (٢) ، لا أنه (٣) كان يفرده، لصحة النهي عنه. وأين أحاديث النهي الثابتة في «الصحيحين» من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح، وقد حكم الترمذي بغرابته؛ فكيف يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة (٤) ، ثم يقدَّم عليها؟
-
والمأخذ الثالث: حماية الذريعة (٥) من أن يُلحق بالدِّين ما ليس منه ويُوجِب التشبُّه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرُّد عن الأعمال الدنيوية. وينضمُّ إلى هذا المعنى: أنَّ هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام كان الداعي إلى صومه قويًّا، فهو في مظِنَّةِ تتابعِ الناس في صومه واحتفالهم به ما لا يحتفلون بصوم يومٍ غيره. وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه. ولهذا المعنى ــ والله أعلم ــ نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي، لأنها من أفضل الليالي حتى فضَّلها بعضُهم على ليلة القدر، وحكيت رواية عن أحمد. فهي في مظنَّة تخصيصها بالعبادة، فحمَى (٦) الشارع الذريعة، وسدَّها بالنهي عن تخصيصها بالقيام. والله أعلم.