مبعثه ومراتب الوحي
١٦ فقرة، ج ٢ ص ٦١
- ج ٢ ص ٦١
الواضح، فإن بلالًا إذ ذاك لعله لم يكن موجودًا، وإن كان فلم يكن مع عمِّه ولا مع أبي بكر. وذكر البزار هذا الحديث في «مسنده» (١) ، ولم يقل: وأرسل معه أبو بكر (٢) بلالًا، ولكن قال: رجلًا.
-
فلما بلغ خمسًا وعشرين سنةً خرج إلى الشام في تجارة، فوصل إلى بُصْرَى، ثم رجع، فتزوَّج عقيب رجوعه خديجة بنت خويلد. وقيل: تزوَّجها وله ثلاثون سنةً، وقيل: إحدى وعشرون؛ وسنُّها أربعون (٣) . وهي أول امرأة تزوجها، وأول امرأة ماتت من نسائه، ولم ينكح عليها غيرها، وأمره جبريل أن يقرأ عليها السلام من ربِّها (٤) .
-
ثم حبَّب الله إليه الخلوة والتعبد لربِّه، وكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد. وبُغِّضت إليه الأوثان ودين قومه، فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك.
-
فلما كمل له أربعون أشرق (٥) عليه نورُ النبوة، وأكرمه الله برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصَّه بكرامته، وجعله أمينه بينه وبين عباده.
-
ولا خلاف أن مبعثه كان يوم الاثنين (٦) . واختُلِف في شهر المبعث،
ج ٢ ص ٦٢فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول الأكثرين (١) . وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتجَّ هؤلاء بقوله تعالى: { (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ} [البقرة: ١٨٥] قالوا: وأول ما أكرمه الله بنبوته أنزل عليه القرآن. وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصَّرْصَري حيث يقول في نونيته:
وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمسُ النبوة منه في رمضان (٢)
-
والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآن في رمضان، أنزله (٣) جملةً واحدةً في ليلة القدر إلى بيت العزَّة، ثم أنزله (٤) منجَّمًا بحسب الوقائع في ثلاث (٥) وعشرين سنةً (٦) .
وقالت طائفة: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ} ، أي: في شأنه وتعظيمه وفرض صومه (٧) .
- ج ٢ ص ٦٣
وقيل: كان ابتداء المبعث في شهر رجب.
- وكمَّل الله له من الوحي مراتب عديدةً:
-
أحدها (١) : الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه - صلى الله عليه وسلم -، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٢) .
-
المرتبة الثانية: ما كان يلقيه الملك في رُوعه وقلبه (٣) من غير أن يراه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ روحَ القدس نفَث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب. ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإنَّ ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته» (٤) .
-
الثالثة: أنه كان يتمثَّل له الملَكُ رجلًا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له. وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.
- ج ٢ ص ٦٤
الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشدَّه عليه، فيلتبس به الملَكُ حتَّى إنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد (١) . وحتَّى إنَّ راحلته لَتبرُك به إلى الأرض إذا كان راكبَها (٢) . ولقد جاءه الوحي مرةً كذلك، وفخذُه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت تَرُضُّها (٣) .
-
الخامسة: أن يرى الملكَ في صورته التي خُلِق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم (٤) .
-
السادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
-
السابعة: كلام الله سبحانه له منه إليه بلا واسطة ملَك، كما كلَّم موسى بنَ عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن، وثبوتها
ج ٢ ص ٦٥لنبينا - صلى الله عليه وسلم - هو في حديث الإسراء (١) .
-
وقد زاد بعضهم مرتبةً ثامنةً، وهي تكليم الله له (٢) كفاحًا بغير حجاب (٣) . وهذا على مذهب من يقول: إنه - صلى الله عليه وسلم - رأى ربَّه تبارك وتعالى. وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كلُّهم مع عائشة كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي (٤) إجماعًا للصحابة.