فصل: في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه
١٨ فقرة، ج ٢ ص ٥٨٣
- ج ٢ ص ٥٨٣
كانت أسفاره - صلى الله عليه وسلم - دائرةً بين أربعة أسفار: سفر لهجرته، وسفر للجهاد وهو أكثرها، وسفر للعمرة، وسفر للحج.
-
وكان إذا أراد سفرًا أقرَعَ بين نسائه، فأيَّتُهن خرج سهمُها سافر بها معه (٢) . ولما حجَّ سافر بهنَّ جميعًا (٣) .
-
وكان إذا سافر خرج من أول النهار (٤) . وكان يستحِبُّ الخروجَ يوم
ج ٢ ص ٥٨٤الخميس (١) . ودعا الله أن يبارك لأمته في بكورها (٢) . وكان إذا بعث سريَّةً أو جيشًا بعثهم من أول النهار (٣) . وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثةً أن يؤمِّروا أحدهم (٤) .
-
ونهى أن يسافر الرجل وحده (٥) . وأخبر أنَّ الراكب شيطان،
ج ٢ ص ٥٨٥والراكبان (١) شيطانان، والثلاثة ركب (٢) .
-
وذُكِر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر: «اللهمَّ إليك توجَّهتُ، وبك اعتصمت. اللهمَّ اكْفِني ما أهمَّني وما لا أهتَمُّ له (٣) . اللهمَّ زوِّدني التقوى، واغفِرْ لي ذنبي، ووجِّهني للخير أينما توجَّهتُ» (٤) .
-
وكان إذا قدِّمَتْ إليه دابَّتُه ليركبها يقول: «بسم الله» حين يضع رجله في الرِّكاب. فإذا استوى على ظهرها قال: «الحمد لله الذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مُقْرِنين وإنَّا إلى ربِّنا لَمنقلبون» . ثم يقول: «الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله» . ثم يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر» ، ثم يقول: «سبحانك إنِّي ظلمتُ نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت» (٥) .
- ج ٢ ص ٥٨٦
وكان يقول: «اللهمَّ إنَّا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهمَّ هوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنَّا بعده. اللهمَّ أنتَ الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال» . وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آئبون تائبون عابدون لربِّنا حامدون» (١) .
-
وكان هو وأصحابه إذا علَوا الثَّنايا كبَّروا (٢) ، وإذا هبطوا الأودية سبَّحوا (٣) .
- ج ٢ ص ٥٨٧
وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبع وما أظللن، وربَّ الأرَضين السَّبع وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما ذرَين، أسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها» (١) .
-
وذُكِر عنه أنه كان يقول: «اللهمَّ إني أسألك من خير هذه (٢) وخيرِ ما جمعتَ فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما جمعتَ فيها. اللهمَّ ارزقنا جَناها، وأعِذْنا من وباها، وحبِّبنا إلى أهلها، وحبِّب صالحي أهلها إلينا» (٣) .
-
وكان يقصُر الرُّباعيَّة، فيصلِّيها ركعتين من حين يخرج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة. ولم يثبت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في السفر البتة. وأما حديث
ج ٢ ص ٥٨٨عائشة: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصُر في السفر ويُتِمُّ، ويفطر ويصوم (١) ، فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (٢) : هو كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، انتهى.
-
وقد روي: «كان يقصُر وتُتِمُّ» ، الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق. وكذلك: «يفطر وتصوم» . أي تأخذ هي بالعزيمة (٣) في الموضعين. قال شيخنا (٤) : وهذا (٥) باطل، ما كانت أمُّ المؤمنين لِتُخالفَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وجميعَ أصحابه فتصلِّي خلاف صلاتهم. كيف والصحيح عنها: أنَّ الله فرض الصلاة ركعتين، فلما هاجر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة زيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر (٦) . فكيف يُظَنُّ بها مع ذلك أن تصلِّي بخلاف صلاة النبي (٧) - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه.
قلت: قد أتمَّت عائشة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن عباس أو غيره: «إنَّها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان (٨) ، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقصُر دائمًا». فركَّب بعضُ الرواة من الحديثين حديثًا، وقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقصُر وتُتِمُّ هي، فغلِط
ج ٢ ص ٥٨٩فيه بعض الرواة، فقال: كان يقصُر ويُتِمُّ، أي هو.
-
والتأويل الذي تأولته قد اختُلِف فيه، فقيل: ظنَّت أن القصر مشروط بالخوف والسفر، فإذا زال الخوف زال سبب القصر. وهذا التأويل غير صحيح، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سافر آمَنَ ما كان (١) يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر بن الخطاب وغيره فسأل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأجابه بالشفاء وأنَّ هذا (٢) صدقة من الله، وشرعٌ شرَعه للأمة. وكان هذا بيان أنَّ حكمَ المفهوم غير مراد، وأنّ الجُناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف. وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفعٌ له.
-
وقد يقال: إنَّ الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيَّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف. فإذا وُجِد الأمران أبيح القصرانِ، فيصلُّون صلاة الخوف مقصورًا عددُها وأركانُها. وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلُّون صلاةً تامّةً كاملةً. وإن وُجد أحدُ السببين ترتَّب عليه قصرُه وحدَه.
-
فإن وُجِد الخوف والإقامة قُصِرت الأركان واستُوفيَ العدد. وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية. وإن وُجِد السفر والأمن قُصِرَ العدد واستُوفِيت الأركان، وصُلِّيَت صلاة أمن. وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق. وقد تسمَّى هذه الصلاة مقصورةً باعتبار نقصان العدد، وقد تسمَّى تامَّةً باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية. والأول
ج ٢ ص ٥٩٠اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني عليه يدلُّ كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما.
قالت عائشة: «فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة زِيدَ في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر» . فهذا يدل على أنَّ صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك، وأنَّ فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: «فرَض الله الصلاة على لسان نبيِّكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً» . متفق على حديث عائشة (١) ، وانفرد مسلم (٢) بحديث ابن عباس.
وقال عمر بن الخطاب: «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، والعيد ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقد خاب من افترى» (٣) . وهذا ثابت عن عمر. وهو الذي سأل النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: ما بالنا نقصُر وقد أمِنَّا؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا
ج ٢ ص ٥٩١صدقته» (١) .
-
ولا تناقض بين حديثيه، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما أجابه بأنَّ هذا صدقة الله عليكم، ودينُه اليُسْر السَّمح، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر» . وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أنَّ قصر العدد مباح منفيٌّ عنه الجُناحُ، فإن شاء المصلِّي فعله، وإن شاء أتمَّ.
-
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ولم يربِّع قطُّ إلا شيئًا فعله في بعض صلاة الخوف، سنذكره هناك ونبيِّن ما فيه إن شاء الله.
قال أنس: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، فكان (٢) يصلِّي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة». متفق عليه (٣) .
-
ولما بلغ عبدَ الله بن مسعود أنَّ عثمان بن عفان صلَّى بمنًى أربع ركعات قال: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! صلَّيتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنًى ركعتين، وصلَّيتُ مع أبي بكر الصدِّيق بمنًى ركعتين، وصلَّيتُ مع عمر بن الخطاب بمنًى ركعتين، فليت حظِّي من أربع ركعات ركعتان متقبَّلتان» . متفق عليه (٤) . ولم يكن ابنُ مسعود لِيسترجعَ من فعل عثمان أحدَ الجائزين المخيَّر بينهما،