تأويلات لإتمام عثمان الصلاة في آخر خلافته
١٧ فقرة، ج ٢ ص ٥٩٢
- ج ٢ ص ٥٩٢
بل الأولى على قول. وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر.
-
وفي «صحيح البخاري» (١) عن ابن عمر قال: «صحِبتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -» . يعني في صدر خلافة عثمان، وإلا فعثمان قد أتمَّ في آخر خلافته، وكان ذلك أحد الأسباب التي أُنكِرَت عليه.
-
وقد خُرِّج لفعله تأويلاتٌ (٢) :
أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجُّوا تلك السَّنة، فأراد أن يعلِّمهم أنَّ فرض الصلاة أربع، لئلا يتوهَّموا أنها ركعتان في الحضر والسفر. ورُدَّ هذا التأويل بأنَّهم كانوا أحرى بذلك في حجِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا حديثي عهد بالإسلام، والعهدُ بالصلاة قريب، ومع هذا فلم يربِّع بهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
التأويل الثاني: أنه كان إمامًا للناس، والإمامُ حيث نزل فهو عملُه ومحلُّ ولايته، فكأنه (٣) وطنه. ورُدَّ هذا التأويل بأنَّ إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أولى بذلك، وكان هو الإمام المطلق، ولم يربِّع.
-
التأويل الثالث: أنَّ منًى كانت قد بنيت، وصارت قريةً، وكثر فيها (٤)
- ج ٢ ص ٥٩٣
المساكن في عهده. ولم يكن ذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كانت فضاءً. ولهذا قيل له: يا رسول الله، ألا نبني لك بمنًى بناءً يُظِلُّك من الحرِّ؟ فقال: «لا، منًى مناخُ مَن سبق» (١) . فتأوَّل عثمان أنَّ القصر إنما يكون حالَ السفر (٢) . ورُدَّ هذا التأويل بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عشرًا يقصُر الصلاة.
-
التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثًا، وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا» (٣) ، فسمَّاه مقيمًا، والمقيم غير المسافر. ورُدَّ هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيَّدة في أثناء السفر، ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر. وقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشرًا يقصر الصلاة، وأقام بمنًى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة.
-
التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنًى واتخاذها دار الخلافة، فلهذا أتمَّ، ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة. وهذا التأويل أيضًا مما لا يقوى، فإنَّ عثمان بن عفان من المهاجرين الأولين، وقد منع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المهاجر (٤) من الإقامة بمكة بعد نسكه، ورخَّص له فيها ثلاثة
ج ٢ ص ٥٩٤أيام فقط. فلم يكن عثمان ليقيم بها، وقد منع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، وإنما رخَّص فيها ثلاثًا. وذلك لأنهم تركوها لله، وما تُرِك لله فإنَّه لا يُعادُ فيه ولا يُسترجَع. ولهذا منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من شراء (١) المتصدِّق لصدقته، وقال لعمر: «لا تشترِها (٢) ولا تعُدْ في صدقتك» (٣) ، فجعله عائدًا في صدقته مع أخذها بالثمن.
-
التأويل السادس: أنه كان قد تأهَّل بمنًى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوَّج فيه (٤) ، أو كان له به زوجة= أتمَّ. وروي في ذلك حديث مرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي (٥) ، عن ابن أبي ذُباب، عن أبيه قال: صلّى عثمان بأهل منًى أربعًا، وقال: أيها الناس، لما قدِمتُ تأهَّلت بها، وإني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا تأهَّل الرجل ببلدٍ فليصلِّ به صلاةَ مقيم» . رواه الإمام أحمد في «مسنده» وعبد الله بن الزبير الحميدي في «مسنده» (٦) أيضًا.
- ج ٢ ص ٥٩٥
وقد أعلّه البيهقي (١) بانقطاعه وتضعيفه (٢) عكرمةَ بن إبراهيم.
قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإنَّ البخاري ذكره في «تاريخه» (٣) ولم يطعن فيه، وعادته ذكرُ الجرح والمجروحين. وقد نصَّ أحمد وابن عباس قبله أنَّ المسافر إذا تزوَّج لزمه الإتمام. وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما (٤) . وهذا أحسنُ ما اعتُذِر به عن عثمان.
-
وقد اعتُذِر عن عائشة أنَّها كانت أمَّ المؤمنين، فحيث نزلت فكأنَّه وطنها (٥) . وهذا أيضًا اعتذار ضعيف، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أبو المؤمنين أيضًا، وأمومة أزواجه فرع على أبوته، ولم يكن يقصر (٦) بهذا (٧) السبب. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلِّي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صلَّيتِ ركعتين، فقالت: «يا ابن أختي إنه لا يشُقُّ علي» (٨) .
ج ٢ ص ٥٩٦قال الشافعي (١) : ولو كان فرضُ المسافر ركعتين لما أتمَّها (٢) عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود، ولم يجُز أن يُتِمَّها مسافرٌ مع مقيم. وقد قالت عائشة: كلَّ ذلك قد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتمَّ في السفر، وقصَر.
-
ثم روى عن إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: كلَّ ذلك قد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قصَر الصلاة في السفر، وأتمَّ (٣) .
قال البيهقي (٤) : وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء. وأصحُّ إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي، عن الدارقطني، عن المحاملي، ثنا سعيد بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا عمر (٥) بن سعيد، عن عطاء، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في الصلاة ويُتِمُّ، ويفطر ويصوم. قال (٦)
- ج ٢ ص ٥٩٧
الدارقطني (١) : وهذا (٢) إسناد صحيح.
-
ثم ساق (٣) من طريق أبي بكر النيسابوري، عن عباس الدُّوري، أنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله (٤) - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدِمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرتُ وأتممتُ، وصمتُ وأفطرتُ. قال: «أحسنتِ يا عائشة» .
-
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (٥) : هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلِّي بخلاف صلاة النبي (٦) - صلى الله عليه وسلم - وسائرِ الصحابة، وهي تشاهدهم يقصُرون، ثم تُتِمُّ هي وحدها بلا موجِب. كيف وهي القائلة:
ج ٢ ص ٥٩٨«فُرِضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفر» فكيف يُظَنُّ بها أنها تزيد على ما فَرض الله، وتُخالِف رسولَ الله (١) - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه؟
-
قال الزهري لعروة لما حدَّثه عن أبيه (٢) عنها بذلك: فما شأنها كانت تُتِمُّ الصلاة؟ فقال: تأوَّلَتْ ما تأوَّلَ عثمان (٣) . فإذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد حسَّن فعلَها وأقرَّها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصحُّ أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير. وقد أخبر ابن عمر أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يزيد في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر (٤) ولا عمر (٥) . أفيُظَنُّ بعائشة أمِّ المؤمنين مخالفتُهم وهي تراهم يقصُرون؟ وأما (٦) بعد موته - صلى الله عليه وسلم - فإنها أتمَّت كما أتمَّ عثمان، وكلاهما تأوَّل تأويلًا. والحُجّة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له. والله أعلم.
-
وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر (٧) : إنَّا نجد صلاة الحضر