فصل في هديه في الإسراع بتجهيز الميت والصلاة عليه خارج المسجد

١٠ فقرات، ج ٢ ص ٦٤١

  1. الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: هديُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - كان أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية حقَّها، فاتسع قلبه للرضى عن الله ورحمة الولد والرِّقَّة عليه، فحمد الله، ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمةً ورقَّة (١) . فحملته الرحمةُ (٢) على البكاء، وعبوديتُه لله ومحبتُه له على الرضى والحمد. وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع بطانُه (٣) لشهودهما والقيام بهما، فشغلته (٤) عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرِّقَّة (٥) .

    ج ٢ ص ٦٤١
  2. فصل

    وكان من هديه: الإسراع بتجهيز الميت إلى الله، وتطهيره وتنظيفه، وتطييبه، وتكفينه في ثياب البياض؛ ثم يؤتى به إليه، فيصلِّي عليه، بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره، فيقيم عنده حتى يقضي، ثم يحضر تجهيزه، ويصلِّي عليه، ويشيِّعه إلى قبره. ثم رأى الصحابة أنَّ ذلك يشقُّ عليه، فكانوا إذا قضى الميِّت

    ج ٢ ص ٦٤٢دعَوه، فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه. ثم رأوا أنَّ ذلك يشقُّ عليه، فكانوا هم يجهِّزون ميتهم، ويحملونه إليه - صلى الله عليه وسلم - على سريره، فيصلِّي عليه خارج المسجد.

  3. ولم يكن من هديه الراتب: الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلِّي على الجنائز (١) خارج المسجد. وربما كان يصلِّي أحيانًا على الميِّت في المسجد، كما صلَّى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد (٢) ، ولكن لم يكن ذلك سنَّته وعادته.

  4. وقد روى أبو داود في «سننه» (٣) من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى على جنازة في المسجد فلا شيء له» . وقد اختُلِف في لفظ الحديث، فقال الخطيب في روايته لكتاب «السنن» (٤) : في الأصل: «فلا شيء عليه» ، وغيره يرويه «فلا شيء له» (٥) .

  5. ورواه ابن ماجه في «سننه» (١) ، ولفظه: «فليس له شيء» . ولكن قد ضعَّف الإمام أحمد وغيره هذا الحديث. قال الإمام أحمد (٢) : هو مما انفرد به صالح مولى التوأمة. وقال البيهقي (٣) : هذا حديث يُعَدُّ في أفراد صالح، وحديث عائشة أصحُّ منه، وصالح مختلف في عدالته، كان مالك يجرحه (٤) . ثم ذكر عن أبي بكر وعمر أنه صُلِّي عليهما في المسجد.

    قلت: صالح ثقة في نفسه، كما قال عباس (٥) عن ابن معين: هو ثقة. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت (٦) له: إنَّ مالكًا تركه، فقال: إنَّ مالكًا أدركه بعد أن خَرِف، والثوريُّ إنما أدركه بعد أن خرِف فسمع منه، لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرَف. وقال علي بن المديني: هو ثقة إلا أنه

    ج ٢ ص ٦٤٤خرِف وكبِر، فسمع منه الثوري بعد الخرَف، وسماعُ ابن أبي ذئب منه قبل ذلك (١) . وقال ابن حبان (٢) : تغيَّر في سنة خمس وعشرين ومائة، وجعل يأتي بما يشبه الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميَّز، فاستحقَّ الترك. انتهى كلامه.

    ج ٢ ص ٦٤٣
  6. وهذا الحديث حديث حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعُه منه قديم قبل اختلاطه، فلا يكون اختلاطه موجبًا لردِّ ما حدَّث به قبل الاختلاط. وقد سلك الطحاوي (٣) في حديث أبي هريرة هذا وحديث عائشة مسلكًا آخر فقال: صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وتركُ ذلك آخرُ الفعلين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما فعلت.

  7. وردَّ ذلك على الطحاوي جماعةٌ منهم البيهقي وغيره. قال البيهقي (٤) : ولو كان عند أبي هريرة نسخُ ما روته عائشة لذَكَره يوم صُلِّي على أبي بكر الصدِّيق في المسجد، ويوم صُلِّي على عمر بن الخطاب في المسجد، ولَذكَره (٥) من أنكر على عائشة أمرَها بإدخاله المسجد، وذكره أبو هريرة حين روت فيه (٦) الخبر. وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز. فلما

    ج ٢ ص ٦٤٥روت فيه الخبر سكتوا، ولم ينكروه، ولا عارضوه بغيره.

    قال الخطابي (١) : وقد ثبت أن أبا بكر وعمر صُلّي عليهما في المسجد، ومعلوم أنَّ عامَّة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم إنكارَه الدليلُ على جوازه. قال: وقد يحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة ــ إن ثبت ــ متأوَّلًا على نقصان الأجر. وذلك أنَّ من صلّى عليها في المسجد، فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأنَّ من سعى إلى الجنازة (٢) فصلّى عليها بحضرة المقابر يشهد (٣) دفنَه وأحرَز أجرَ القيراطين، وقد يؤجر أيضًا على كثرة خطاه؛ فصار الذي يصلِّي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد.

    وقالت طائفة: معنى قوله: «فلا شيء له» أي فلا شيء عليه، ليتحد معنى اللفظين ولا يتناقضان، كما قال تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: ٧] أي: فعليها.

  8. فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولًا، وأنَّ سنّتَه وهديَه الصلاةُ على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر. وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم.

  9. فصل

    وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم -: تسجية الميت إذا مات ــ وهو (١) تغطية وجهه وبدنه ــ وتغميض عينيه، وكان ربما يقبِّل الميتَ كما قبَّل عثمان بن مظعون وبكى (٢) ، وكذلك الصدِّيق أكبَّ عليه يقبِّله بعد موته - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

    ج ٢ ص ٦٤٦
  10. وكان يأمر بغسل الميت ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل، ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة (٤) . وكان لا يغسل الشهيدَ قتيلَ المعركة (٥) . وذكر الإمام أحمد (٦) أنه نهى عن تغسيلهم. وكان ينزع عنهم الجلود والحديد، ويدفنهم في ثيابهم (٧) ، ولم يصلِّ عليهم.