١ - من قال: إنه حج مفردا لم يعتمر معه، والرد عليه
٤١ فقرة، ج ٣ ص ١٥٦
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ١٥٦
الهدي (١) من الصَّحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو العباس (٢) ، وقالوا: من تأمَّل الأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تبيَّن له أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يحلَّ لا هو ولا أحدٌ ممَّن ساق الهدي.
-
فصل
في أعذار الذين وهموا في صفة حجَّته
أمَّا من قال: إنَّه حجَّ حجًّا مفردًا لم يعتمر معه، فعذره ما في «الصَّحيحين» (٣) عن عائشة أنَّها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بالحجٍّ، وأهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ. قالوا: فهذا التَّقسيم والتَّنويع صريحٌ في إهلاله بالحجِّ وحده.
-
ولمسلم (٤) عنها أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحجِّ مفردًا.
-
وفي «صحيح البخاريِّ» (٥) عن ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبَّى (٦) بالحجِّ وحده.
-
وفي «صحيح مسلم» (٧) عن ابن عبَّاسٍ: أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ.
- ج ٣ ص ١٥٧
وفي «سنن ابن ماجه» (١) عن جابر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحجَّ (٢) .
-
وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ننوي إلا الحجَّ، لسنا نعرف العمرة.
-
وفي «صحيح البخاريِّ» (٤) عن عروة بن الزُّبير قال: حجَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتني عائشة أنه أوَّل شيءٍ بدأ به حين قدم مكَّة أنَّه توضَّأ، ثمَّ طاف بالبيت [ثمَّ لم تكن عمرةٌ] (٥) ، ثمَّ حجَّ أبو بكر، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ عمر مثل ذلك، ثمَّ حجَّ عثمان، فرأيته أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ معاوية وعبد الله بن عمر. ثمَّ حججتُ مع أبي الزُّبير (٦) بن العوَّام، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ رأيتُ المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيتُ (٧) فعل ذلك ابن عمر، ثمَّ لم ينقضها بعمرة (٨) ، [وهذا ابن عمر عندهم، فلا يسألونه] (٩) ، ولا أحدٌ ممَّن مضى، ما كانوا
ج ٣ ص ١٥٨يبدؤون بشيءٍ حين يضعون أقدامهم أوَّلَ من الطَّواف بالبيت ثمَّ لا يحلُّون. وقد رأيت أمِّي (١) وخالتي حين تَقدَمانِ لا تبدآنِ بشيءٍ أوَّلَ من البيت، تطوفان به، ثمَّ لا تَحلَّانِ. وقد أخبرتني أمِّي أنَّها أقبلتْ (٢) هي وأختها والزبير وفلانٌ وفلانٌ بعمرةٍ قط (٣) ،
فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا.
-
وفي «سنن أبي داود» (٤) : ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حمَّاد بن سلمة ووُهَيب بن خالدٍ، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافين لهلال ذي الحجَّة، فلمَّا كان بذي الحليفة قال: «من شاء أن يُهِلَّ بحجٍّ فليفعلْ (٥) ، ومن شاء أن يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ (٦) ». ثمَّ انفرد حماد (٧) في حديثه بأن قال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «فإنِّي لولا أنِّي أهديتُ لأهللتُ بعمرةٍ» . وقال الآخر (٨) : «وأمَّا أنا فأهلُّ بالحجِّ» . فصحَّ بمجموع الرِّوايتين أنَّه أهلَّ بالحجِّ مفردًا.
-
وأرباب هذا القول عذرهم ظاهرٌ كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: «سُقتُ الهديَ
ج ٣ ص ١٥٩وقَرنْتُ» (١) ؟ وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه حينئذٍ من غيره، وهو من أصدق النَّاس، يسمعه (٢) يقول: «لبَّيك حجًّا وعمرةً» (٣) ، وخبر من هو أعلم النَّاس به عنه عليِّ بن أبي طالبٍ، حين يخبر عنه (٤) أنَّه أهلَّ بهما جميعًا، ولبَّى بهما جميعًا (٥) ، وخبر زوجته حفصة في تقريرها له (٦) على أنَّه معتمرٌ بعمرةٍ لم يحلَّ منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدَّقها، وأجابها بأنَّه مع ذلك حاجٌّ (٧) ، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يقرُّ على باطلٍ يسمعه أصلًا، بل ينكره.
-
وما عذره (٨) عن خبره عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربِّه، يأمره فيه أن يهلَّ بحجَّةٍ في عمرةٍ؟ وما عذره عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنَّه قرنَ؛ لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها، وخبر من أخبر عنه أنَّه اعتمر مع حجَّته؟
-
وليس مع من قال: إنَّه أفرد الحجَّ شيءٌ من ذلك البتَّة، فلم يقل أحدٌ منهم عنه: إنِّي أفردتُ، ولا أتاني آتٍ من ربِّي يأمرني بالإفراد، ولا قال أحدٌ: ما
ج ٣ ص ١٦٠بال النَّاس حلُّوا، ولم تحلَّ من حجك، كما حلُّوا هم بعمرةٍ، ولا قال أحدٌ: إنه سمعه يقول: لبَّيك بعمرةٍ مفردةٍ البتَّة، ولا بحجٍّ مفردٍ، ولا قال أحدٌ: إنَّه اعتمر أربع عُمَرٍ الرَّابعة بعد حجَّته، وقد شهد عليه أربعةٌ من الصَّحابة أنَّهم (١) سمعوه يخبر عن نفسه بأنَّه قارنٌ، ولا سبيلَ إلى دفع ذلك إلا بأن يقال: لم يسمعوه.
-
ومعلومٌ قطعًا أنَّ تطرُّقَ الوهم والغلط إلى من أخبر عمَّا فهِمَه هو من فعْلِه وظنَّه كذلك أولى من تطرُّقِ التَّكذيب إلى من قال: سمعته يقول كذا وكذا وإنَّه لم يسمعه، فإنَّ هذا لا يتطرَّق إليه إلا التَّكذيب، بخلاف خبر من أخبر عمَّا ظنَّه من فعْلِه وكان واهمًا، فإنَّه لا يُنسب إلى الكذب. ولقد نزَّه الله عليًّا وأنسًا والبراء وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول كذا، ولم يسمعوه، ونزَّهه ربُّه تبارك وتعالى أن يرسل إليه: أن افعَلْ كذا وكذا، ولم يفعله، هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، فكيف والَّذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم ولا ناقضوهم، وإنَّما أرادوا إفرادَ الأعمال واقتصارَه على عمل المفرِد، فإنَّه ليس في عمله زيادةٌ على عمل (٢) المفرد.
-
ومَن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا فإنَّه عبَّر بحسب ما فهمه، كما سمع بكرُ بن عبد الله ابنَ عمر يقول: أفرد الحجَّ، فقال: «لبَّى بالحجِّ وحده» ، فحمله على المعنى. وقال سالمٌ ابنه عنه ونافعٌ مولاه: إنَّه تمتَّع، فبدأ فأهلَّ
ج ٣ ص ١٦١بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. فهذا سالمٌ يخبر بخلاف ما أخبر بكرٌ، ولا يصحُّ تأويل هذا عنه (١) بأنَّه أمر به، فإنَّه فسَّره بقوله: «وبدأ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ» .
-
وكذلك الذين رووا الإفراد عن عائشة هما: عروة والقاسم، وروى القِران عنها عروة ومجاهد، وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد، والزُّهريُّ يروي عنه القران. فإن قدَّرنا تساقُطَ الرِّوايتين سلِمتْ رواية مجاهد، وإن حُمِلتْ رواية الإفراد على أنَّه أفرد أعمال الحجِّ تصادقت الرِّوايات وصدَّق بعضها بعضًا.
-
ولا ريبَ أنَّ قول عائشة وابن عمر: «أفردَ الحجَّ» ، محتملٌ لثلاثة معانٍ:
أحدها: الإهلال به مفردًا.
-
الثَّاني: إفراد أعماله.
-
الثَّالث: أنَّه حجَّ حجَّةً واحدةً لم يحجَّ معها غيرها، بخلاف العمرة فإنَّها كانت أربع مرَّاتٍ.
-
وأمَّا قولهما: «تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ، وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ» ، وحكيا فعله، فهذا صريحٌ لا يحتمل غير معنًى واحدٍ، فلا يجوز ردُّه بالمجمل. وليس في رواية الأسود وعَمرة عن عائشة أنَّه أهلَّ بالحجِّ ما يناقض روايةَ مجاهد وعروة عنها أنَّه قرنَ، فإنَّ القارن حاجٌّ مُهِلٌّ بالحجِّ قطعًا، وعمرته جزءٌ من حجّه، فمن أخبر عنه أنَّه مهلٌّ بالحجِّ فهو عين
ج ٣ ص ١٦٢الصادق (١) . فإذا ضُمَّت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ثمَّ ضُمَّا إلى رواية عروة= تبيَّن من مجموع الرِّوايات أنَّه كان قارنًا، وصدَّق بعضها بعضًا، حتَّى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردًا حسْبُ (٢) ، لوجب قطعًا أن يكون سبيله سبيلَ قولِ ابن عمر: «اعتمر في رجبٍ» ، وقولِ عائشة أو عروة: «إنَّه اعتمر في شوَّالٍ» ؛ لأنَّ (٣) تلك الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة لا سبيلَ أصلًا إلى تكذيب رواتها، ولا تأويلِها وحملِها على غير ما دلَّت عليه، ولا سبيلَ إلى تقديم هذه الرِّواية المجملة (٤) الَّتي قد اضطُرِب عن (٥) رواتها واختُلِف عنهم، وعارضهم من هو أوثق منهم أو مثلُهم عليها.
-
وأمَّا قول جابر: «إنَّه أفرد الحجَّ» ، فالصحيح من حديثه ليس فيه شيءٌ من هذا، وإنَّما فيه إخباره عنهم أنفسهم أنَّهم لا ينوون إلا الحجَّ، فأين في هذا ما يدلُّ على أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبَّى بالحجِّ مفردًا؟
-
وأمَّا حديثه (٦) الآخر الذي رواه ابن ماجه (٧) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحجَّ، فله ثلاث طرقٍ:
ج ٣ ص ١٦٣أجودها: طريق الدراوردي عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه، وهذا يقينًا مختصرٌ من حديثه الطَّويل في حجَّة الوداع ومرويٌّ بالمعنى، والنَّاس خالفوا الدراورديَّ في ذلك، وقالوا: أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ بالتَّوحيد.
-
والطَّريق الثَّاني: فيها مطرف بن مصعب (١) عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ عن جعفر. ومطرّف هذا (٢) قال ابن حزمٍ (٣) : هو مجهولٌ.
قلت: ليس بمجهولٍ، ولكنَّه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريُّ وبشر بن موسى وجماعةٌ. قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن أبي أويسٍ. وقال ابن عديٍّ (٤) : يأتي بمناكير. وكأنَّ أبا محمد رأى في النُّسخة مطرِّف بن مصعب فجهَّله، وإنَّما هو مطرف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار.
-
وممَّن غلط في هذا أيضًا محمد بن عثمان الذهبي في كتابه «الضُّعفاء» (٥) ، فقال: مطرِّف بن مصعب المدني عن ابن أبي ذئبٍ، منكر الحديث.
قلت: والرَّاوي عن ابن أبي ذئبٍ والدراورديّ ومالكٍ هو مطرِّف أبو مصعب المدني (٦) ، وليس بمنكر الحديث، وإنَّما غرَّه قول ابن عديٍّ: «يأتي
ج ٣ ص ١٦٤بمناكير»، ثمَّ ساق له منها ابن عديٍّ جملةً، لكن هي من رواية أحمد بن داود أبي صالح (١) عنه، كذَّبه الدَّارقطنيُّ، والبلاء فيها منه (٢) .
-
والطَّريق الثَّالث (٣) لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، يُنظر فيه من هو وما حاله؟ عن محمَّد بن مسلمٍ، إن كان الطَّائفيَّ فهو ثقةٌ عند ابن معينٍ، ضعيفٌ عند الإمام أحمد، وقال ابن حزمٍ (٤) : ساقطٌ البتَّة. ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استشهد به مسلم. قال ابن حزمٍ (٥) : وإن كان غيره فلا أدري من هو. قلت: ليس بغيره، بل هو الطَّائفيُّ يقينًا (٦) .
-
وبكلِّ حالٍ فلو صحَّ هذا عن جابر لكان حكمه حكم المرويِّ عن عائشة وابن عمر، وسائرُ الرُّواة الثِّقات إنَّما قالوا: «أهلَّ بالحجِّ» ، فلعلَّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: «أفرد الحجَّ» . ومعلومٌ أنَّ العمرة إذا دخلت في الحجِّ فمن قال: أهلَّ بالحجِّ، لا يناقض من قال: أهلَّ بهما، بل هذا فصَّل (٧) وذاك أجملَ. ومن قال: «أفرد الحجَّ» يحتمل ما ذكرنا من الوجوه الثَّلاثة.
- ج ٣ ص ١٦٥
ولكن هل قال أحدٌ قطُّ عنه: إنَّه سمعه يقول: لبَّيك بحجَّةٍ مفردةٍ؟ هذا ما لا سبيل إليه. حتَّى لو وُجِد ذلك لم يُقدَّم على تلك الأساطين الَّتي ذكرناها، الَّتي لا سبيل إلى دفعها البتَّة، وكان تغليط هذا أو حملُه على أوَّل الإحرام وأنَّه صار قارنًا في أثنائه متعيِّنًا، فكيف ولم يثبت ذلك. وقد قدَّمنا عن سفيان الثَّوريِّ عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه عن جابر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرنَ في حجّه. رواه زكريا السَّاجيُّ، عن عبد الله بن زياد (١) القَطواني، عن زيد بن الحُباب، عن سفيان. ولا تناقضَ بين هذا وبين قوله: أهلَّ بالحجِّ، وأفرد الحجَّ، ولبَّى بالحجِّ، كما تقدَّم.
-
فصل
فحصل التَّرجيح لرواية من روى القران لوجوهٍ (٢) عشرةٍ:
أحدها: أنَّهم أكثر كما تقدَّم.
-
الثَّاني: أنَّ طرق الإخبار بذلك تنوَّعت كما بيَّنَّاه.
-
الثَّالث: أنَّ فيهم من أخبر عن سماعِه لفظَه صريحًا، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنَّه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربِّه له بذلك، ولم يجئ شيءٌ من ذلك في الإفراد.
-
الرَّابع: تصديق روايات من روى أنَّه اعتمر أربعَ عُمَرٍ لها.
-
الخامس: أنَّها صريحةٌ لا تحتمل التَّأويل، بخلاف روايات الإفراد.
- ج ٣ ص ١٦٦
السَّادس: أنَّها متضمِّنةٌ زيادةً سكت عنها أهل الإفراد أو نفوها، والذَّاكر الزَّائد مقدَّمٌ على السَّاكت، والمثبت مقدَّمٌ على النَّافي.
-
السَّابع: أنَّ رواة الإفراد أربعةٌ: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عبَّاسٍ، والأربعة رووا القران، فإن صرنا إلى تساقُطِ رواياتهم سَلِمتْ رواية من عداهم للقِران عن معارضٍ، وإن صرنا إلى التَّرجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرِّواية عنه ولا اختلفت، كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطَّاب، وعمران بن حُصينٍ، وحفصة، ومن معهم ممَّن تقدَّم.
-
الثَّامن (١) : أنَّه النُّسك الذي أُمِر به من ربِّه، فلم يكن لِيَعدِل عنه.
-
التَّاسع: أنَّه النُّسك الذي أَمر به كلَّ من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثمَّ يسوق هو الهدي ويخالفه.
-
العاشر: أنَّه النُّسك الذي أَمر به آلَه وأهلَ بيته واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار (٢) لنفسه.
-
وثمَّ ترجيحٌ حادي عشر، وهو قوله: «دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة» ، وهذا يقتضي أنَّها قد صارت جزءًا منه أو كالجزء الدَّاخل فيه، بحيث لا يُفصَل (٣) بينها وبينه، وأنها (٤) تكون مع الحجِّ كما يكون الدَّاخل في الشَّيء معه.
- ج ٣ ص ١٦٧
وترجيحٌ ثاني عشر: وهو قول عمر بن الخطَّاب للصُّبَي بن مَعبد وقد أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، فأنكر عليه زيد بن صُوحان أو سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هُدِيْتَ لسنَّة نبيِّك (١) . وهذا يوافق رواية عمر عنه أنَّ الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعًا، فدلَّ على أنَّ القِران سنَّته الَّتي فعلَها، وامتثلَ أمر الله له بها.
-
وترجيحٌ ثالث عشر: أنَّ القارن تقع أعماله عن كلٍّ من النُّسكين، فيقع إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعِه عن أحدهما وعملِ كلِّ فعلٍ على حدةٍ.
-
وترجيحٌ رابع عشر: وهو أنَّ النُّسك الذي اشتمل على سَوق الهدي أفضل بلا ريبٍ من نسكٍ خلا عن الهدي. فإذا قرنَ كان (٢) هديه عن كلِّ واحدٍ من النُّسكين، فلم يخلُ نسكٌ منهما عن هديٍ. ولهذا ــ والله أعلم ــ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ساق الهدي أن يُهِلَّ بالحجِّ والعمرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتَّفق عليه من حديث البراء بقوله: «إنِّي سقتُ الهديَ وقَرنتُ» .