فصل: عود إلى سياق حجته - صلى الله عليه وسلم -

٢٣ فقرة، ج ٣ ص ١٩٦

  1. فلنرجع إلى سياق حجَّته - صلى الله عليه وسلم -: ولبَّدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسَه بالغِسْل (١) . وهو بالغين المعجمة على وزن كِفْلٍ، وهو ما يُغسل به الرَّأس من خِطْميِّ أو نحوه يُلبَّد (٢) به الشَّعر حتَّى لا ينتشر.

    ج ٣ ص ١٩٦
  2. وأهلَّ في مصلَّاه، ثمَّ ركب على ناقته فأهلَّ أيضًا، ثمَّ أهلَّ لمَّا استقلَّت به على البيداء. قال ابن عبَّاسٍ: وَايْمُ اللهِ لقد أوجب في مصلَّاه، وأهلَّ حين استقلَّت به ناقته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء (٣) . وكان يهلُّ بالحجِّ والعمرة تارةً (٤) ، وبالحجِّ تارةً؛ لأنَّ العمرة جزءٌ منه، فمن ثمَّ قيل: قرن، وقيل: تمتَّع، وقيل: أفرد.

    قال ابن حزمٍ (٥) : وكان ذلك قبل الظُّهر بيسيرٍ. وهذا وهمٌ منه، والمحفوظ أنَّه إنَّما أهلَّ بعد صلاة الظُّهر، ولم يقل أحدٌ قطُّ: إنَّ إحرامه كان قبل الظُّهر، ولا أدري من أين له هذا. وقد قال ابن عمر: ما أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٣ ص ١٩٧إلا من عند الشَّجرة حينَ قام به بعيره، وقد قال أنس: إنَّه صلَّى الظُّهر ثمَّ ركب. والحديثان في «الصَّحيح» (١) ، فإذا جمعتَ أحدهما إلى الآخر تبيَّن أنَّه إنَّما أهلَّ بعد صلاة الظُّهر.

  3. ثمَّ لبَّى فقال: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريكَ لك» (٢) ، ورفع صوته بهذه التَّلبية حتَّى سمعها أصحابه (٣) ، وأمرهم بأمر الله له (٤) أن يرفعوا أصواتهم بالتَّلبية (٥) .

  4. وكان حجُّه على رَحْلٍ، لا في مَحْمِلٍ ولا هَودجٍ ولا عمَّاريَّةٍ (٦) ، وزامِلتُه تحته. وقد اختُلِف في جواز ركوب المحرم في (٧) المحمل والهودج

    ج ٣ ص ١٩٨والعمَّاريَّة ونحوها على قولين، هما روايتان عن أحمد، أحدهما: الجواز، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي حنيفة. والثَّاني: المنع، وهو مذهب مالك.

  5. فصل

    ثمَّ إنَّه - صلى الله عليه وسلم - خيَّرهم عند الإحرام بين الأنساك الثَّلاثة، ثمَّ ندبَهم عند دنوِّهم من مكَّة إلى فسخ الحجِّ والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه هديٌ، ثمَّ حتَّم ذلك عليهم عند المروة.

  6. وولدتْ أسماء بنت عُمَيس زوجةُ أبي بكر الصديق بذي الحليفة محمدَ بن أبي بكر، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل، وتستثفر بثوبٍ وتُحرِم وتُهلَّ (١) . وكان في قصَّتها ثلاث سننٍ، إحداها: غُسل المحرم، والثَّانية: أنَّ الحائض تغتسل لإحرامها، والثَّالثة: أنَّ الإحرام يصحُّ من الحائض.

  7. ثمَّ سار (٢) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يلبِّي بتلبيته المذكورة، والنَّاس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يُقِرُّهم ولا ينكر عليهم (٣) ، ولزم تلبيته.

  8. فلمَّا كانوا بالرَّوحاء رأى حمار وحشٍ عَقِيرًا، فقال: «دعُوه فإنَّه يوشك أن يأتي صاحبه» ، فجاء صاحبه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول اللَّه، شأنَكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فقسَّمه بين الرِّفاق (٤) .

  9. وفي هذا دليلٌ على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يَصِدْه لأجله (١) . وأمَّا كونُ صاحبه لم يُحرِم، فلعلَّه لم يمرَّ بذي الحليفة، فهو كأبي قتادة في قصَّته. وتدلُّ هذه القصَّة على أنَّ الهبة لا تفتقر إلى لفظ «وهبتُ» ، بل تصحُّ بكل لفظٍ (٢) يدلُّ عليها. وتدلُّ على قسمة اللَّحم مع عظامه بالتَّحرِّي (٣) ، وتدلُّ على أنَّ الصَّيد يُملَك بالإثبات وإزالة امتناعه، وأنَّه لمن أثبته لا لمن أخذه، وعلى حِلِّ أكل الحمار الوحشيِّ، وعلى التَّوكيل في القسمة، وعلى كون القاسم واحدًا.

    ج ٣ ص ١٩٩
  10. فصل

    ثمَّ مضى حتَّى إذا كان بالأُثاية بين الرُّوَيثة والعَرْج إذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلٍّ فيه سهمٌ، فأمر رجلًا أن يقف عنده، لا يَرِيبه أحدٌ من النَّاس حتَّى يُجاوِز (٤) .

  11. والفرق بين قصَّة الظَّبي وقصَّة الحمار: أنَّ الذي صاد الحمار كان حلالًا، فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنَّه حلالٌ وهم محرمون، فلم يأذن

    ج ٣ ص ٢٠٠لهم في أكله، ووكَّل من يقف عنده لئلَّا يأخذه أحدٌ حتَّى يجاوز. وفيه دليلٌ على أنَّ قتل المحرم للصَّيد يجعله بمنزلة الميتة في عدم الحلِّ، إذ لو كان حلالًا لم يضيّع ماليَّته.

  12. فصل

    ثمَّ سار حتَّى إذا نزل بالعَرْج، وكانت زَمالته وزَمالة (١) أبي بكر واحدةً، وكانت مع غلامٍ لأبي بكر، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر إلى جانبه، وعائشة إلى جانبه الآخر، وأسماء زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظر الغلام والزاملة (٢) ، إذ طلع الغلام وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللتُه البارحةَ، فقال أبو بكر: بعيرٌ واحدٌ تُضِلُّه! قال: فطفق يضربه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبسَّم، ويقول: «انظروا إلى هذا المحرِم ما يصنع» ، وما يزيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يقول ذلك ويتبسَّم (٣) .

  13. ومن تراجم أبي داود على هذه القصَّة: باب المحرِم يؤدِّب.

  14. فصل

    ثمَّ مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتَّى إذا كان بالأبواء أهدى له الصَّعب بن جَثَّامة عجُزَ حمارِ وَحْشٍ (٤) ، فردَّه عليه وقال: «إنَّا لم نردَّه عليك إلا أنَّا

    ج ٣ ص ٢٠١حُرُمٌ» (١) . وفي «الصَّحيحين» (٢) أنَّه أهدى له حمارًا وحشيًّا، وفي لفظٍ لمسلم (٣) : لحم حمار.

    قال الحميدي: كان سفيان يقول في الحديث: «أهديتُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحمَ حمارِ وحشٍ» ، وربَّما قال سفيان: «يقطُر دمًا» ، وربَّما لم يقل ذلك، وكان فيما خلا ربَّما قال: «حمار وحشٍ» ، ثمَّ صار إلى «لحمٍ» حتَّى مات (٤) .

  15. وفي روايةٍ (٥) : «شقّ حمار وحشٍ» ، وفي روايةٍ (٦) : «رِجْل حمار وحشٍ» .

  16. وروى يحيى بن سعيدٍ عن جعفر بن عمرو (٧) بن أميَّة الضَّمريِّ عن أبيه: أنّ الصَّعْب (٨) أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عجزَ حمارٍ وهو بالجُحْفة، فأكل منه وأكل القوم (٩) . قال البيهقي: وهذا إسنادٌ صحيحٌ. فإن كان محفوظًا فكأنَّه ردَّ الحيَّ وقبِلَ اللَّحم.

    وقال الشَّافعيُّ (١٠) : فإن كان الصَّعْب بن جثَّامة أهدى للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الحمار

    ج ٣ ص ٢٠٢حيًّا، فليس للمحرم ذبحُ حمارٍ وحشي، وإن كان أهدى له لحمًا (١) فقد يحتمل أن يكون علم أنَّه صِيْد له، فردَّه عليه، وإيضاحه في حديث جابر. قال: وحديث مالك أنَّه أهدى له حمارًا أثبتُ من حديث مَن حدَّث أنه أهدى (٢) له من لحم حمارٍ.

    قلت: أمَّا حديث يحيى بن سعيدٍ عن جعفر، فغلطٌ بلا شكٍّ، فإنَّ الواقعة واحدةٌ، وقد اتَّفق الرُّواة أنَّه لم يأكل منه، إلا هذه الرِّواية الشَّاذَّة المنكرة.

  17. وأمَّا الاختلاف في كون الذي أهداه حيًّا أو لحمًا، فرواية من روى لحمًا أولى لثلاثة أوجهٍ:

    أحدها: أنَّ راويها قد حفظها، وضبطَ الواقعة حتَّى ضبطَ أنها تقطُر دمًا، وهذا يدلُّ على حفظه للقصَّة حتَّى لهذا الأمر الذي لا يُؤبَه له.

  18. الثَّاني: أنَّ هذا صريحٌ في كونه بعض الحمار، وأنَّه لحمٌ منه، فلا يناقض قوله: «أهدى له حمارًا» ، بل يمكن حمله على رواية من روى «لحمًا» تسميةً للحمه باسم الحيوان، وهذا ممَّا لا تأباه اللُّغة.

  19. الثَّالث: أنَّ سائر الرِّوايات متَّفقةٌ على أنَّه بعضٌ من أبعاضه، وإنَّما اختُلِف في ذلك البعض: هل هو عَجُزه، أو شِقُّه، أو رِجله، أو لحمٌ منه؟ ولا تناقضَ بين هذه الرِّوايات، إذ يمكن أن يكون الشِّقُّ الذي فيه العَجُز، وفيه الرِّجل، فصحَّ التَّعبير عنه بهذا وهذا. وقد رجع ابن عيينة عن قوله: «حمارًا» ، وثبت على قوله: «لحم حمارٍ» حتَّى مات. وهذا يدلُّ على أنَّه تبيَّن له أنَّه إنَّما

    ج ٣ ص ٢٠٣أهدى له لحمًا لا حيوانًا.

  20. ولا تعارضَ بين هذا وبين أكله ممّا (١) صاده أبو قتادة، فإنَّ قصَّة أبي قتادة كانت عامَ الحديبية سنة ستٍّ، وقصَّة الصَّعْب قد ذكر غير واحدٍ أنَّها كانت في حجَّة الوداع، منهم: المحبُّ الطبري في كتاب «حجَّة الوداع» (٢) له وغيرُه (٣) ، وهذا ممَّا يُنظر فيه. وفي قصَّة الظَّبي وحمار البَهْزي (٤) : هل كانت في حجَّة الوداع أو في بعض عُمَره؟ فالله أعلم.

  21. وإن حُمِل حديث أبي قتادة على أنَّه لم يَصِدْه لأجله، وحديث الصَّعْب على أنَّه صِيد لأجله، زال الإشكال. ويشهد (٥) لذلك حديث جابر المرفوع: «صيدُ البرِّ لكم حلالٌ ما لم تَصيدوه أو يُصاد لكم» (٦) . وإن كان الحديث قد أُعِلَّ بأنَّ المطَّلب بن حَنْطبٍ راويه عن جابر لا يُعرف له سماعٌ منه. قاله النَّسائيُّ (٧) .

    ج ٣ ص ٢٠٤قال الطَّبريُّ في «حجَّة الوداع» (١) له: فلمَّا كان في بعض الطَّريق اصطاد أبو قتادة حمارًا وحشيًّا، ولم يكن محرمًا، فأحلَّه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بعد أن سألهم: هل أمره أحدٌ منكم بشيءٍ أو أشار إليه؟ وهذا وهمٌ منه - رحمه الله -، فإنَّ قصَّة أبي قتادة إنَّما كانت عام الحديبية، هكذا في «الصَّحيحين» (٢) من حديث عبد الله ابنه عنه قال: انطلقنا مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عامَ الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أُحرِم. فذكر قصَّة الحمار الوحشيِّ.

  22. فصل

    فلمَّا مرَّ بوادي عُسْفان، قال: «يا أبا بكر، أيُّ وادٍ هذا؟» ، قال: وادي عُسفان. قال: «لقد مرَّ به هودٌ وصالحٌ على بَكْرينِ أحمرين خُطُمُهما اللِّيفُ، وأُزُرُهم العَباء، وأَرديتهم النِّمار، يلبُّون يحجُّون البيت العتيق» . ذكره الإمام أحمد في «المسند» (٣) .

  23. فلمَّا كان بسَرِف حاضت عائشة، وقد كانت أهلَّت بعمرةٍ، فدخل عليها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي، فقال: «ما يُبكِيك لعلَّكِ نُفِسْتِ؟» ، قالت: نعم، قال: «هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاجُّ، غيرَ أن لا