- بحث في إحرام عائشة هل كانت قارنة أو مفردة؟ وذكر اختلاف الروايات فيه

١٧ فقرة، ج ٣ ص ٢٠٥

  1. تطوفي بالبيت» (١) .

    ج ٣ ص ٢٠٥
  2. وقد تنازع العلماء في قصَّة عائشة: هل كانت متمتِّعةً أو مفردةً؟ وإذا كانت متمتِّعةً فهل رفضتْ عمرتها وانتقلتْ إلى الإفراد، أو أدخلتْ عليها الحجَّ وصارت قارنةً؟ وهل العمرة الَّتي أتت بها من التَّنعيم كانت واجبةً أم لا؟ وإذا لم تكن واجبةً فهل هي مجزئةٌ عن عمرة الإسلام أم لا؟ واختلفوا أيضًا في موضع حيضها، وموضع طهرها، ونحن نذكر البيان الشَّافي في ذلك بحول الله وتوفيقه.

  3. واختلف الفقهاء في مسألةٍ مبنيَّةٍ على قصَّة عائشة، وهي أنَّ المرأة إذا أحرمت بالعمرة، فحاضت ولم يمكنها الطَّواف قبل التَّعريف، فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتُهلُّ بالحجِّ مفردًا، أو تُدخِل الحجَّ على العمرة وتصير قارنةً؟ فقال بالقول الأوَّل فقهاء الكوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه، وبالثَّاني: فقهاء الحجاز، منهم: الشَّافعيُّ ومالك، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه.

    قال الكوفيُّون: ثبت في «الصَّحيحين» (٢) عن عروة عن عائشة أنَّها قالت: أهللنا بعمرةٍ، فقدمتُ مكَّة وأنا حائضٌ، لم أطف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «انقُضي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحجِّ، ودَعي العمرة» . قالت: ففعلتُ. فلمَّا قضينا الحجَّ أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ إلى التَّنعيم، فاعتمرت

    ج ٣ ص ٢٠٦معه. فقال: «هذه مكان عمرتك» .

    قالوا: فهذا يدلُّ على أنَّها كانت متمتِّعةً، وعلى أنَّها رفضت عمرتها وأحرمت بالحجِّ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دَعِي عمرتك» ، ولقوله: «انقُضي رأسَك وامتشطي» . ولو كانت باقيةً على إحرامها لما جاز لها أن تمتشط، ولأنَّه قال للعمرة الَّتي أتت بها من التَّنعيم: «هذه مكان عمرتك» . ولو كانت عمرتها الأولى باقيةً لم تكن هذه مكانها، بل كانت عمرةً مستقلَّةً.

    قال الجمهور: لو تأمَّلتم قصَّة عائشة حقَّ التَّأمُّل، وجمعتم بين طرقها وأطرافها، لتبيَّن لكم أنَّها قرنَتْ ولم ترفض العمرة، ففي «صحيح مسلم» (١) عن جابر قال: أقبلتْ عائشة بعمرةٍ، حتَّى إذا كانت بسَرِف عَرَكتْ (٢) ، ثمَّ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة فوجدها تبكي، فقال: «ما شأنُكِ؟» ، قالت: شأني أنِّي قد حضتُ، وقد حلَّ النَّاس ولم أحلَّ، ولم أطفُ بالبيت، والنَّاس يذهبون إلى الحجِّ الآن، فقال: «إنَّ هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثمَّ أهلِّي بالحجِّ» . ففعلتْ ووقفتِ المواقفَ، حتَّى إذا طهرتْ طافت بالكعبة وبالصَّفا والمروة، ثمَّ قال: «قد حللت من حجِّك وعمرتك» ، قالت: يا رسول الله، إنِّي أجدُ في نفسي أنِّي لم أطفْ بالبيت حتَّى حججتُ. قال: «فاذهبْ بها يا عبد الرحمن، فأَعمِرْها من التَّنعيم» .

  4. وفي «صحيح مسلم» (٣) من حديث طاوسٍ عنها: أهللتُ بعمرةٍ، فقدِمتُ

    ج ٣ ص ٢٠٧ولم أطف حتَّى حضتُ، فنسكت المناسك كلَّها، فقال لها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوم النَّفر: «يسعُكِ طوافُك لحجِّكِ وعمرتكِ» .

  5. فهذه نصوصٌ صريحةٌ أنَّها كانت في حجٍّ وعمرةٍ لا في حجٍّ مفردٍ، وصريحةٌ في أنَّ (١) القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ، وصريحةٌ في أنَّها لم ترفض إحرام العمرة، بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحلَّ منه. وفي بعض ألفاظ الحديث (٢) : «كوني في عمرتك، فعسى الله أن يرزقكها» . ولا يناقض هذا قولَه: «دعي عمرتك» ، فلو كان المراد به رفْضها وتركها لما قال لها: «يسعُكِ طوافك لحجِّك وعمرتك» ، فعُلم أنَّ المراد: دَعِي أعمالها، ليس المراد رفْض إحرامها.

  6. وأمَّا قوله: «انقُضي رأسك وامتشطي» ، فهذا ممَّا أعضلَ على النَّاس، ولهم فيه أربع (٣) مسالك:

    أحدها: أنَّه دليلٌ على رفض العمرة، كما قالت الحنفيَّة.

  7. المسلك الثَّاني: أنَّه دليلٌ على أنَّه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليلَ من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزمٍ وغيره.

  8. المسلك الثَّالث: تعليل هذه اللَّفظة، وردُّها بأنَّ عروة انفرد بها،

    ج ٣ ص ٢٠٨وخالف (١) بها سائر الرُّواة، وقد روى حديثها طاوسٌ والقاسم والأسود وعمرة (٢) ، فلم يذكر أحدٌ منهم هذه اللَّفظة. قالوا: وقد روى حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديثَ حيضها في الحجِّ، فقال فيه: حدَّثني غير واحدٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «دعي عمرتك، وانقُضي رأسك وامتشطي» ، وذكر تمام الحديث. قالوا: فهذا يدلُّ على أنَّ عروة لم يسمع هذه الزِّيادة من عائشة (٣) .

  9. المسلك الرَّابع (٤) : أنَّ قوله «دعي العمرة» أي دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها (٥) . قالوا: ويدلُّ عليه وجهان:

    أحدهما: قوله: «يسعُكِ طوافك لحجِّك وعمرتك» .

  10. الثَّاني: قوله: «كوني في عمرتك» . قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها، لسلامته من التَّناقض.

    قالوا: وأمَّا قوله: «هذه مكان عمرتك» فعائشة أحبَّت أن تأتي بعمرةٍ مفردةٍ، فأخبرها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ طوافها وقع عن حجّها وعمرتها، وأنَّ عمرتها قد دخلت في حجِّها، فصارت قارنةً، فأبتْ إلا عمرةً مفردةً كما قصدتْ أوَّلًا، فلمَّا حصل لها ذلك قال: «هذه مكان عمرتك» .

  11. وفي «سنن الأثرم» (١) عن الأسود قال: قلت لعائشة: اعتمرتِ بعد الحجِّ؟ قالت: والله ما كانت عمرةً، ما كانت إلا زيارةً زرتُ البيت.

    قال الإمام أحمد (٢) : إنَّما (٣) أعمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عائشةَ حين ألحَّت عليه، فقالت: يرجع النَّاس بنسكينِ وأرجع بنسكٍ؟ فقال: «يا عبد الرحمن، أَعمِرْها» ، فنظر إلى أدنى الحلِّ، فأعمَرَها منه.

    ج ٣ ص ٢٠٩
  12. فصل

    واختلف النَّاس فيما أحرمت به عائشة أوَّلًا على قولين:

    أحدهما: أنَّه عمرةٌ مفردةٌ، وهذا هو الصَّواب لما ذكرنا من الأحاديث. وفي «الصَّحيح» عنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع مُوافين لهلال ذي الحجَّة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد منكم أن يُهلَّ بعمرةٍ، فليهلَّ، فلولا أنِّي أهديتُ لأهللتُ بعمرةٍ» . قالت: فكان من القوم مَن أهلَّ بعمرةٍ، ومنهم من أهلَّ بالحجِّ، قالت: فكنتُ أنا ممَّن أهلَّ بعمرةٍ. وذكرت الحديث (٤) . وقوله في الحديث: «دعي العمرة وأهلِّي بالحجِّ» ، قاله لها بسَرِف قريبًا من مكَّة، وهو صريحٌ في أنَّ إحرامها كان بعمرةٍ.

  13. القول الثَّاني: أنَّها أحرمت أوَّلًا بالحجِّ وكانت مفردةً، قال ابن

    ج ٣ ص ٢١٠عبد البرِّ (١) : روى القاسم بن محمَّدٍ والأسود بن يزيد وعَمْرة كلُّهم عن عائشة ما يدلُّ على أنَّها كانت محرمةً بحجٍّ لا بعمرةٍ، منها: حديث عمرة عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا أنَّه الحجُّ، وحديث الأسود بن يزيد مثله، وحديث القاسم: لبَّينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ (٢) . قال: وغلَّطوا عروة في قوله عنها: كنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ. قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء ــ يعني الأسود والقاسم وعمرة ــ على الرِّوايات الَّتي ذكرنا، فعلمنا بذلك أنَّ الرِّوايات الَّتي رُوِيت عن عروة غلطٌ. قال: ويُشبه أن يكون الغلط إنَّما وقع فيه أن يكون لم يُمكِنْها الطَّوافُ بالبيت وأن تحلَّ بعمرةٍ، كما فعلَ من لم يسق الهدي، فأمرها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تترك الطَّواف وتمضي على الحجِّ، فتوهَّموا بهذا المعنى أنَّها كانت معتمرةً، وأنَّها تركت عمرتها وابتدأت الحجِّ.

    قال أبو عمر (٣) : وقد روى جابر بن عبد اللَّه أنَّها كانت مهلَّةً بعمرةٍ، كما روى عنها عروة (٤) . قالوا: والغلط الذي دخل على عروة إنَّما كان في قوله: «انقُضي رأسك وامتشطي، ودعي العمرة وأهلِّي بالحجِّ» . وروى حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه حدَّثني غير واحدٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «دعي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وافعلي ما يفعل الحاجُّ» . فبيَّن حماد أنَّ عروة لم يسمع هذا الكلام من عائشة.

    ج ٣ ص ٢١١قلت: من العجب ردُّ هذه النُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة الَّتي لا مدفعَ لها، ولا مطعنَ فيها، ولا تحتمل تأويلًا البتَّة بلفظٍ مجملٍ ليس ظاهرًا في أنَّها كانت مفرِدةً، فإنَّ غاية ما احتجَّ به من زعم أنَّها كانت مفردةً قولُها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا أنَّه الحجُّ. فيا لله العجب! أيُظَنُّ بالمتمتِّع أنَّه خرج لغير الحجِّ؟ بل خرج للحجِّ متمتِّعًا، كما أنَّ المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضَّأ لا يمتنع أن يقول: خرجتُ لغسل الجنابة. وصدَقتْ أمُّ المؤمنين إذ (١) كانت لا ترى إلا أنَّه الحجُّ، حتَّى أحرمتْ بعمرةٍ بأمره - صلى الله عليه وسلم -، وكلامها يصدِّق بعضُه بعضًا.

  14. وأمَّا قولها: لبَّينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ، فقد قال جابر عنها في «الصَّحيحين» (٢) : إنَّها أهلَّت بعمرةٍ، وكذلك قال طاوسٌ عنها في «صحيح مسلم» (٣) ، وكذلك قال مجاهد عنها (٤) ، فلو تعارضت الروايتان (٥) عنها فرواية الصَّحابة عنها أولى أن يؤخذ بها من رواية التَّابعين، كيف ولا تعارضَ في ذلك البتَّة، فإنَّ القائل «فعلنا كذا» يصدُق ذلك منه بفعله وبفعل أصحابه. ومن العجب أنَّهم يقولون في قول ابن عمر: «تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحجِّ» ، معناه: تمتَّع أصحابه، فأضاف الفعل إليه لأمره به، فهلَّا قلتم في قول عائشة: «لبَّينا بالحجِّ» : إنَّ المراد به جنس الصَّحابة الذين لبَّوا بالحجِّ؟

  15. وقولها: «فعلنا» كما قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسافرنا معه ونحوه. ويتعيَّن قطعًا ــ إن لم تكن هذه الرِّواية غلطًا ــ أن تُحمل على ذلك للأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة أنَّها كانت قد (١) أحرمت بعمرةٍ، وكيف يُنسَب عروة في ذلك إلى الغلط، وهو أعلم النَّاس بحديثها، وكان يسمع منها مشافهةً بلا واسطةٍ.

    ج ٣ ص ٢١٢
  16. وأمَّا قوله في رواية حماد: حدَّثني غير واحدٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «دَعِي عمرتك» ، فهذا إنَّما يحتاج إلى تعليله وردِّه إذا خالف الرِّوايات الثَّابتة عنها، فأمَّا إذا وافقها وصدَّقها وشهد أنها أحرمت بعمرةٍ، فهذا يدلُّ على أنَّه محفوظٌ، وأنَّ الذي حدَّثه ضبطَه وحفظه. هذا مع أنَّ حمَّاد بن زيدٍ انفرد بهذه الرِّواية المعلَّلة، وهي قوله: «فحدَّثني غير واحدٍ» ، وخالفه جماعةٌ فرووه متَّصلًا عن عروة عن عائشة، فلو قُدِّر التَّعارض فالأكثرون أولى بالصَّواب.

  17. ويا للعجب! كيف يكون تغليط أعلم النَّاس بحديثها ــ وهو عروة ــ في قوله عنها: «وكنت فيمن أهلَّ بعمرةٍ» سائغًا بلفظٍ مجملٍ محتملٍ، ويُقضى به على النَّصِّ الصَّحيح الصَّريح الذي شهد له سياق القصَّة من وجوهٍ متعدِّدةٍ قد تقدَّم ذكر بعضها؟ فهؤلاء أربعةٌ رَوَوا عنها أنَّها أهلَّت بعمرةٍ: جابر، وعروة، وطاوس، ومجاهد، فلو كانت رواية القاسم وعمرة والأسود معارضةً لرواية هؤلاء لكانت روايتهم أولى بالتَّقديم لكثرتهم، ولأنَّ فيهم جابرًا، ولفضل عروة وعلمه بحديث خالته.