فصل: في المراد من العمرة التي أتت بها عائشة من التنعيم
١٨ فقرة، ج ٣ ص ٢١٣
- ج ٣ ص ٢١٣
ومن العجب قوله: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أمرها أن تترك الطَّواف، وتمضي على الحجِّ، توهَّموا بهذا أنَّها كانت معتمرةً، فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أمرها أن تدعَ العمرة وتُنشئ إهلالًا بالحجِّ، فقال لها: «وأهلِّي بالحجِّ» ، ولم يقل: استمرِّي عليه، ولا امْضِي فيه، وكيف يغلط راوي الأمر بالامتشاط لمجرَّد مخالفته لمذهب الرَّادِّ؟ فأين (١) في كتاب الله وسنَّة رسوله وإجماع الأمَّة ما يحرِّم على المحرم تسريحَ شعره، ولا يسوِّغ تغليطَ الثِّقات لنصرة الآراء والتَّقليد؟ والمحرم إذا أمنَ مِن تقطيع الشَّعر لم يُمنَع من تسريح رأسه، وإن لم يأمن من سقوط شيءٍ من الشَّعر بالتَّسريح، فهذا المنع منه محلُّ نزاعٍ واجتهادٍ، والدَّليل يَفصِل بين المتنازعين، فإن لم يدلَّ كتابٌ ولا سنَّةٌ ولا إجماعٌ على منعه فهو جائزٌ.
-
فصل
وللنَّاس في هذه العمرة الَّتي أتت بها عائشة من التَّنعيم أربعة مسالك:
أحدها: أنَّها كانت زيادةً تطييبًا لقلبها وجَبْرًا لها، وإلَّا فطوافها وسعيها وقع عن حجِّها وعمرتها، وكانت متمتِّعةً ثمَّ أدخلت الحجَّ على العمرة، فصارت قارنةً. وهذا أصحُّ الأقوال، والأحاديث لا تدلُّ على غيره، وهذا مسلك الشَّافعيِّ وأحمد وغيرهما.
-
المسلك الثَّاني: أنَّها لمَّا حاضت أمرها أن ترفض عمرتها، وتنتقل عنها إلى حجٍّ مفردٍ، فلمَّا حلَّت من الحجِّ أمرها أن تعتمر؛ قضاءً لعمرتها الَّتي
ج ٣ ص ٢١٤أحرمتْ بها أوَّلًا. وهذا مسلك أبي حنيفة ومن تبعه (١) . وعلى هذا القول فهذه العمرة كانت في حقِّها واجبةً لا بدَّ منها، وعلى القول الأوَّل (٢) كانت جائزةً، وكلُّ متمتِّعةٍ حاضت ولم يمكنها الطَّوافُ قبل التَّعريف فهي على هذين القولين: إمَّا أن تُدخِل الحجَّ على العمرة وتصير قارنةً، وإمَّا أن تنتقل عن العمرة إلى الحجِّ وتصير مفردةً، وتقضي العمرة.
-
المسلك الثَّالث: أنَّها لمَّا قرنتْ لم يكن بدٌّ من أن تأتي بعمرةٍ مفردةٍ، لأنَّ عمرة القارن لا تجزئ عن عمرة الإسلام، وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد.
-
المسلك الرَّابع: أنَّها كانت مفرِدةً، وإنَّما امتنعت من طواف القدوم لأجل الحيض، واستمرَّت على الإفراد حتَّى طهرتْ وقضت الحجَّ، وهذه العمرة هي عمرة الإسلام. وهذا مسلك القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره من المالكيَّة. ولا يخفى ما في هذا المسلك من الضَّعف، بل هو أضعف المسالك في الحديث.
-
وحديث عائشة هذا يؤخذ منه أصولٌ عظيمةٌ من (٣) أصول المناسك:
أحدها: اكتفاء القارن بطوافٍ واحدٍ وسعيٍ واحدٍ.
-
الثَّاني: سقوط طواف القدوم عن الحائض، كما أنَّ حديث صفيةَ أصلٌ في سقوط طواف الوداع عنها.
-
الثَّالث: أنَّ إدخال الحجِّ على العمرة للحائض جائزٌ، كما يجوز للطَّاهر،
ج ٣ ص ٢١٥وأولى؛ لأنَّها معذورةٌ محتاجةٌ إلى ذلك.
-
الرَّابع: أنَّ الحائض تفعل أفعال الحجِّ كلَّها.
-
الخامس (١) : أنَّها لا تطوف بالبيت.
-
السادس: أنَّ التَّنعيم من الحلِّ.
-
السابع: جواز عمرتين في سنةٍ واحدةٍ، بل في شهرٍ واحدٍ.
-
الثامن: أنَّ المشروع في حقِّ المتمتِّع إذا لم يأمن الفواتَ أن يُدخِل الحجَّ على العمرة، وحديث عائشة أصلٌ فيه.
-
التاسع: أنَّه أصلٌ في العمرة المكِّيَّة، وليس مع (٢) من استحبَّها غيره، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمر هو ولا أحدٌ ممَّن حجَّ معه من مكَّة خارجًا منها إلا عائشة وحدها، فجعل أصحاب العمرة المكِّيَّة قصَّة عائشة أصلًا لقولهم. ولا دلالةَ لهم فيها، فإنَّ عمرتها إمَّا أن تكون قضاءً للعمرة المرفوضة عند من يقول: إنَّها رفضتْها، فهي واجبةٌ قضاءً لها، أو تكون زيارةً (٣) محضةً، وتطييبًا لقلبها عند من يقول: إنَّها كانت قارنةً، وإنَّ طوافها وسعيها أجزأها عن حجِّها وعمرتها. والله أعلم.
-
فصل
وأمَّا كون عمرتها تلك مجزئةً عن عمرة الإسلام، ففيه قولان للفقهاء
ج ٣ ص ٢١٦وهما روايتان عن أحمد، والَّذين قالوا: لا تجزئ، قالوا: العمرة المشروعة الَّتي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعلَها نوعان لا ثالثَ لهما: عمرة التَّمتُّع، وهي الَّتي أذِنَ فيها عند الميقات، وندَبَ إليها في أثناء الطَّريق، وأوجبها على من لم يسُقِ الهدي عند الصَّفا والمروة. الثَّانية: العمرة المفردة بسفرٍ يُنشأ لها (١) ، كعُمَره المتقدِّمة، ولم يشرع عمرة مفردة غير هاتين، وفي كلتيهما المعتمرُ داخلٌ إلى مكَّة. وأمَّا عمرة الخارج إلى أدنى الحلِّ فلم تُشرع.
-
وأمَّا عمرة عائشة فكانت زيارةً محضةً، وإلَّا فعمرةُ قرانها قد أجزأتْ عنها بنصِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا دليلٌ على أنَّ عمرة القارن تُجزئ عن عمرة الإسلام، وهذا هو الصَّواب المقطوع به، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «يسعُكِ طوافك لحجِّك وعمرتك» ، وفي لفظٍ: «يجزئك» (٢) ، وفي لفظٍ: «يكفيك» . وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة» (٣) ، وأمر كلَّ من ساق الهدي أن يقرِنَ بين الحجِّ والعمرة، ولم يأمر أحدًا ممَّن قرن معه وساق الهدي بعمرةٍ أخرى غير عمرة القران، فصحَّ إجزاء عمرة القارن عن عمرة الإسلام قطعًا، وباللَّه التَّوفيق.
-
فصل
وأمَّا موضع حيضها فهو بسَرِف بلا ريبٍ، وموضع طهرها قد اختُلف
ج ٣ ص ٢١٧فيه، فقيل: بعرفة، هكذا روى مجاهد عنها (١) ، وروى عروة عنها أنَّها أظلَّها يوم عرفة وهي حائضٌ (٢) . ولا تَنافيَ بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزمٍ على معنيين، فطُهْر عرفة هو الاغتسال للوقوف عنده، قال (٣) : لأنَّها قالت: «تطهَّرت بعرفة» ، والتَّطهُّر (٤) غير الطُّهر. قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها وأنَّه يوم النَّحر، وحديثه في «صحيح مسلم» (٥) . قال: وقد اتَّفق القاسم وعروة على أنَّها كانت يوم عرفة حائضًا، وهما أقربُ النَّاس منها.
-
وقد روى أبو داود (٦) : ثنا محمَّد بن إسماعيل (٧) ، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُوافينَ هلالَ ذي الحجَّة ... فذكرت الحديث، وفيه: فلمَّا كانت ليلة البطحاء طهُرتْ عائشة. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، لكن قال ابن حزمٍ (٨) : إنَّه حديثٌ منكرٌ، مخالفٌ لما روى هؤلاء كلُّهم عنها، وهو قوله: «إنَّها طهرتْ ليلة البطحاء» ، وليلة البطحاء كانت بعد يوم النَّحر بأربع ليالٍ، وهذا محالٌ، إلا أنَّنا لمَّا تدبَّرنا وجدنا هذه اللَّفظة ليست من كلام عائشة، فسقطَ التَّعلُّق بها، لأنَّها إنما هي