٣ - دعوى معارضة أحاديث الفسخ بما يخالفها، والرد عليها
٧٦ فقرة، ج ٣ ص ٢٤١
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ٢٤١
وأمَّا العذر الثَّالث، وهو معارضة أحاديث الفسخ بما يدلُّ على خلافها، فذكروا منها ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث الزُّهريِّ عن عروة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ، حتَّى قدِمنا مكَّة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فليحللْ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فلا يحلَّ حتَّى ينحر هديه، ومن أهلَّ بحجٍّ فليتمَّ حجَّه» ، وذكر باقي الحديث.
-
ومنها: ما رواه في «صحيحه» (٢) أيضًا من حديث مالك عن أبي الأسود، عن عروة عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ (٣) ، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ، فأمَّا من أهلَّ بعمرةٍ فحلَّ، وأمَّا من أهلَّ بحجٍّ أو جمع الحجَّ والعمرة فلم يحلُّوا حتَّى كان يوم النَّحر.
-
ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة (٤) ، قال: ثنا محمَّد بن بِشرٍ العبديُّ، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة، قال: حدَّثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للحجِّ على ثلاثة أنواعٍ: فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ وحجَّةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ مفردٍ، ومنَّا من أهلَّ بعمرةٍ مفردةٍ، فمن كان أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ معًا لم يحلِلْ من شيءٍ ممَّا حَرُم منه حتَّى يقضي
ج ٣ ص ٢٤٢مناسك الحجِّ، ومن أهلَّ بحجٍّ مفردٍ لم يحلِلْ من شيءٍ ممَّا حرم منه حتَّى يقضي مناسك الحجِّ، ومن أهلَّ بعمرةٍ مفردةٍ فطاف بالبيت وبالصَّفا والمروة حلَّ ممَّا حرم منه حتَّى يستقبل حجًّا.
-
ومنها: ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن محمد بن نوفل: أنَّ رجلًا من أهل العراق قال له: سَلْ لي عروة بن الزُّبير عن رجلٍ أهلَّ بالحجِّ، فإذا طاف بالبيت أيحلُّ أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، ... فذكر الحديث. وفيه: قد حجَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرتني عائشة أنه أوَّل شيءٍ بدأ به حين قدم مكَّة أنَّه توضَّأ فطاف بالبيت. ثمَّ حجَّ أبو بكر، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ عمر مثل ذلك، ثمَّ حجَّ عثمان، فرأيته أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ معاوية وعبد الله بن عمر. ثمَّ حججتُ مع أبي الزُّبير بن العوَّام، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ رأيتُ المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ آخر من رأيتُ فعلَ ذلك ابن عمر، ثمَّ لم ينقُضْها بعمرةٍ، فهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟ ولا أحدٌ ممَّن مضى ما كانوا يبدؤون بشيءٍ حين يضعون أقدامَهم أوَّلَ من الطَّواف بالبيت، ثمَّ لا يحلُّون. وقد رأيتُ أمِّي وخالتي حين تَقدَمانِ لا تبدآنِ بشيءٍ أوَّلَ من البيت، تطوفان به ثمَّ لا تحلَّان.
-
فهذا مجموع ما عارضوا به أحاديث الفسخ، ولا معارضةَ فيها بحمد الله ومنِّه.
- ج ٣ ص ٢٤٣
أمَّا الحديث الأوَّل ــ وهو حديث الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة ــ فغلِطَ فيه عبد الملك بن شعيب، أو أبوه شعيب، أو جدُّه الليث، أو شيخه عُقَيل، فإنَّ الحديث قد رواه مالك ومعمر والنَّاس عن الزُّهريِّ عن عروة عنها، وبيَّنوا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يكن معه هديٌ إذا طاف وسعى أن يحلَّ:
فقال مالك عن يحيى بن سعيدٍ عن عَمرة عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس ليالٍ بقين لذي القعدة، ولا نرى إلا الحجَّ، فلمَّا دنونا من مكَّة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَن لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وسعى بين الصَّفا والمروة أن يحلَّ، وذكر الحديث. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمَّدٍ، فقال: أتتْك والله بالحديث على وجهه (١) .
وقال منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نرى إلا الحجَّ، فلمَّا قدِمنا تطوَّفنا بالبيت، فأمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَن لم يكن ساق الهدي أن يحلَّ، فحلَّ من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يَسُقْن فأحللن (٢) .
-
وقال مالك ومعمر كلاهما عن ابن شهابٍ عن عروة عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ حجَّة الوداع فأهللنا بعمرةٍ، ثمَّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان معه هديٌ فليهللْ بالحجِّ مع العمرة، ولا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» (٣) .
-
وقال ابن شهابٍ عن عروة عنها، بمثل الذي أخبره سالم عن أبيه عن
ج ٣ ص ٢٤٤النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولفظه: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحُليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ، فتمتَّع النَّاس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحجِّ، وكان من النَّاس من أهدى فساق معه الهدي، ومنهم من لم يُهدِ. فلمَّا قدِمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - [مكَّة] (١) قال للنَّاس: «من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحلُّ من شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى يقضي حجَّه، ومن لم يكن أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصَّفا والمروة، وليقصِّر وليحلِلْ، ثمَّ ليهلَّ بالحجِّ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله» ، وذكر باقي الحديث (٢) .
-
وقال عبد العزيز الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحجَّ ... فذكر الحديث. وفيه: قالت: فلمَّا قدمتُ مكَّة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «اجعلوها عمرةً» ، فأحلَّ النَّاس إلا من كان معه الهدي (٣) .
وقال الأعمش عن إبراهيم عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر إلا الحجَّ، فلمَّا قدِمنا أمرنا أن نحلَّ، ... وذكر الحديث (٤) .
وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نذكر إلا الحجَّ، فلمَّا جئنا سَرِفَ طمِثْتُ. قالت: فدخل عليَّ
ج ٣ ص ٢٤٥رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، قال: «ما يبكيك؟» ، قالت: فقلت: والله لوددتُ أن لا أحجَّ العامَ ... ، فذكر الحديث. وفيه: فلمَّا قدِمنا مكَّة قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اجعلوها عمرةً» ، قالت: فحلَّ النَّاس إلا من كان معه الهدي (١) .
-
وكلُّ هذه الألفاظ في «الصَّحيح» ، وهذا موافقٌ لما رواه جابر، وابن عمر، وأنس، وأبو موسى، وابن عبَّاسٍ، وأبو سعيد، وأسماء، والبراء، وحفصة، وغيرهم من أَمْره - صلى الله عليه وسلم - أصحابه كلَّهم بالإحلال إلا من ساق الهدي، وأن يجعلوا حجَّهم عمرةً. وفي اتِّفاق هؤلاء كلِّهم على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه كلَّهم أن يحلُّوا، وأن يجعلوا الذي قدِموا به متعةً إلا من ساق الهدي= دليلٌ على غلطِ هذه الرِّواية ووهمٍ وقع فيها، يبيِّن ذلك أنَّها من رواية الليث عن عُقيل عن الزُّهريِّ عن عروة، والليث نفسه هو الذي روى (٢) عن عُقيل عن الزُّهريِّ عن عروة عنها مثل ما رواه عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه في تمتُّع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأمرِه مَن لم يكن أهدى أن يحلَّ.
-
ثمَّ تأمَّلنا، فإذا أحاديث عائشة يصدِّق بعضها بعضًا، وإنَّما بعض الرُّواة زاد على بعضٍ، وبعضهم اختصر الحديث، وبعضهم اقتصر على بعضه، وبعضهم رواه بالمعنى. والحديث المذكور ليس فيه منعُ من أهلَّ بالحجِّ من الإحلال، وإنَّما فيه أمره أن يتمَّ الحجَّ. فإن كان هذا محفوظًا والمراد به بقاؤه على إحرامه، فيتعيَّن أن يكون هذا قبل الأمر بالإحلال وجَعْلِه عمرةً، ويكون هذا أمرًا زائدًا قد طرأ على الأمر بالإتمام، كما طرأ على التَّخيير بين الإفراد والتَّمتُّع والقران، ويتعيَّن هذا ولا بدَّ، وإلَّا كان هذا ناسخًا للأمر بالفسخ،
ج ٣ ص ٢٤٦والأمر بالفسخ ناسخًا للإذن في الإفراد (١) ، وهذا محالٌ قطعًا، فإنَّه بعد أن أمرهم بالحلِّ لم يأمرهم بنقضه والبقاءِ على الإحرام الأوَّل، هذا باطلٌ قطعًا، فتعيَّن إن كان محفوظًا أن يكون قبل الأمر لهم بالفسخ، لا يجوز غير هذا البتَّة، والله أعلم.
-
فصل
وأمَّا حديث أبي الأسود عن عروة عنها، وفيه: «وأمَّا من أهلَّ بحجٍّ أو جمعَ الحجَّ والعمرة، فلم يحلُّوا حتَّى كان يوم النَّحر» . وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها: «فمن كان أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ معًا، لم يحلِلْ من شيءٍ ممَّا حرم منه حتَّى يقضي مناسك الحجِّ، ومن أهلَّ بحجٍّ مفردٍ كذلك» = فحديثان قد أنكرهما الحفَّاظ، وهما أهلٌ أن يُنكَرا.
قال الأثرم (٢) : حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، عن مالك بن أنسٍ، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمنَّا من أهلَّ بالحجِّ، ومنَّا من أهلَّ بالعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ والعمرة، وأهلَّ بالحجِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمَّا من أهلَّ بالعمرة فأحَلُّوا حين طافوا بالبيت وبالصَّفا والمروة، وأمَّا من أهلَّ بالحجِّ والعمرة، فلم يحلُّوا إلى يوم النَّحر. فقال أحمد بن حنبلٍ: أيش في هذا الحديث من العجب! هذا خطأٌ. قال الأثرم: فقلت له: الزُّهريُّ عن عروة عن عائشة بخلافه؟ فقال: نعم، وهشام بن عروة.
ج ٣ ص ٢٤٧وقال الحافظ أبو محمَّد بن حزمٍ (١) : هذان حديثان منكرانِ جدًّا. قال: ولأبي الأسود في هذا النَّحو حديثٌ لا خفاءَ بنَكَرته ووَهَنِه وبطلانه، والعجب كيف جاز على من رواه؟ ثمَّ ساق من طريق البخاريِّ (٢) عنه أنَّ عبد الله مولى أسماء حدَّثه أنَّه كان يسمع أسماء بنت أبي بكر الصديق تقول كلَّما مرَّت بالحَجُون: صلَّى الله على رسوله، لقد نزلنا معه هاهنا ونحن يومئذٍ خِفافٌ، قليلٌ ظهرُنا، قليلةٌ أزوادنا، فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة والزبير وفلانٌ وفلانٌ، فلمَّا مسحنا البيتَ أحللنا، ثمَّ أهللنا من العشيِّ بالحجِّ.
قال (٣) : وهذه وَهْلةٌ لا خفاءَ بها على أحدٍ ممَّن له أقلُّ علمٍ بالحديث، لوجهين باطلين منه (٤) بلا شكٍّ:
أحدهما: قوله: «فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة» ، ولا خلافَ بين أحدٍ من أهل النَّقل في أنَّ عائشة لم تعتمر أوَّلَ دخولها مكَّة، ولذلك (٥) أعمرَها من التَّنعيم بعد تمام الحجِّ ليلةَ الحصبة، هكذا رواه جابر بن عبد اللَّه، ورواه عن عائشة الأثباتُ: كأبي الأسود (٦) ، وابن أبي مُليكة، والقاسم بن محمَّدٍ،
ج ٣ ص ٢٤٨وعروة، وطاوس، ومجاهد.
-
الموضع الثَّاني: قوله فيه: «فلمَّا مَسَحْنا البيتَ أحللنا، ثمَّ أهللنا من العشيِّ بالحجِّ» ، وهذا باطلٌ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ جابرًا وأنس بن مالكٍ وابن عبَّاس وعائشة، كلَّهم رووا أنَّ الإحلال كان يومَ دخولهم مكَّة، وأنَّ إهلالهم (١) بالحجِّ كان يوم التَّروية، وبين اليومين المذكورين ثلاثة أيَّامٍ بلا شكٍّ.
قلت: الحديث ليس بمنكرٍ ولا باطلٍ، وهو صحيحٌ، وإنَّما أُتي أبو محمد - رحمه الله - فيه من فهمه، فإنَّ أسماء أخبرتْ أنَّها اعتمرت هي وعائشة، وهكذا وقع بلا شكٍّ. وأمَّا قولها: «فلمَّا مسحنا البيتَ أحللنا» ، إخبارٌ (٢) عنها نفسها، وعمَّن لم يُصِبه عذر الحيض الذي أصاب عائشة، وهي لم تصرِّح بأنَّ عائشة مسحت البيت يوم دخولهم مكَّة، وأنَّها حلَّت ذلك اليوم. ولا ريبَ أنَّ عائشة قدِمتْ بعمرةٍ، ولم تزلْ عليها حتَّى حاضت بسَرِف، فأدخلت عليها الحجَّ، وصارت قارنةً. فإذا (٣) قيل: اعتمرت عائشة مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو قدِمَتْ بعمرةٍ، لم يكن هذا كذبًا.
-
وأمَّا قولها: «ثمَّ أهللنا من العشيِّ بالحجِّ» ، فهي لم تقل: إنَّهم أهلُّوا من عشيِّ يومِ القدوم، ليلزمَ ما قال أبو محمد، وإنَّما أرادت عشيَّ يوم التَّروية. ومثل هذا لا يحتاج في ظهوره وبيانه إلى أن يصرَّح فيه بعشيِّ ذلك اليوم بعينه؛ لعلم الخاصِّ والعامِّ به، وأنَّه ممَّا لا تذهب الأوهام إلى غيره، فردُّ
ج ٣ ص ٢٤٩أحاديث الثِّقات بمثل هذا الوهم ممَّا لا سبيلَ إليه.
قال أبو محمد (١) : وأسلمُ الوجوه للحديثين المذكورين عن عائشة ــ يعني اللَّذين (٢) أنكرهما ــ أن تُخرَّج روايتهما على أنَّ المراد بقولها: إنَّ الذين أهلُّوا بحجٍّ أو بحجٍّ وعمرةٍ، لم يحلُّوا حتَّى كان يوم النَّحر حين قَضَوا مناسك الحجِّ، إنَّما عَنَتْ بذلك من كان معه الهدي، وبهذا تنتفي النُّكرة عن هذين الحديثين، وبهذا تتآلف (٣) الأحاديث كلُّها؛ لأنَّ الزُّهريَّ عن عروة يذكر خلاف ما ذكر أبو الأسود عن عروة، والزُّهريُّ بلا شكٍّ أحفظُ من أبي الأسود (٤) ، وقد خالف يحيى بن عبد الرَّحمن عن عائشة في هذا الباب من لا يُقرَن (٥) يحيى بن عبد الرحمن إليه، لا في حفظٍ، ولا في ثقةٍ، ولا في جلالةٍ، ولا في بطانةٍ (٦) بعائشة: كالأسود بن يزيد، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ، وأبي عمرو (٧) ذكوان مولى عائشة، وعَمْرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حِجْر عائشة، وهؤلاء هم أهل الخصوصيَّة والبطانة بها، فكيف ولو لم يكونوا كذلك، لكانت روايتهم أو رواية واحدٍ منهم لو انفرد هي الواجب أن يُؤخذ بها؛ لأنَّ فيها زيادةً على رواية أبي الأسود ويحيى، وليس مَن جهِلَ أو غَفَل
ج ٣ ص ٢٥٠حجَّةً على من عَلِم وذكَر وأخبر، فكيف وقد وافق هؤلاء الجِلَّة عن عائشة؟ فسقطَ التَّعلُّق بحديث أبي الأسود ويحيى اللَّذين (١) ذكرنا.
قال (٢) : وأيضًا، فإنَّ حديثَي أبي الأسود ويحيى موقوفان غيرُ مسندين؛ لأنَّهما إنَّما ذكرا عنها فِعْلَ من فَعل ما ذكرَتْ، دون أن يذكرا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن لا يحلُّوا، ولا حجَّةَ في أحدٍ دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلو صحَّ ما ذكراه، وقد صحَّ أمر النِّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَن لا هديَ معه بالفسخ، فتمادى المأمورون بذلك ولم يحلُّوا، لكانوا عصاةً لله، وقد أعاذهم الله من ذلك وبرَّأهم منه، فثبت يقينًا أنَّ حديث أبي الأسود ويحيى إنَّما عُنِي فيه من كان معه هديٌ. وهكذا جاءت الأحاديث الصِّحاح الَّتي أوردناها (٣) بأنَّه - صلى الله عليه وسلم - أمر من معه الهدي بأن يجمع حجًّا مع العمرة، ثمَّ لا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا.
-
ثمَّ ساق (٤) من طريق مالك عن ابن شهابٍ عن عروة عنها ترفعه: «من كان معه هديٌ فليُهلِل بالحجِّ والعمرة، ثمَّ لا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» . قال: فهذا الحديث كما ترى من طريق عروة عن عائشة يبيِّن ما ذكرنا أنَّه المراد بلا شكٍّ في حديث أبي الأسود عن عروة، وحديثِ يحيى عن عائشة، وارتفع الآن الإشكالُ جملةً، والحمد لله ربِّ العالمين.
قال (٥) : وممَّا يبيِّن أنَّ في حديث أبي الأسود حذفًا قولُه فيه: «عن عروة
ج ٣ ص ٢٥١أنَّ أمَّه وخالته والزبير أقبلوا بعمرةٍ فقط، فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا». ولا خلافَ بين أحدٍ أنَّ من أقبل بعمرةٍ لا يحلُّ بمسح الرُّكن، حتَّى يسعى بين الصَّفا والمروة بعد مسح الرُّكن، فصحَّ أنَّ في الحديث حذفًا يُبيِّنه سائر الأحاديث الصِّحاح الَّتي ذكرنا، وبطل الشَّغب به جملةً، وباللَّه التَّوفيق.
-
فصل
وأمَّا ما في حديث أبي الأسود عن عروة مِن فِعل أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار وابنِ عمر، فقد أجابه ابن عبَّاسٍ فأحسن جوابَه، فنكتفي (١) بجوابه.
-
فروى الأعمش عن فُضَيل بن عمرو عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عبَّاسٍ: أراهم سيهلِكون (٢) ، أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول (٣) : قال أبو بكر وعمر (٤) .
وقال عبد الرازق (٥) : ثنا معمر، عن أيوب قال: قال عروة لابن عبَّاسٍ: ألا تتَّقي الله تُرخِّص في المتعة؟ فقال ابن عبَّاسٍ: سَلْ أمَّك يا عُريَّة! فقال عروة: أمَّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا، فقال ابن عبَّاسٍ: والله ما أراكم منتهين
ج ٣ ص ٢٥٢حتَّى يعذِّبكم الله، أحدِّثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتُحدِّثونا عن أبي بكر وعمر؟ فقال عروة: لهما أعلمُ بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتبعُ لها منك.
-
وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن أبي مُليكة: أنّ عروة بن الزُّبير قال لرجلٍ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تأمر النَّاس بالعمرة في هؤلاء (٢) العشر وليس فيها عمرةٌ؟ ! قال: أوَلا تسأل أمَّك عن ذلك؟ قال عروة: فإنَّ أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك، قال الرَّجل: من هاهنا هلكتم، ما أرى الله عزَّ وجلَّ إلا سيعذِّبكم، إنِّي أحدِّثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتُخبروني بأبي بكر وعمر! قال عروة: إنَّهما والله كانا أعلمَ بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك، فسكتَ الرَّجل.
-
ثمَّ أجاب أبو محمَّدٍ بن حزمٍ عروةَ عن قوله هذا بجوابٍ نذكره، ونذكر جوابًا أحسنَ منه لشيخنا.
قال أبو محمد (٣) : ونحن نقول لعروة: ابنُ عبَّاسٍ أعلمُ بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأبي بكر وعمر منك، وخيرٌ منك وأولى بهم ثلاثتِهم منك، لا يشكُّ في ذلك مسلم. وعائشة أم المؤمنين أعلمُ وأصدقُ منك. ثمَّ ساق من طريق الثّوريِّ عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عبد الله قال: قالت عائشة: من استُعمِل على الموسم؟ قالوا: ابن عبَّاسٍ، قالت: هو أعلمُ النَّاس بالحجِّ.
ج ٣ ص ٢٥٣قال أبو محمد (١) : مع أنَّه قد رَوى عنهما (٢) خلافَ ما قال عروة مَن هو خيرٌ من عروة وأفضلُ وأعلمُ وأصدقُ وأوثقُ. ثمَّ ساق من طريق البزّار (٣) عن الأشجّ، عن عبد الله بن إدريس الأَوديِّ، عن ليث، عن عطاء وطاوس، عن ابن عبَّاسٍ: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، وأوَّل من نهى عنه معاوية.
-
ومن طريق عبد الرزاق (٤) عن الثَّوريِّ، عن ليث، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر حتَّى مات، وعمر وعثمان كذلك، وأوَّل من نهى عنها معاوية.
قلت: حديث ابن عبَّاسٍ هذا رواه الإمام أحمد في «المسند» والتّرمذيُّ (٥) ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
-
وذكر عبد الرزاق (٦) : ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال أبيُّ بن كعبٍ وأبو موسى لعمر بن الخطَّاب: ألا تقومُ فتبيِّن للنَّاس أمرَ هذه المتعة؟ فقال عمر: وهل بقي أحدٌ إلا قد عَلِمَها! أمَّا أنا فأفعلُها.
- ج ٣ ص ٢٥٤
وذكر عليُّ بن عبد العزيز البغويُّ (١) : ثنا حجَّاج بن المِنهال، قال: ثنا حمَّاد بن سلمة، عن حمَّاد بن أبي سليمان أو حميد، عن الحسن أنَّ عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة، وقال: الكعبة غنيَّةٌ عن ذا المال، وأراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول، وأراد أن ينهى عن متعة الحجِّ، فقال أبيُّ بن كعبٍ: قد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المال، وبه وبأصحابه إليه الحاجة (٢) ، فلم يأخذه، وأنت فلا تأخذْه. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه (٣) يلبسون الثِّياب اليمانيَّة، فلم ينهَ عنها، وقد عَلِم أنَّها تُصبغ بالبول. وقد تمتَّعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينهَ عنها، ولم يُنزِل الله تعالى فيها نهيًا.
-
وقد تقدَّم قول عمر: لو اعتمرتُ في وسط السَّنة ثمَّ حججتُ لتمتَّعتُ، ولو حججتُ خمسين حجَّةً لتمتَّعتُ. رواه حمَّاد بن سلمة، عن قيس، عن طاوسٍ، عنه (٤) . وشعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن طاوس، عن ابن عبَّاسٍ، عنه: لو اعتمرتُ في سنةٍ مرَّتين ثمَّ حججتُ، لجعلتُ مع حجَّتي عمرةً (٥) . والثَّوريُّ، عن سلمة بن كُهيلٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عنه: لو اعتمرتُ ثمَّ اعتمرتُ ثمَّ حججتُ لتمتَّعتُ (٦) . وابنُ عيينة، عن هشام بن حُجَير وليث، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ قال: هذا الذي يزعمون أنَّه نهى عن المتعة ــ يعني
ج ٣ ص ٢٥٥عمر ــ سمعتُه يقول: لو اعتمرتُ ثمَّ حججتُ لتمتَّعتُ. قال ابن عبَّاسٍ: كذا وكذا مرَّةً، ما تمَّتْ حجَّة رجلٍ قطُّ إلا بمتعةٍ (١) .
-
وأمَّا الجواب الذي ذكره شيخنا (٢) ، فهو أنَّ عمر - رضي الله عنه - لم ينهَ عن المتعة البتَّة، وإنَّما قال: إنَّ أتمَّ لحجِّكم وعمرتِكم أن تَفصِلوا بينهما، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كلِّ واحدٍ (٣) منهما بسفرٍ يُنشِئه له من بلده، وهذا أفضل من القران والتّمتِّع الخاصِّ بدون سفرةٍ أخرى، وقد نصَّ على ذلك أحمد وأبو حنيفة ومالك والشَّافعيُّ وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكرٍ وعمر، وكان عمر يختاره للنَّاس، وكذلك علي.
وقال عمر وعلي في قوله تعالى: { (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] قالا: إتمامهما أن تُحرِم بهما من دُوَيرة أهلك (٤) ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في عمرتها: «أجرُكِ على قدر نَصَبِك» (٥) ، فإذا رجع الحاجُّ إلى دُوَيرة أهله، فأنشأ منها العمرة، واعتمر قبل أشهُرِ الحجِّ وأقام حتَّى يحجَّ، أو اعتمر في أشهُرِه ورجعَ إلى أهله ثمَّ حجَّ، فهنا قد أتى بكلِّ واحدٍ من النُّسكين من دُوَيرة أهله، وهذا إتيانٌ بهما على الكمال، فهو أفضل من غيره.
ج ٣ ص ٢٥٦قلت: فهذا الذي اختاره عمر للنَّاس، فظنَّ من غلِطَ منهم أنَّه نهى عن المتعة، ثمَّ منهم من حمل نهيه على متعة الفسخ، ومنهم من حمله على ترك الأَولى ترجيحًا للإفراد عليه، ومنهم من عارض روايات النَّهي عنه بروايات الاستحباب وقد ذكرناها، ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر، كما عنه روايتان في غيرها من المسائل، ومنهم من جعل النَّهي قولًا قديمًا رجع عنه أخيرًا (١) ، كما سلك أبو محمَّدٍ بن حزمٍ. ومنهم من يَعُدُّ النَّهي رأيًا رآه من عنده لكراهته أن يظلَّ الحاجُّ مُعرِسين بنسائهم في ظلِّ الأَراك، كما قال أبو حنيفة عن حماد، عن إبراهيم النَّخعيِّ، عن الأسود بن يزيد قال: بينا أنا واقفٌ مع (٢) عمر بن الخطَّاب بعرفة عشيَّةَ عرفةَ، فإذا هو برجلٍ مُرجَّلٍ شَعرُه يفوح منه ريح الطِّيب، فقال له عمر: أمحرِمٌ أنت؟ قال نعم، قال عمر: ما هيئتُك بهيئة محرمٍ، إنَّما المحرم الأشعثُ الأغبر الأذفر، قال: إنِّي قدمت متمتِّعًا، وكان معي أهلي، وإنَّما أحرمتُ اليومَ. فقال عمر عند ذلك: لا تتمتَّعوا في هذه الأيَّام، فإنِّي لو رخَّصتُ في المتعة لهم لعرَّسوا بهنَّ في الأَراك، ثمَّ راحوا (٣) بهنَّ حُجَّاجًا (٤) . وهذا يبيِّن أنَّ هذا من عمر رأيٌ (٥) رآه.
قال ابن حزمٍ (٦) : وكان ماذا؟ وحبَّذا ذاك! قد طاف النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على نسائه،
ج ٣ ص ٢٥٧ثمَّ أصبح محرمًا، ولا خلاف أنَّ الوطء مباحٌ قبل الإحرام بطَرْفةِ عينٍ.
-
فصل
وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أُخريين، نذكرهما ونبيِّن فسادهما:
الطَّريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصَّحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ، فالاحتياط يقتضي المنعَ منه، صيانةً للعبادة عمَّا لا يجوز فيها عند كثيرٍ من أهل العلم بل أكثرهم.
-
والطَّريقة الثَّانية: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالفسخ ليبيِّن لهم جواز العمرة في أشهر الحجِّ؛ لأنَّ الجاهليَّة (١) كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحجِّ، ويقولون: «إذا بَرأ الدَّبَر، وعفا الأَثر، وانسلخ صَفَر، فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر» ، فأمرهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالفسخ (٢) ؛ ليبيِّن لهم جواز العمرة في أشهر الحجِّ.
- وهاتان الطَّريقتان باطلتان:
-
أمَّا الأولى فإن الاحتياط إنَّما يُشرع إذا لم تتبيِّن السُّنَّة، فإذا تبيَّنتْ فالاحتياط هو اتِّباعها وتركُ ما خالفها; فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطًا، فتركُ ما خالفها واتِّباعها أحوطُ وأحوط، فالاحتياط نوعان: احتياطٌ للخروج من خلاف (٣) العلماء، واحتياطٌ للخروج من خلاف السُّنَّة، ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر.
- ج ٣ ص ٢٥٨
وأيضًا فإنَّ الاحتياط ممتنعٌ هنا، فإنَّ للنَّاس في الفسخ ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنَّه محرَّم.
-
الثَّاني: أنَّه واجب، وهو قول جماعةٍ من السَّلف والخلف.
-
الثَّالث: أنَّه مستحب.
-
فليس الاحتياط بالخروج من خلافِ مَن حرَّمه أولى بالاحتياط من الخروج من خلافِ مَن أوجبه، وإذا تعذَّر الاحتياط بالخروج من الخلاف تعيَّن الاحتياط بالخروج من خلاف السنَّة.
-
فصل
وأمَّا الطَّريقة الثَّانية فأظهرُ بطلانًا من وجوهٍ عديدةٍ (١) .
-
أحدها: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمر قبل ذلك عُمَرَه الثَّلاث في أشهر الحجِّ في ذي القعدة، كما تقدَّم ذلك، وهو أوسط أشهر الحجِّ. فكيف يُظنُّ أنَّ الصَّحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ إلا بعد أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد تقدَّم فعلُه لذلك ثلاث مرَّاتٍ؟
-
الثَّاني: أنَّه قد ثبت في «الصَّحيحين» (٢) أنَّه قال لهم عند الميقات: «من شاء أن يُهلَّ بعمرةٍ فليفعلْ، ومن شاء أن يُهلَّ بحجَّةٍ فليفعلْ، ومن شاء أن يُهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ فليفعلْ» ، فبيَّن لهم جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ عند الميقات، وعامَّة المسلمين معه، فكيف لم يعلموا جوازها (٣) إلا بالفسخ؟
- ج ٣ ص ٢٥٩
ولعَمْرُ الله إن لم يكونوا يعلمون جوازها بذلك فهم أجدرُ أن لا يعلموا جوازها بالفسخ.
-
الثَّالث: أنَّه أمرَ من لم يَسُقِ الهدي أن يتحلَّل، وأمر من ساق الهدي أن يتمّ (١) على إحرامه حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، ففرَّق بين مُحرمٍ ومُحرمٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ سَوق الهدي هو المانع من التَّحلُّل، لا مجرَّد الإحرام الأوَّل، والعلَّة الَّتي ذكروها لا تختصُّ بمحرمٍ دون محرمٍ، فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جعل التَّأثير في الحلِّ وعدمه للهدي وجودًا وعدمًا، لا (٢) لغيره.
-
الرَّابع: أن يقال: إذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قصدَ مخالفة المشركين، كان هذا دليلًا على أنَّ الفسخ أفضل لهذه العلَّة؛ فإنه إذا كان إنَّما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين، كان هذا يقتضي أن يكون الفسخ مشروعًا (٣) إلى يوم القيامة، إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا، فإنَّ ما فعله النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وشرعه لأمَّته في المناسك مخالفةً لهدي المشركين هو مشروعٌ إلى يوم القيامة، إمَّا وجوبًا أو استحبابًا، فإنَّ المشركين كانوا يُفِيضون من عرفة قبل غروب الشَّمس، وكانوا لا يُفيضون من مزدلفة حتَّى تطلع الشَّمس، وكانوا يقولون: «أَشرِقْ ثَبِيرُ كيما نُغِير» فخالفهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (٤) ، وقال: «خالفَ هَدْيُنا هديَ المشركين» (٥) ، فلم
ج ٣ ص ٢٦٠يُفِضْ (١) من عرفة حتَّى غَرَبتِ الشَّمس.
-
وهذه المخالفة إمَّا ركنٌ كقول مالك، وإمَّا واجبٌ يَجبُره دمٌ، كقول أحمد وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أحد القولين، وإمَّا سنَّةٌ كالقول الآخر له. والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس سنَّةٌ باتِّفاق المسلمين.
-
وكذلك قريشٌ كانت لا تقف بعرفة، بل تُفِيض من جَمْعٍ، فخالفهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ووقف بعرفاتٍ، وأفاض منها، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: ١٩٩] ، وهذه المخالفة من أركان الحجِّ باتِّفاق المسلمين.