فصل: عود إلى سياق حجته - صلى الله عليه وسلم -

٤٢ فقرة، ج ٣ ص ٢٧٢

الصفحة ١ من ٢

  1. الفاسخ فإنَّه لم ينقُص ممَّا التزمه، بل نقل نُسكَه إلى ما هو أكمل منه وأفضلُ وأكثرُ واجباتٍ، فبطل القياس على كلِّ تقديرٍ، وللَّه الحمد.

    ج ٣ ص ٢٧٢
  2. فصل

    عُدنا إلى سياق حجَّته - صلى الله عليه وسلم -. ثمَّ نهضَ - صلى الله عليه وسلم - إلى أن نزل بذي طوًى، وهي المعروفة اليومَ (١) بآبار الزَّاهر، فبات بها ليلةَ الأحد لأربعٍ (٢) خلون من ذي الحجَّة، وصلَّى بها الصُّبح، ثمَّ اغتسل من يومه، ونهضَ إلى مكَّة، فدخلها نهارًا من أعلاها من الثنيَّة العليا الَّتي تُشرِف على الحجون، وكان في العمرة يدخل من أسفلها، وفي الحجَّ دخل من أعلاها وخرج من أسفلها (٣) ، ثمَّ سار حتَّى دخل المسجد وذلك ضحًى.

  3. وذكر الطبرانيُّ (٤) أنَّه دخله من باب بني عبد منافٍ، الذي يسمِّيه النَّاس اليوم باب بني شَيبة.

  4. وذكر الإمام أحمد (٥) أنَّه كان إذا دخل مكانًا من دار يعلى استقبلَ البيتَ فدعا.

  5. وذكر الطبرانيُّ (١) أنَّه كان إذا نظر إلى البيت قال: «اللَّهمَّ زِدْ بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً» . ورُوِي عنه أنَّه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبِّر، ويقول: «اللَّهمَّ أنت السَّلام، ومنك السَّلام، فحيِّنا (٢) ربَّنا بالسَّلام» (٣) . «اللَّهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً، وزِدْ مَن حجَّه أو اعتمَره تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًّا» (٤) ، وهو مرسلٌ، ولكن سمع هذا سعيد بن المسيِّب من عمر بن الخطَّاب يقوله.

    ج ٣ ص ٢٧٣
  6. فلمَّا دخل المسجد عَمَدَ إلى البيت، ولم يركع تحيَّة المسجد، فإنَّ تحيَّة المسجد الحرام الطَّواف، فلمَّا حاذى الحجر الأسود استلمه، ولم يزاحِمْ عليه، ولم يتقدَّم عنه إلى جهة الرُّكن اليمانيِّ، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويتُ بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتَّكبير كما يكبّر للصلاة (٥) ، كما

    ج ٣ ص ٢٧٤يفعله من لا علمَ عنده، بل هو من البدع المنكرات، ولا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه ثمَّ انفتلَ عنه وجعله على شِقِّه، بل استقبله واستلمه، ثمَّ أخذ على يمينه وجعل البيت عن يساره، ولم يدعُ عند الباب بدعاءٍ، ولا تحتَ الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقَّت للطَّواف ذكرًا معيَّنًا، لا بفعله ولا بتعليمه، بل حُفِظ عنه بين الرُّكنين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: ٢٠١] (١) .

  7. ورملَ في طوافه هذا الثَّلاثةَ الأشواط الأول، وكان يُسرِع مَشيَه، ويقارب بين خُطاه، واضطبع بردائه، فجعله على إحدى كتفيه (٢) ، وأبدى كتفَه الأخرى ومنكبه، وكلَّما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بمِحْجَنه، وقبَّل المِحْجَن. والمِحْجَن: عصا مَحنيَّة الرَّأس. وثبت عنه أنَّه استلم الرُّكن اليمانيَّ، ولم يثبت عنه أنَّه قبَّله، ولا قبَّل يده عند استلامه. وقد روى الدارقطنيُّ (٣) عن ابن عباسٍ: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقبِّل الرُّكن اليمانيَّ، ويضعُ خدَّه عليه. وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، قال الإمام أحمد: صالح الحديث (٤) ، وضعَّفه غيره.

  8. ولكنَّ المراد بالرُّكن اليمانيِّ هاهنا الحجر الأسود، فإنَّه يسمَّى اليمانيَّ،

    ج ٣ ص ٢٧٥مع الرُّكن الآخر يقال لهما: اليمانيين (١) ، ويقال له مع الرُّكن الذي يلي الحجر من ناحية الباب: العراقيين؛ ويقال للرُّكنين اللَّذين يليان الحجر: الشاميين. ويقال للرُّكن اليمانيِّ والَّذي يلي الحجر من ظهر الكعبة: الغربيين. ولكن ثبت عنه أنَّه قبَّل الحجر الأسود، وثبت عنه أنَّه استلمه بيده فوضع يده عليه ثمَّ قبَّلها، وثبت عنه أنَّه استلمه (٢) بمِحْجنٍ. فهذه ثلاث صفاتٍ، وروي عنه أنَّه وضعَ شفتيه عليه طويلًا يبكي (٣) .

  9. وذكر الطَّبرانيُّ (٤) عنه بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه كان إذا استلم الرُّكن قال: بسم الله والله أكبر.

  10. وكان كلَّما أتى على الحجر الأسود قال: الله أكبر (٥) .

  11. وذكر أبو داود الطيالسيُّ (٦) وأبو عاصمٍ النَّبيل عن جعفر بن عبد الله بن

    ج ٣ ص ٢٧٦عثمان قال: رأيت محمَّد بن عبَّاد بن جعفرٍ قبَّل الحجر وسجد عليه، ثمَّ قال: رأيت ابن عبَّاسٍ يقبِّله ويسجد عليه، وقال ابن عبَّاسٍ: رأيت عمر بن الخطَّاب قبَّله وسجد عليه، ثمَّ قال: رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل هكذا ففعلتُ.

  12. وروى البيهقي (١) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه قبَّل الرُّكن ثمَّ سجد عليه، ثمَّ قبَّله ثمَّ سجد عليه، ثلاث مرَّاتٍ.

  13. وذكر (٢) أيضًا عنه قال: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سجد على الحجر.

  14. ولم يستلم - صلى الله عليه وسلم - ولم يمسَّ من الأركان إلا اليمانيَّين فقط، قال الشافعيُّ (٣) : ولم يَدَعْ أحدٌ استلامَهما هجرةً لبيت اللَّه، ولكن استلم ما استلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمسك عمَّا أمسك عنه.

  15. فصل

    فلمَّا فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ: {وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥] ، فصلَّى ركعتين والمقامُ بينه وبين البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتي الإخلاص، وقراءتُه الآيةَ المذكورة بيانٌ منه لتفسير القرآن ومرادِ الله منه بفعله - صلى الله عليه وسلم -. فلمَّا فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثمَّ خرج إلى الصَّفا من الباب الذي يقابله، فلمَّا دنا (٤) منه قرأ:

    ج ٣ ص ٢٧٧« {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] ، أَبدأُ بما بدأ الله به» (١) . وفي رواية للنسائيِّ (٢) : «ابدَؤوا» على الأمر. ثمَّ رَقِيَ عليه حتَّى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبَّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك (٣) وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعدَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزاب وحدَه». ثمَّ دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرَّاتٍ.

  16. وقام (٤) ابن مسعودٍ على الصَّدع، وهو الشَّقُّ الذي في الصَّفا، فقيل له: هاهنا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا والَّذي لا إله غيره مقامُ الذي أُنزِلت عليه سورة البقرة. ذكره البيهقي (٥) .

  17. ثمَّ نزل إلى المروة يمشي، فلمَّا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعى، حتَّى إذا جاوز الواديَ وأصعدَ مشى، هذا الذي صحَّ عنه، وذلك اليومَ قبل الميلين الأخضرين في أوَّل المسعى وآخره (٦) . والظَّاهر أنَّ الوادي لم يتغيَّر

    ج ٣ ص ٢٧٨عن وضعه، هكذا قال جابر عنه في «صحيح مسلم» (١) . وظاهر هذا: أنَّه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصَّفا والمروة؛ ليراه النَّاس، وليُشْرِف (٣) . ولم يطفْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا.

    قال ابن حزمٍ (٤) : لا تعارُضَ بينهما ; لأنَّ الرَّاكب إذا انصبَّتْ (٥) به بعيرُه فقد انصبَّ كلُّه، وانصبَّت قدماه أيضًا مع سائر جسده.

  18. وعندي في الجمع بينهما وجهٌ أحسنُ من هذا، وهو أنَّه سعى ماشيًا أوَّلًا، ثمَّ أتمَّ سعيه راكبًا، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به، ففي «صحيح مسلم» (٦) عن أبي الطُّفيل قال: قلت لابن عبَّاسٍ: أخبِرْني عن الطَّواف بين الصَّفا والمروة راكبًا، أسنَّةٌ هو؟ فإنَّ قومك يزعمون أنَّه سنَّةٌ، قال: صدقوا وكذبوا، قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثُر عليه النَّاس، يقولون هذا محمَّدٌ، حتى خرج العواتقُ من البيوت، قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُضْرَب النَّاسُ بين يديه. قال: فلمَّا كثُر عليه ركب، والمشيُ (٧) أفضل.

  19. فصل

    وأمَّا طوافه بالبيت عند قدومه، فاختُلِف فيه: هل كان على قدمَيه أو كان راكبًا؟

    ج ٣ ص ٢٧٩
  20. ففي «صحيح مسلم» (١) عن عائشة قالت: طاف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الرُّكن، كراهيةَ أن يُضْرَب عنه النَّاس.

  21. وفي «سنن أبي داود» (٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: قدِمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مكَّة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، كلَّما أتى الرُّكنَ استلم الركنَ (٣) بمِحْجَنٍ، فلمَّا فرغ من طوافه أناخ فصلَّى ركعتين.

    وقال أبو الطفيل: رأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يطوف حول البيت على بعيرٍ يستلم الحجرَ بمِحْجنه (٤) ثمَّ يقبِّله. رواه مسلم (٥) دون ذكر البعير، وهو عند البيهقي (٦) بإسناد مسلم بذكر البعير، وهذا ــ والله أعلم ــ في طواف الإفاضة لا في طواف القدوم، فإنَّ جابرًا حكى عنه الرَّمل في الثَّلاثة الأول وذلك لا يكون إلا مع المشي.

    ج ٣ ص ٢٨٠قال الشَّافعيُّ (١) - رحمه الله -: أمَّا سَبْعُه (٢) الذي طافه لمقدَمِه فعلى قدميه؛ لأنَّ جابرًا المحكيّ (٣) عنه فيه (٤) : أنَّه رملَ ثلاثة أشواطٍ ومشى أربعةً، فلا يجوز أن يكون جابر يحكي عنه الطَّواف ماشيًا وراكبًا في سَبْعٍ (٥) واحدٍ، وقد حُفِظ أنَّ سبعه (٦) الذي ركب فيه (٧) في طوافه يوم النَّحر.

  22. ثمَّ ذكر الشَّافعيُّ (٨) عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنَّ (٩) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يُهَجِّروا بالإفاضة، وأفاض في نسائه ليلًا على راحلته يستلم الرُّكن بمِحْجَنه، أحسبه قال: ويُقبِّل طرفَ المِحْجن.

    قلت: هذا مع أنَّه مرسلٌ، فهو خلاف ما رواه جابر في «الصَّحيح» (١٠) عنه أنَّه طاف طواف الإفاضة يوم النَّحر نهارًا، وكذلك روت عائشة وابن عمر، كما سيأتي.

  23. وقول ابن عبَّاسٍ: «إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قدِمَ مكَّة وهو يشتكي، فطاف على

    ج ٣ ص ٢٨١راحلته، كلَّما أتى الرُّكَن استلمه»، هذا إن كان محفوظًا فهو في إحدى عُمَره، وإلَّا فقد صحَّ عنه الرَّمل في الثَّلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن نقول (١) كما قال ابن حزمٍ في السَّعي (٢) : إنَّه رملَ على بعيره، فإنَّ من رملَ به (٣) بعيرُه فقد رمل، لكن ليس في شيءٍ من الأحاديث أنَّه كان راكبًا في طواف القدوم. والله أعلم.

  24. فصل

    قال ابن حزمٍ (٤) : فطاف بين الصَّفا والمروة أيضًا سبعًا راكبًا على بعيره، يَخُبُّ ثلاثًا ويمشي أربعًا.

  25. وهذا من أوهامه وغلطه - رحمه الله -، فإنَّ أحدًا لم يقل هذا قطُّ غيره، ولا رواه أحدٌ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - البتَّة. وهذا إنَّما هو في الطَّواف بالبيت، فغلِطَ أبو محمد ونقله إلى الطَّواف بين الصَّفا والمروة.

  26. وأعجب من ذلك استدلاله عليه بما رواه من طريق البخاريِّ (٥) عن ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف حين قدم مكَّة، واستلم الرُّكن أوَّلَ شيءٍ، ثمَّ خبَّ ثلاثة أطوافٍ، ومشى أربعًا، فركع حين قضى طوافه بالبيت (٦) عند المقام ركعتين، ثمَّ سلَّم وانصرف، فأتى الصَّفا، فطاف بالصَّفا والمروة سبعة

    ج ٣ ص ٢٨٢أشواطٍ ... وذكر باقي الحديث. قال (١) : ولم نجد عدد الرَّمل بين الصَّفا والمروة منصوصًا، ولكنَّه متَّفقٌ عليه. هذا لفظه.

    قلت: المتَّفق عليه السَّعي في بطن الوادي في الأشواط كلِّها، وأمَّا الرَّمل في الثَّلاثة الأول خاصَّةً، فلم يقلْه ولا نقلَه فيما نعلم غيرُه. وسألت شيخنا عنه، فقال: هذا من أغلاطه، وهو لم يحجَّ - رحمه الله -.

  27. ويُشبِه هذا الغلطَ غلطُ من قال (٢) إنَّه سعى أربع عشرة مرَّةً، فكان يحتسب (٣) بذهابه ورجوعه مرَّةً واحدةً. وهذا غلطٌ عليه - صلى الله عليه وسلم -، لم ينقله عنه (٤) أحد، ولا قاله أحدٌ من الأئمَّة الذين اشتهرت (٥) أقوالهم، وإن ذهب إليه بعض المتأخِّرين من المنتسبين إلى الأئمَّة (٦) .

  28. وممَّا يبيِّن بطلان هذا القول أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لا خلافَ عنه أنَّه ختمَ سعيه بالمروة، ولو كان الذَّهاب والرُّجوع مرَّةً واحدةً لكان ختمه إنَّما يقع على الصَّفا.

  29. وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا وصل إلى المروة رَقِيَ عليها، واستقبل البيت، وكبَّر اللَّه ووحَّده، وفعل كما فعل على الصَّفا، فلمَّا أكمل سعيه عند المروة أمر كلَّ من لا هديَ معه أن يحلَّ حتمًا ولا بدَّ، قارنًا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يحلُّوا الحلَّ كلَّه: من وطء النِّساء، والطِّيب، والمَخِيط (١) ، وأن يبقَوا كذلك إلى يوم التَّروية، ولم يحلَّ هو من أجل هديه، وهناك قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتُها عمرةً» .

    ج ٣ ص ٢٨٣
  30. وقد روي أنَّه أحلَّ هو أيضًا، وهو غلطٌ قطعًا، قد بيَّنَّاه فيما تقدَّم.

  31. وهناك دعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصِّرين مرَّةً (٢) ، وهناك سأله سُراقة بن مالك بن جُعْشُم عقيبَ أمره لهم بالفسخ والإحلال: هل ذلك لعامهم خاصَّةً أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد» . ولم يحلَّ أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدي. وأمَّا نساؤه - صلى الله عليه وسلم - فأحللن، وكنَّ قارناتٍ، إلا عائشة فإنَّها لم تحلَّ من أجل تعذُّر الحلِّ عليها (٣) بحيضها (٤) . وفاطمة حلَّت؛ لأنَّها لم يكن معها هديٌ، وعلي لم يحلَّ من أجل هديه. وأمرَ مَن أهلَّ بإهلالٍ كإهلاله - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم على إحرامه إن كان معه هديٌ، وأن يحلَّ إن لم يكن معه هديٌ.

  32. وكان يصلِّي مدَّةَ مُقامِه (٥) إلى يوم التَّروية بمنزلهِ الذي هو نازلٌ فيه

    ج ٣ ص ٢٨٤بالمسلمين بظاهر مكَّة، فأقام (١) أربعة أيَّامٍ يقصُر الصَّلاة يوم الأحد والاثنين والثُّلاثاء والأربعاء، فلمَّا كان يوم الخميس ضحًى توجَّه بمن معه من المسلمين إلى منًى، فأحرم بالحجِّ من كان أحلَّ منهم من رحالهم ولم يدخلوا إلى المسجد، فأحرموا منه، بل أحرموا ومكَّة خلفَ ظهورهم، فلمَّا وصل إلى منًى فنزلَ (٢) بها، وصلَّى بها الظُّهر والعصر، وبات بها، وكان ليلة الجمعة، فلمَّا طلعت الشَّمس سار منها إلى عرفة، وأخذ على طريق ضَبٍّ على يمين طريقِ النَّاس اليوم، وكان من الصحابة الملبِّي، ومنهم المكبِّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء (٣) . فوجد القبَّة قد ضُرِبت له بنَمِرةَ بأمره (٤) ، وهي قريةٌ شرقيَّ عرفاتٍ (٥) ، وهي خرابٌ اليومَ، فنزل فيها، حتَّى إذا زالت الشَّمس أمر بناقته القصواء فرُحِلتْ، ثمَّ سار (٦) حتَّى أتى بطنَ الوادي من أرض عُرَنَة، فخطب النَّاسَ وهو على راحلته خطبةً عظيمةً، قرَّر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشِّرك والجاهليَّة، وقرَّر فيها تحريم المحرَّمات الَّتي اتِّفقت الملل على تحريمها، وهي الدِّماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهليَّة تحت قدميه (٧) ،

    ووضع فيها ربا الجاهليَّة كلَّه وأبطله، وأوصاهم

    ج ٣ ص ٢٨٥بالنِّساء خيرًا، وذكر الحقَّ الذي لهنَّ وعليهنَّ، وأنَّ الواجب لهنَّ الرِّزق والكسوة بالمعروف، ولم يقدِّر ذلك بتقديرٍ (١) ، وأباح للأزواج ضَرْبهنَّ إذا أدخلن إلى بيوتهنَّ من يكرهه أزواجهنَّ، وأوصى الأمَّة فيها بالاعتصام بكتاب اللَّه، وأخبر أنَّهم لن يضلُّوا ما داموا معتصمين به (٢) ، ثمَّ أخبرهم أنَّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم: ماذا يقولون، وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ، فرفع إصبعه إلى السَّماء، واستشهد الله عليهم ثلاث مرَّاتٍ، وأمرهم (٣) أن يبلِّغ شاهدُهم غائبَهم (٤) .

    قال ابن حزمٍ (٥) : فأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية ــ وهي أمُّ عبد الله بن عبَّاسٍ ــ بقَدَح لبنٍ، فشربه أمام النَّاس وهو على بعيره، فلمَّا أتمَّ الخطبة أمر بلالًا فأقام الصَّلاة.

  33. وهذا من وهمه - رحمه الله -، فإنَّ قصَّة شُربه (٦) إنَّما كانت بعد هذا، حين سار إلى عرفة ووقفَ بها، هكذا جاء في «الصَّحيحين» (٧) مصرَّحًا به عن ميمونة: أنَّ النَّاس شكُّوا في صيام النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ عرفة، فأرسلتْ إليه بحِلابٍ وهو واقفٌ في الموقف، فشرِب منه والنَّاس ينظرون. وفي لفظٍ: وهو واقفٌ بعرفة.

  34. وموضع خطبته لم يكن من الموقف، فإنَّه خطب بعُرَنَة (١) ، وليست من الموقف، وهو - صلى الله عليه وسلم - نزل بنَمِرَة، وخطب بعُرَنَة، ووقف بعرفة، وخطب خطبةً واحدةً، لم تكن خطبتين جلس بينهما، فلمَّا أتمَّها أمر بلالًا فأذَّن، ثمَّ أقام (٢) ، فصلَّى الظُّهر ركعتين أسرَّ فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة. فدلَّ على أنَّ المسافر لا يصلِّي جمعةً، ثمَّ أقام فصلَّى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكَّة، وصلَّوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريبٍ، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع. ومن قال: إنَّه قال لهم: «أتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» فقد غلِطَ عليه (٣) غلطًا بيِّنًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنَّما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكَّة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين (٤) .

    ج ٣ ص ٢٨٦
  35. ولهذا كان أصحُّ أقوال العلماء: إنَّ أهل مكَّة يقصُرون ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا أوضحُ دليلٍ على أنَّ سفر القصر لا يتحدَّد بمسافةٍ معلومةٍ، ولا بأيَّامٍ (٥) ، ولا تأثيرَ للنُّسك في قصر الصَّلاة البتَّةَ، وإنَّما التَّأثير لما جعله الله سببًا وهو السَّفر. هذا مقتضى السُّنَّة، ولا وجهَ لما ذهب إليه المحدِّدون.

  36. فلمَّا فرغ من صلاته ركب حتَّى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند

    ج ٣ ص ٢٨٧الصَّخَرات، واستقبل القبلة، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه، وكان على بعيره، فأخذ في الدُّعاء والتَّضرُّع والابتهال إلى غروب الشَّمس، وأمر النَّاس أن يرفعوا عن بطن عُرَنَة (١) ، وأخبر أنَّ عرفة لا تختصُّ بموقفه ذلك، بل قال: «وقفتُ هاهنا، وعرفة كلُّها موقفٌ» (٢) .

  37. وأرسل إلى النَّاس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنَّها من إرث أبيهم (٣) إبراهيم (٤) . وهنالك أقبل ناسٌ من أهل نجدٍ، فسألوه عن الحجِّ، فقال: «الحجُّ يوم عرفة (٥) ، من أدرك قبل صلاة الصُّبح فقد أدرك الحج (٦) ، أيَّامُ منًى ثلاثة أيام التشريق (٧) ، فمن تعجَّل في يومين فلا إثمَ عليه، ومن تأخَّر فلا إثمَ عليه» (٨) .

  38. وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين، وأخبرهم أنَّ خير الدُّعاء دعاء يوم عرفة (١) .

    ج ٣ ص ٢٨٨
  39. وذُكر من دعائه - صلى الله عليه وسلم - في الموقف: «اللهمَّ لك الحمد كالَّذي نقول (٢) ، وخيرًا ممَّا نقول، اللهمَّ لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربِّ (٣) تُراثي، اللّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصَّدر، وشَتاتِ الأمر، اللّهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ ما تجيء به الرِّيح». ذكره الترمذي (٤) .

  40. وممَّا ذُكر من دعائه هناك: «اللَّهمَّ إنك (٥) تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرِّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجِلُ المشفق، المقرُّ المعترف بذنوبه (٦) ، أسألك

    ج ٣ ص ٢٨٩مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ المذنب الذَّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضَّرير، مَن خَضَعتْ لك رقبته، وفاضتْ لك عيناه، وذلَّ جسده، ورغِمَ أنفُه لك، اللّهمَّ لا تجعلْني بدعائك (١) شقيًّا، وكُنْ بي رؤوفًا رحيمًا، يا خيرَ المسؤولين، ويا خيرَ المُعطِين». ذكره الطَّبرانيُّ (٢) .