- بحث في تكفين من مات وهو محرم، وما في الحديث الوارد فيه من الأحكام

٣٢ فقرة، ج ٣ ص ٢٩٠

  1. نورًا، وفي بصري نورًا. اللهمَّ اشرحْ لي صدري، ويَسِّرْ لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصَّدر، وشَتاتِ الأمر، وفتنة القبر. اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ ما يَلِجُ في اللَّيل، وشرِّ ما يَلِجُ في النَّهار، وشرِّ ما تَهُبُّ به الرِّياح، ومن (١) شرِّ بَوائقِ الدَّهر».

    ج ٣ ص ٢٩٠
  2. وأسانيد هذه الأدعية فيها لينٌ.

  3. وهناك أنزلت عليه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣] (٢) .

  4. وهناك سقط رجلٌ من المسلمين عن راحلته وهو مُحرِمٌ، فمات، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُكفَّن في ثوبيه، ولا يُمَسَّ بطيبٍ، وأن يُغْسَل بماءٍ وسدرٍ، ولا يغطَّى رأسه ولا وجهه، وأخبر أنَّ الله يبعثه يوم القيامة يلبِّي (٣) .

  5. وفي هذه القصَّة اثنا عشر حكمًا (٤) :

    الحكم الأوَّل: وجوب غَسْل الميِّت، لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به.

  6. الحكم الثَّاني: أنَّه لا يَنجُس بالموت؛ لأنَّه لو نجس (٥) لم يزِدْه غسلُه إلا نجاسةً؛ لأنَّ نجاسة الموت للحيوان عينيَّةٌ، فإن ساعد المنجِّسون على أنَّه

    ج ٣ ص ٢٩١يطهر بالغسل بطلَ أن يكون نجسًا بالموت، وإن قالوا: لا يطهر، لم يَزِدِ الغسلُ أكفانَه وثيابه وغاسلَه إلا نجاسةً.

  7. الحكم الثَّالث: أنَّ المشروع في حقِّ الميِّت أن يُغْسَل بماءٍ وسدرٍ، لا يُقتَصر به على الماء وحده، وقد أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالسِّدر في ثلاث (١) مواضع هذا أحدها، والثَّاني: في غَسْل ابنته بالماء والسِّدر (٢) ، والثَّالث: في (٣) غسل الحائض (٤) . وفي وجوب السِّدر في حقِّ الحائض قولان في مذهب أحمد.

  8. الحكم الرَّابع: أنَّ تغيُّر الماء بالطَّاهرات لا يسلبه طهوريَّتَه، كما هو مذهب الجمهور، وهو أنصُّ الرِّوايتين عن أحمد، وإن كان المتأخِّرون من أصحابه على خلافها. ولم يأمر بغَسْله بعد ذلك بماءٍ قَراحٍ، بل أمر في غَسْل ابنته أن تجعل (٥) في الغَسْلة الأخيرة شيئًا من الكافور، ولو سلبه الطَّهوريَّة لنهى عنه. وليس القصد مجرَّد اكتساب الماء من رائحته حتَّى يكون تغيُّر مجاورةٍ، بل تطييب البدن وتصليبه وتقويته، وهذا إنَّما (٦) يحصل بكافورٍ مخالطٍ لا مجاورٍ.

  9. الحكم الخامس: إباحة الغسل للمحرِم، وقد تناظر في هذا عبد الله بن

    ج ٣ ص ٢٩٢عبَّاسٍ والمِسْور بن مَخْرمة، ففَصَلَ بينهما أبو أيُّوب الأنصاريُّ بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل وهو محرِمٌ (١) . واتَّفقوا على أنَّه يغتسل من الجنابة، ولكن كره مالك أن يغيِّب رأسه في الماء؛ لأنَّه نوع سَتْرٍ له، والصَّحيح أنَّه لا بأس به، فقد فعله عمر بن الخطَّاب وابن عبَّاسٍ (٢) .

  10. الحكم السَّادس: أنَّ المحرم غير ممنوعٍ من الماء والسِّدر. وقد اختُلِف في ذلك، فأباحه الشَّافعيُّ وأحمد في أظهر الرِّوايتين عنه، ومنع منه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل افتدى (٣) . وقال صاحبا أبي حنيفة: إن فعلَ فعليه صدقةٌ.

  11. وللمانعين ثلاث عللٍ:
  12. إحداها: أنَّه يقتل الهوامَّ من رأسه، وهو ممنوعٌ من التَّفلِّي.

  13. الثَّانية: أنَّه ترفُّهٌ وإزالةُ شَعَثٍ، فَنَافَى (٤) الإحرام.

  14. الثَّالثة: أنَّه يستلذُّ (٥) رائحته، أشبهَ (٦) الطِّيب، ولا سيَّما الخطميُّ.

  15. والعلل الثَّلاث واهيةٌ جدًّا، والصَّواب جوازه للنصِّ، ولم يحرِّم الله ورسوله (٧) على المحرم إزالةَ الشَّعَث بالاغتسال، ولا قتلَ القَمْل، وليس

    ج ٣ ص ٢٩٣السِّدر من الطِّيب في شيءٍ.

  16. الحكم السَّابع: أنَّ الكفن مقدَّمٌ على الميراث وعلى الدَّين؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يكفَّن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه ولا عن دَينٍ عليه، ولو اختلف الحال لسأل. وكما أنَّ كسوته في الحياة مقدَّمةٌ على قضاء دينه، فكذلك بعد الممات، هذا قول الجمهور، وفيه خلافٌ شاذٌّ لا يُعوَّل عليه.

  17. الحكم الثَّامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، هما إزارٌ ورداءٌ، هذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى (١) : لا يُجزئ (٢) أقلُّ من ثلاثة أثوابٍ عند القدرة؛ لأنَّه لو جاز الاقتصار على ثوبين لم يجز التَّكفين بالثَّلاثة لمن له أيتامٌ. والصَّحيح خلافُ قوله، وما ذكره ينتقض (٣) بالخشن مع الرَّفيع.

  18. الحكم التَّاسع: أنَّ المحرم ممنوعٌ من الطِّيب؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقرب (٤) طيبًا، مع شهادته له بأنه يُبعَثُ ملبِّيًا، وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطِّيب.

  19. وفي «الصَّحيحين» (٥) من حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثِّياب شيئًا مسَّه وَرْسٌ أو زعفرانٌ» .

  20. وأمرَ الذي أحرم في جُبَّةٍ بعد ما تَضَمَّخ بالخَلُوق أن يَنزِع (١) عنه الجبَّة، ويَغسِل عنه أثرَ الخَلُوق (٢) .

    ج ٣ ص ٢٩٤
  21. فعلى هذه الأحاديث الثَّلاثة مدارُ منع المحرم من الطِّيب. وأصرحُها هذه القصَّة، فإنَّ النَّهي في الحديثين الأخيرين (٣) إنَّما هو عن نوعٍ خاصٍّ من الطِّيب لا سيَّما الخَلُوق، فإنَّ النَّهي عنه عامٌّ في الإحرام وغيره.

  22. وإذا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن يقرب طيبًا أو يمسَّ به، تناولَ ذلك الرَّأسَ والبدن والثِّياب. وأمَّا شمُّه من غير مسٍّ فإنَّما حرَّمه من حرَّمه بالقياس، وإلَّا فلفظ النَّهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماعٌ معلوم فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمَّه يدعو إلى ملابسته (٤) في البدن والثِّياب، كما حُرِّم النَّظر إلى الأجنبيَّة؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى غيره، وما حُرِّم تحريمَ الوسائل فإنَّه يُباح (٥) للحاجة والمصلحة الرَّاجحة، كما يباح النَّظر إلى الأمة المستامة (٦) ، والمخطوبة، ومن يشهد عليها، ويُعاملها، ويَطُبُّها (٧) .

  23. وعلى هذا، فإنَّما يُمنع المحرِم من قصْد شمِّ الطِّيب للتَّرفُّه واللذَّة. فأمَّا

    ج ٣ ص ٢٩٥إذا وصلت الرَّائحة إلى أنفه من غير قصدٍ منه، أو شمَّه قصدًا لاستعلامه (١) عند شرائه، لم يُمنَع منه، ولم يجب عليه سَدُّ أنفه. فالأوَّل بمنزلة نظر الفجأة، والثَّاني بمنزلة نظر المستام والخاطب.

  24. وممَّا يوضِّح هذا: أنَّ الذين أباحوا للمحرِم استدامةَ الطِّيب قبل الإحرام، منهم من صرَّح بإباحة تعمُّد شمِّه بعد الإحرام، صرَّح بذلك أصحاب أبي حنيفة، فقالوا في «جوامع الفقه» (٢) لأبي يوسف: لا بأسَ بأن يشمَّ طيبًا تطيَّب به قبل إحرامه. قال صاحب «المفيد» (٣) : إنَّ (٤) الطِّيب يتَّصل به فيصير تبعًا له؛ ليدفع به أذى التَّفَث (٥) بعد إحرامه، فيصير كالسَّحور في حقِّ الصَّائم، يدفع به أذى الجوع والعطش في الصَّوم، بخلاف الثَّوب فإنَّه مباينٌ عنه.

  25. وقد اختلف الفقهاء: هل هو ممنوعٌ من استدامته كما هو ممنوعٌ من ابتدائه، أو يجوز له استدامته؟ على قولين. فمذهب الجمهور جواز

    ج ٣ ص ٢٩٦استدامته، اتِّباعًا لما ثبت بالسُّنَّة الصَّحيحة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يتطيَّب قبل إحرامه، ثمَّ يُرَى وَبِيصُ الطِّيب في مَفارقِه بعد الإحرام (١) . وفي لفظٍ: «وهو يُلبِّي» (٢) . وفي لفظٍ: «بعد ثلاثٍ» (٣) . وكلُّ هذا يدفع التَّأويل الباطل الذي تأوَّله من قال: إنَّ ذلك كان قبل الإحرام، فلمَّا اغتسل ذهب أثره. وفي لفظٍ: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يُحرِم تطيَّب بأطيبِ ما يجد، ثمَّ أرى (٤) وَبِيصَ الطِّيب في رأسه ولحيته بعد ذلك» (٥) . وللَّه ما يصنع التَّقليد ونصرةُ الآراء بأصحابه!

    وقال آخرون منهم: إنَّ ذلك كان (٦) مختصًّا به. ويردُّ هذا أمران:

    أحدهما: أنَّ دعوى الاختصاص لا تُسمع إلا بدليلٍ.

  26. الثَّاني: ما رواه أبو داود (٧) عن عائشة: كنَّا نخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكَّة، فنُضمِّد جِباهَنا بالسُّكِّ (٨) المطيَّب عند الإحرام، فإذا عرِقَتْ إحدانا سالَ على

    ج ٣ ص ٢٩٧وجهها، فيراه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهانا.

  27. الحكم العاشر: أنَّ المحرِم ممنوعٌ من تغطية رأسه، والمراتب فيه ثلاثة (١) : ممنوعٌ منه بالاتِّفاق، وجائزٌ بالاتِّفاق، ومختلفٌ فيه:

    فالأوَّل كلُّ متَّصلٍ مُلابسٍ (٢) يُراد لستر الرَّأس: كالعِمامة، والقُبع (٣) ، والطَّاقيَّة (٤) ، والخُوذَة (٥) وغيرها.

  28. والثَّاني كالخيمة، والبيت، والشَّجرة، ونحوها. وقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه ضُرِبت له قبَّةٌ بنَمِرَةَ وهو محرمٌ، إلا أنَّ مالكًا منع المحرم أن يضع ثوبه على شجرةٍ يستظلُّ (٦) به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابه المحرمَ أن يمشي في ظلِّ المَحْمِل.

  29. والثَّالث كالمَحْمِل، والمَحَارة (٧) ، والهَوْدج. فيه ثلاثة أقوالٍ: الجواز، وهو قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة. والثَّاني: المنع. فإن فعل افتدى، وهو مذهب مالك. والثَّالث: المنع، فإن فعل فلا فديةَ عليه. والثَّلاثة رواياتٌ عن أحمد.

  30. الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه. وقد اختُلِف في هذه المسألة: فمذهب الشَّافعيِّ وأحمد في روايةٍ إباحتُه، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في روايةٍ المنعُ منه. وبإباحته قال ستَّةٌ من الصَّحابة: عثمان، وعبد الرَّحمن بن عوفٍ، وزيد بن ثابتٍ، وابن الزبير (١) ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وجابر (٢) . وفيه قولٌ ثالثٌ شاذٌّ: إن كان حيًّا فله تغطية وجهه، وإن كان ميِّتًا لم يجز أن يُغطَّى وجهه. قاله ابن حزمٍ (٣) ، وهو اللَّائق بظاهريَّته.

    ج ٣ ص ٢٩٨
  31. واحتجَّ المبيحون بأقوال هؤلاء الصَّحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله: «ولا تُخمِّروا رأسه» . وأجابوا عن قوله: «ولا تُخمِّروا وجهه» بأنَّ هذه اللَّفظة غير محفوظةٍ فيه. قال شعبة (٤) : حدَّثنيه أبو بشر، ثمَّ سألته عنه بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان، إلا أنَّه قال: «لا تُخمِّروا رأسَه ولا وجهَه» . قالوا: وهذا يدلُّ على ضعفها (٥) . قالوا: وقد روي في هذا الحديث (٦) : «خَمِّروا وجهه، ولا تُخمِّروا رأسه» (٧) .

  32. الحكم الثَّاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت، وأنَّه لا ينقطع به (١) . وهذا مذهب عثمان وعلي وابن عبَّاسٍ وغيرهم، وبه قال أحمد والشَّافعيُّ وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعيُّ: ينقطع (٢) بالموت، ويُصنَع به كما يُصنَع بالحلال، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ماتَ أحدكم انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ» (٣) .

    قالوا: ولا حجةَ (٤) في حديث الذي وقَصَتْه راحلته؛ لأنَّه خاصٌّ به، كما قالوا في صلاته على النجاشيِّ: إنِّها مختصَّةٌ به.

    قال الجمهور: دعوى التَّخصيص على خلاف الأصل، فلا تُقبَل. وقوله في الحديث: «فإنَّه يُبعَث (٥) ملبِّيًا» إشارةٌ إلى العلَّة، ولو كان مختصًّا به لم يشر إلى العلَّة، ولا سيَّما إن قيل: لا يصحُّ التَّعليل بالعلَّة القاصرة. وقد قال نظيرَ هذا في شهداء أحدٍ، فقال: «زَمِّلوهم في ثيابهم بكُلُومهم (٦) ، فإنَّهم يُبعَثون يومَ القيامة اللَّونُ لونُ الدَّم (٧) ، والرِّيح ريح المِسْك (٨) » (٩) . وهذا

    ج ٣ ص ٢٩٩