حكم رمي الجمرة يوم النحر قبل الفجر

٣٢ فقرة، ج ٣ ص ٣٠٢

  1. وأذِن في تلك اللَّيلة لضعفة أهله أن يتقدَّموا إلى منًى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس. حديثٌ صحيحٌ، صحَّحه الترمذي (١) وغيره.

    ج ٣ ص ٣٠٢
  2. وأمَّا حديث عائشة: أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلةَ النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضتْ، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعني عندها. رواه أبو داود (٢) فحديثٌ منكرٌ، أنكره الإمام أحمد وغيره. وممَّا يدلُّ على إنكاره: أنَّ فيه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافي صلاة الصُّبح يوم النَّحر بمكَّة، وفي روايةٍ: توافيه وكان يومها، فأحبَّ أن توافيه (٣) ، وهذا من المحال قطعًا.

    قال الأثرم (٤) : قال لي (٥) أبو عبد الله: ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة (٦) أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافيه

    ج ٣ ص ٣٠٣يوم النَّحر بمكَّة (١) . لم يسنده غيره، وهو خطأٌ. وقال وكيعٌ: عن أبيه مرسلٌ (٢) : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافيه صلاةَ الصُّبح يوم النَّحر (٣) بمكَّة (٤) ، أو نحو هذا. وهذا عجبٌ (٥) أيضًا، النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ النَّحر وقتَ الصُّبح ما يصنع بمكَّة؟! ينكر ذلك. قال: فجئتُ إلى يحيى بن سعيدٍ، فسألته، فقال: عن هشام عن أبيه: أمرها أن تُوافي، ليس «تُوافيه» . قال: وبينَ ذينِ فرقٌ. قال: وقال لي يحيى: سَلْ عبد الرحمن عنه، فسألته، فقال هكذا: عن هشام عن أبيه: توافي (٦) .

    قال الخلال: سها الأثرم في حكايته عن وكيعٍ: تُوافيه، وإنَّما قال وكيعٌ: تُوافي منًى. وأصاب في قوله: توافي، كما قال أصحابه، وأخطأ في قوله: منًى (٧) .

    قال الخلال: أخبرنا عليُّ بن حربٍ، ثنا هارون بن عمران، عن

    ج ٣ ص ٣٠٤سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: قدَّمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن قدَّم من أهله ليلةَ المزدلفة. قالت: فرميتُ بليلٍ، ومضيتُ إلى مكَّة، فصلَّيتُ بها الصُّبح، ثمَّ رجعتُ إلى منًى.

    قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الدمشقي الخولاني (١) ، ويقال: ابن داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجلٌ من أهل الجزيرة ليس بشيءٍ. وقال عثمان بن سعيدٍ: ضعيفٌ (٢) .

    قلت: ويدلُّ على بطلانه ما ثبت في «الصَّحيحين» (٣) عن القاسم، عن عائشة، قالت (٤) : استأذنتْ سودةُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ المزدلفة أن تَدفع قبله وقبلَ حَطْمة النَّاس، وكانت امرأةً ثَبِطةً (٥) ، قالت فأذِنَ لها، فخرجتْ قبل دفعه (٦) ، وحَبَسَنا حتَّى أصبحنا، فدَفَعْنا بدفعه، ولأن أكونَ استأذنتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنتْه سودة أحبُّ إليَّ من مَفروحٍ به. فهذا الحديث الصَّحيح يبيِّن أنَّ نساءه غير سودة إنَّما دفعنَ معه.

  3. فإن قيل: فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدَّارقطنيُّ (٧) وغيره

    ج ٣ ص ٣٠٥عنها أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر نساءه أن يخرجن من جَمْعٍ ليلةَ جَمْعٍ، ويرمين الجمرة، ثمَّ تُصبح في منزلها (١) ، فكانت تصنع ذلك حتَّى ماتت.

  4. قيل: يردُّه محمد بن حُميدٍ (٢) أحد رواته، كذَّبه غير واحدٍ. ونردُّه بحديثها الذي في «الصَّحيحين» (٣) ، وقولها: وَدِدتُ أنِّي كنتُ استأذنتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، كما استأذنتْه سودة.

  5. فإن قيل: فهبْ أنَّكم يُمكِنكم ردُّ هذا الحديث، فما تصنعون بالحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٤) عن أم حبيبة: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بها من جَمْعٍ بليلٍ؟

  6. قيل: قد ثبت في «الصَّحيحين» (٥) أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قدَّم تلك اللَّيلة ضَعفةَ أهله، وكان ابن عبَّاسٍ فيمن قدَّم. وثبت أنَّه (٦) قدَّم سودة، وثبت أنَّه حبسَ نساءه عنده حتَّى دَفعنَ بدفعه. وحديث أم حبيبة انفرد به مسلم، فإن كان محفوظًا فهي إذًا من الضَّعفة الَّتي قدَّمها.

  7. فإن قيل: فما تصنعون بما (٧) رواه الإمام أحمد (٨) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ

    ج ٣ ص ٣٠٦النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعثَ به مع أهله إلى منًى يومَ النَّحر، فرمَوا الجمرةَ مع الفجر؟

  8. قيل: يُقدَّم عليه حديثُه الآخر الذي رواه الإمام أحمد والتِّرمذيُّ وصحَّحه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قدَّم ضَعفَة أهله، وقال: «لا تَرمُوا الجمرةَ حتى تطلع الشَّمس» . ولفظ أحمد (١) فيه: قدَّمَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ أُغَيلِمةَ بني عبد المطَّلب ــ على حُمُراتٍ (٢) لنا من جَمْعٍ، فجعل يَلْطَحُ (٣) أفخاذنا ويقول: «أُبَيْنِيَّ (٤) لا تَرْمُوا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس». لأنَّه أصحُّ منه، وفيه نهيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن رمي الجمرة قبل طلوع الشَّمس، وهو محفوظٌ بذكر القصَّة

    ج ٣ ص ٣٠٧فيه. والحديث الآخر إنَّما فيه: أنَّهم رَمَوها مع الفجر.

  9. ثمَّ تأمَّلنا، فإذا أنَّه لا تعارضَ بين هذه الأحاديث، فإنَّه أمر الصِّبيان أن لا يرموا الجمرةَ حتَّى تطلع الشَّمس، فإنَّه لا عذْرَ لهم في تقديم الرَّمي. أمَّا مَن قدَّمه من النِّساء فرمَينَ (١) قبلَ طلوع الشَّمس للعذر، والخوفِ عليهنَّ من مزاحمة النَّاس وحَطْمتِهم. وهذا الذي دلَّت عليه السُّنَّة، جواز الرَّمي قبل طلوع الشَّمس للمعذور (٢) بمرضٍ أو كبرٍ يشقُّ عليه مزاحمةُ النَّاس لأجله، وأمَّا القادر الصَّحيح فلا يجوز له ذلك.

  10. وفي المسألة ثلاثة مذاهب:

    أحدها: الجواز بعد نصف اللَّيل مطلقًا للقادر والعاجز، كقول الشافعيِّ وأحمد.

  11. والثَّاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة.

  12. والثَّالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشَّمس، كقول جماعةٍ من أهل العلم.

  13. والَّذي دلَّت عليه السُّنَّة إنَّما هو التَّعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف اللَّيل، وليس مع من حدَّه بالنِّصف دليلٌ، والله أعلم.

  14. فصل

    فلمَّا طلع الفجر صلَّاها في أوَّل الوقت ــ لا قبلَه قطعًا ــ بأذانٍ وإقامةٍ يوم النَّحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحجِّ الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله

    ج ٣ ص ٣٠٨ورسوله من كلِّ مشركٍ.

  15. ثمَّ ركب حتَّى أتى موقفَه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدُّعاء والتَّضرُّع والتَّكبير والتَّهليل والذِّكر حتَّى أسفرَ جدًّا، وذلك قبل طلوع الشَّمس.

  16. وهنالك سأله عروة بن مُضرِّس الطائي فقال: يا رسول الله, إنِّي (١) جئتُ من جبلَيْ طيِّئٍ، أَكللتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من حَبْلٍ (٢) إلا وقفتُ عليه (٣) ، فهل لي من حجٍّ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شهدَ صلاتَنا هذه فوقفَ معنا حتَّى نَدفعَ، وقد وقفَ بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ (٤) حجُّه، وقضى تَفَثَه». قال الترمذي (٥) : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

  17. وبهذا احتجَّ من ذهب إلى أنَّ الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركنٌ كعرفة، وهو مذهب اثنين من الصَّحابة: ابن عبَّاسٍ وابن الزبير، وإليه ذهب إبراهيم

    ج ٣ ص ٣٠٩النَّخعيُّ والشَّعبيُّ وعلقمة والحسن البصريُّ، وهو مذهب الأوزاعيِّ وحمَّاد بن أبي سليمان وداود الظَّاهريِّ وأبي عبيد القاسم بن سلَّامٍ، واختاره المحمَّدان: ابن جريرٍ وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشَّافعيَّة (١) ، ولهم ثلاث حججٍ، هذه إحداها، والثَّانية: قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٨] . والثَّالثة: فِعْل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي خرج مخرجَ البيان لهذا الذِّكر المأمور به.

  18. واحتجَّ من لم يره ركنًا بأمرين:
  19. أحدهما: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مدَّ وقتَ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنَّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسرِ زمانٍ صحَّ حجُّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لم يصحَّ حجُّه.

  20. الثَّاني: أنَّه لو كان ركنًا لاشترك فيه الرِّجال والنِّساء، فلمَّا قدَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النِّساء باللَّيل عُلِم أنَّه ليس بركنٍ.

  21. وفي الدَّليلين نظرٌ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما قدَّمهنَّ بعد المبيتِ بمزدلفة، وذِكْرِ الله تعالى بها كصلاة (٢) عشاء الآخرة، والواجب هو ذلك. وأمَّا توقيت الوقوف بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنًا، وتكون تلك اللَّيلة وقتًا لهما كوقت المجموعتين من الصَّلوات. وتضييق (٣) الوقت لإحداهما لا يُخرِجه عن أن يكون وقتًا لهما حالَ القدرة.

  22. فصل

    ووقف - صلى الله عليه وسلم - في موقفه، وأَعلمَ النَّاسَ أنَّ مزدلفة كلَّها موقفٌ، ثمَّ سار من مزدلفة مُردِفًا للفضل بن عبَّاسٍ وهو يلبِّي في مَسيره، وانطلق أسامة بن زيدٍ على رجليه في سُبَّاقِ قريشٍ.

    ج ٣ ص ٣١٠
  23. وفي طريقه ذلك أمر ابن عبَّاسٍ أن يَلْقُط له (١) حصى الجِمار سبعَ حصياتٍ، ولم يكسرها من الجبل تلك اللَّيلة كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها باللَّيل، فالتقط له سبع حَصَياتٍ من حصى الخَذْف، فجعل يَنفُضهنَّ في كفِّه ويقول: «أمثالَ (٢) هؤلاء فارمُوا، وإيَّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين» (٣) .

  24. وفي طريقه تلك عَرضَتْ له امرأةٌ من خَثْعم جميلةٌ، فسألتْه عن الحجِّ عن أبيها، وكان شيخًا كبيرًا لا يَستمسك على الرَّاحلة، فأمرها أن تحجَّ عنه، وجعل الفضل ينظر إليها (٤) ، فوضع يده على وجهه وصَرَفَه إلى الشِّقِّ الآخر (٥) . وكان الفضلُ وَسيمًا، فقيل: صرفَ وجهه عن نظرها إليه، وقيل: صرفَه عن نظره إليها.

  25. والصَّواب: أنَّه فعله للأمرين، فإنَّ في القصَّة أنه جعل ينظر إليها وتنظر إليه.

    ج ٣ ص ٣١١
  26. وسأله آخر هنالك عن أمِّه، وقال إنِّها عجوزٌ كبيرةٌ، وإن حَملتُها لم تستمسك، وإن رَبطتُها خشيتُ أن أقتلها، فقال: «أرأيتَ لو كان على أمِّك دَينٌ أكنتَ قاضِيَه؟» ، قال: نعم، قال: «فحُجَّ عن أمِّك» (١) .

  27. فلما أتى بطنَ مُحَسِّرٍ حرَّك ناقته وأسرعَ السَّير، وهذه كانت عادته في المواضع الَّتي نزل فيها بأسُ الله بأعدائه، فإنَّ هنالك أصاب أصحابَ الفيل ما قصَّ الله علينا، ولذلك سُمِّي الوادي وادي مُحَسِّرٍ؛ لأنَّ الفيل حَسُرَ فيه (٢) ، أي أَعيى وانقطع عن الذَّهاب (٣) ، وكذلك فعلَ في سلوكه الحِجْرَ وديارَ (٤) ثمود، فإنَّه تقنَّع بثوبه وأسرعَ السَّير (٥) .

  28. ومُحسِّرٌ: برزخٌ بين منًى وبين (٦) مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه.

  29. وعُرَنَة: برزخٌ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كلِّ مشعرين برزخٌ ليس منهما (٧) .

  30. فمنًى: من الحرم وهي مَشعرٌ، ومحسِّرٌ: من الحرم وليس بمشعرٍ، ومزدلفة: حرمٌ ومشعرٌ، وعُرَنة ليست مشعرًا، وهي من الحلِّ. وعرفة: حلٌّ ومشعرٌ (١) .

    ج ٣ ص ٣١٢
  31. وسلك الطَّريقَ الوسطى بين الطَّريقين (٢) ، وهي الَّتي تخرج على الجمرة الكبرى، حتَّى (٣) أتى منًى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنًى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكبًا بعد طلوع الشَّمس، واحدةً بعد واحدةٍ، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، وحينئذٍ قطع التَّلبية.

  32. وكان في مسيره ذلك يلبِّي حتَّى شرعَ في الرَّمي، ورمى وبلالٌ وأسامة معه، أحدهما آخذٌ بخطام ناقته، والآخر يُظِلُّه بثوبٍ من الحرِّ (٤) . وفي هذا دليلٌ على جواز استظلال المحرم بالمَحْمِل ونحوه، إن كانت قصَّة هذا الإظلال يوم النَّحر (٥) ، وإن كانت بعده في أيَّام منًى فلا حجَّة فيها، وليس في الحديث بيانٌ في أيِّ زمنٍ كانت (٦) . فالله أعلم (٧) .