فصل في الذهاب إلى مكة لطواف الإفاضة
٤٢ فقرة، ج ٣ ص ٣٢٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ٣٢٩
عائشة - رضي الله عنها -: طيَّبتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحلَّ (١) = دليلٌ على أنَّ الحلق نسكٌ، وليس بإطلاقٍ من محظورٍ.
-
فصل
ثمَّ أفاض - صلى الله عليه وسلم - إلى مكَّة قبل الظُّهر راكبًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزِّيارة، وهو طواف الصَّدَر، ولم يطف غيره، ولم يسْعَ معه. هذا هو الصَّواب، وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف: طائفةٌ زعمت أنَّه طاف طوافين، طوافًا للقدوم سوى طواف الإفاضة، ثمَّ طاف للإفاضة. وطائفةٌ زعمت أنَّه سعى مع هذا الطَّواف لكونه قارنًا. وطائفةٌ زعمت أنَّه لم يطف ذلك اليوم، وإنَّما أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل، فنذكر الصَّواب في ذلك، ونبيِّن منشأ الغلط، وباللَّه التَّوفيق.
قال الأثرم (٢) : قلت لأبي عبد الله: فإذا رجع ــ أعني المتمتِّع ــ كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجِّه، ويطوف طوافًا آخر للزِّيارة. عاودناه في هذا (٣) غيرَ مرَّةٍ، فثبت عليه.
قال الشَّيخ (٤) في «المغني» (٥) : وكذلك الحكم في القارن والمفرِد إذا لم يكونا أتيا مكَّة قبلَ يوم النَّحر، ولا طافا للقدوم، فإنَّهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزِّيارة. نصَّ عليه أحمد، واحتجَّ بما روت عائشة، قالت: «فطاف
ج ٣ ص ٣٣٠الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصَّفا والمروة، ثمَّ حلُّوا، ثمَّ طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وأمَّا الذين جمعوا الحجَّ والعمرة، فإنَّما (١) طافوا طوافًا واحدًا». فحمل أحمد قول عائشة على أنَّ طوافهم لحجِّهم هو طواف القدوم. قال (٢) : ولأنَّه قد ثبت أنَّ طواف القدوم مشروعٌ، فلم يكن طواف الزِّيارة مُسقِطًا له، كتحيَّة المسجد عند دخوله قبل التَّلبُّس بصلاة الفرض.
وقال الخرقي في «مختصره» (٣) : وإن كان متمتِّعًا فيطوف بالبيت سبعًا، وبالصَّفا والمروة سبعًا، كما فعل للعمرة، ثمَّ يعود فيطوف بالبيت طوافًا ينوي به الزِّيارة، وهو قوله عز وجل: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٢٩] .
-
فمن قال: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان متمتِّعًا ــ كالقاضي وأصحابه ــ عندهم هكذا (٤) فعل، والشَّيخ أبو محمد عنده أنَّه كان متمتِّعًا التَّمتُّع الخاصَّ، ولكن لم يفعل هذا، قال (٥) : ولا أعلم أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطَّواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طوافٌ واحدٌ للزِّيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصَّلاة، فإنَّه (٦) يكتفي بها من تحيَّة المسجد. ولأنَّه لم يُنقل عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه الذين تمتَّعوا معه في حجَّة الوداع، ولا أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - به أحدًا.
ج ٣ ص ٣٣١قال (١) : وحديث عائشة دليلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا هو طواف الزِّيارة، ولم تذكر طوافًا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرتْه طواف القدوم لكانت قد أخلَّت بذكر طواف الزِّيارة، الذي هو ركن الحجِّ لا يتمُّ إلا به، وذكرتْ ما يُستغنى عنه. وعلى كلِّ حالٍ فما ذكرتْ إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يُستدلُّ به على طوافين؟
-
وأيضًا، فإنَّها لمَّا حاضت فقرنت الحجَّ إلى العمرة بأمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم تكن طافت للقدوم= لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّ طواف القدوم لو لم يسقط بالطَّواف الواجب لشُرِع (٢) في حقِّ المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة؛ لأنَّه أوَّل قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتِّع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به. انتهى كلامه.
قلت: لم يرفع كلام أبي محمد (٣) الإشكالَ، وإن كان الذي أنكره هو الحقُّ، كما أنكره، والصَّواب في إنكاره، فإنَّ أحدًا لم يقل: إنَّ الصَّحابة لمَّا رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسَعَوا، ثمَّ طافوا للإفاضة بعده، ولا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. هذا لم يقع قطعًا، ولكن منشأ الإشكال أنَّ أمَّ المؤمنين فرَّقت بين المتمتِّع والقارن، فأخبرت أنَّ القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منًى طوافًا واحدًا، وأنَّ الذين أهلُّوا بالعمرة طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا غير (٤) طواف الزِّيارة قطعًا، فإنَّه يشترك فيه القارن والمتمتِّع،
ج ٣ ص ٣٣٢فلا يُفرَّق بينهما فيه. ولكنِ الشَّيخ أبو محمد لمَّا رأى قولها في المتمتِّعين: «إنَّهم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى» ، قال: ليس في هذا ما يدلُّ على أنَّهم طافوا طوافين. والَّذي قاله حقٌّ، ولكنه لم يرفع الإشكال، فقالت طائفةٌ: هذه الزِّيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أُدرِجتْ في الحديث. وهذا لا يتبيَّن، ولو كان فغايته أنَّه مرسلٌ، ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال.
-
فالصَّواب: أنَّ الطَّواف الذي أخبرت به عائشة، وفرَّقتْ به بين المتمتِّع والقارن، هو الطَّواف بين الصَّفا والمروة لا الطَّواف بالبيت، وزال الإشكال جملةً، فأخبرتْ عن القارنين أنَّهم اكتفَوا بطوافٍ واحدٍ بينهما، لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النَّحر، وهذا هو الحقُّ، وأخبرتْ عن المتمتِّعين أنَّهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرُّجوع من منًى للحجِّ، وذلك الأوَّل كان للعمرة. وهذا قول الجمهور، وتنزيلُ الحديث على هذا موافقٌ لحديثها الآخر، وهو قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَسعُكِ طوافك بالبيت وبين الصَّفا والمروة لحجِّك وعمرتك» ، وكانت قارنةً، ويوافق قول الجمهور.
-
لكن يُشكِل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في «صحيحه» (١) : «لم يطف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأوَّل» . وهذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتِّعَ سعيٌ واحدٌ، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، نصَّ عليها في رواية (٢) ابنه عبد الله (٣) وغيره (٤) .
- ج ٣ ص ٣٣٣
وعلى هذا فيقال: عائشة أثبتت وجابر نفى، والمثبِت مقدَّمٌ على النَّافي. أو يقال: مراد جابر مَن قَرنَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وساق الهدي، كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي وذوي اليسار، فإنَّهم إنَّما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصَّحابة. أو يُعلَّل حديث عائشة بأنَّ تلك الزِّيادة فيه مدرجةٌ من قول هشام. وهذه ثلاث طرقٍ للنَّاس في حديثها، والله أعلم.
-
وأمَّا من قال: المتمتِّع يطوف ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحجِّ قبل خروجه إلى منًى، وهو قول أصحاب الشَّافعيِّ، ولا أدري أمنصوصٌ عنه أم لا؟ قال أبو محمد (١) : فهذا لم يفعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أحدٌ من الصَّحابة البتَّة، ولا أمرهم به ولا نقله أحدٌ. قال ابن عبَّاسٍ (٢) : لا أرى لأهل مكَّة أن يطوفوا ولا أن يسْعَوا بين الصَّفا والمروة بعد إحرامهم بالحجِّ حتَّى يرجعوا من منًى. وعلى (٣) قول ابن عبَّاسٍ قولُ (٤) الجمهور مالك وأحمد وأبي حنيفة (٥) وإسحاق وغيرهم.
-
والَّذين استحبُّوه قالوا: لمَّا أحرم بالحجِّ صار كالقادم، فيطوف ويسعى للقدوم. قالوا: ولأنَّ (٦) الطَّواف الأوَّل وقع عن العمرة، فبقي طواف القدوم لم يأتِ به، فاستحبَّ له فعله عقيبَ الإحرام بالحجِّ.
- ج ٣ ص ٣٣٤
وهاتان الحجَّتان واهيتان، فإنَّه إنَّما كان قارنًا (١) لمَّا طاف للعمرة، فكان طوافه للعمرة مغنيًا عن طواف القدوم، كمن دخل المسجد فرأى الصَّلاة قائمةً، فدخل فيها، قامت مقامَ تحيَّة المسجد وأغنَتْه عنها.
-
وأيضًا فإنَّ الصَّحابة لمَّا أحرموا بالحج مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يطوفوا عقيبَه، وكان أكثرهم متمتِّعًا. وروى الحسن (٢) عن أبي حنيفة أنَّه إن (٣) أحرم يوم التَّروية قبل الزَّوال طاف وسعى للقدوم، وإن أحرم بعد الزَّوال لم يطفْ، وفرَّق بين الوقتين بأنَّه بعد الزَّوال يخرج من فَوره إلى منًى، فلا يشتغل عن الخروج بغيره، وقبلَ الزَّوال لا يخرج فيطوف. وقول ابن عبَّاسٍ والجمهور هو الصَّحيح الموافق (٤) لعمل الصَّحابة، وباللَّه التَّوفيق.
-
فصل
والطَّائفة الثَّانية قالت: إنَّه - صلى الله عليه وسلم - سعى مع هذا الطَّواف، وقالوا: هذا حجَّةٌ في أنَّ القارن يحتاج إلى سعيين كما يحتاج إلى طوافين. وهذا غلطٌ عليه كما تقدَّم، والصَّواب أنَّه لم يسْعَ إلا سعيَه الأوَّل كما قالته عائشة وجابر، ولم يصحَّ عنه في السَّعيين حرفٌ واحدٌ، بل كلُّها باطلةٌ كما تقدَّم، فعليك بمراجعته.
- ج ٣ ص ٣٣٥
فصل
والطَّائفة الثَّالثة الذين قالوا: أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل، وهم طاوسٌ ومجاهد وعروة. ففي سنن أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه (١) من حديث أبي الزبير المكيِّ عن عائشة وجابر (٢) : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخَّر طوافَ يوم النَّحر إلى اللَّيل. وفي لفظٍ: «طواف الزِّيارة» . قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
-
وهذا الحديث غلطٌ بيِّنٌ، خلافُ المعلوم من فعله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يشكُّ فيه أهل العلم بحجَّته - صلى الله عليه وسلم -، ونحن نذكر كلام النَّاس فيه:
قال الترمذي في كتاب «العلل» (٣) له: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث وقلت له: سمع أبو الزبير من عائشة وابن عبَّاسٍ؟ قال: أمَّا من (٤) ابن عبَّاسٍ فنعم، وإنّ في سماعه من عائشة نظرًا.
وقال أبو الحسن بن القطَّان (٥) : عندي أنَّ هذا الحديث ليس بصحيحٍ، إنَّما طاف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ نهارًا، وإنَّما اختلفوا: هل صلَّى الظُّهر بمكَّة أو رجع إلى منًى، فصلَّى بها بعد أن فرغ من طوافه؟ فابن عمر يقول: إنَّه رجع
ج ٣ ص ٣٣٦إلى منًى، فصلَّى الظُّهر بها (١) ، وجابر يقول: إنَّه صلَّى الظُّهر بمكَّة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه الَّتي فيها أنَّه أخَّر الطَّواف إلى اللَّيل، وهذا شيءٌ لم يُروَ إلا من هذه (٢) الطَّريق، وأبو الزبير مدلِّسٌ لم يذكر هاهنا سماعًا من عائشة، وقد عُهِد يَروي عنها بواسطةٍ، ولا أيضًا من ابن عبَّاسٍ، فقد عُهِد كذلك يروي عنه بواسطةٍ، وإن كان قد سمع منه. فيجب التَّوقُّف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة وابن عبَّاسٍ ممَّا لا يذكر فيه سماعه منهما، لِما عُرِف به من التَّدليس، ولو عُرِف سماعه منهما (٣) لغير هذا، فأمَّا ولم يصحَّ لنا (٤) أنَّه سمع من عائشة، فالأمر بيِّنٌ في وجوب التَّوقُّف فيه.
-
وإنِّما يختلف العلماء في قبول حديث المدلِّس إذا كان عمَّن قد عُلم لقاؤه له وسماعه منه. هاهنا يقول قومٌ: يُقبل، ويقول آخرون: يُردُّ ما يعنعنه عنهم حتَّى يتبيَّن الاتِّصال في حديثٍ حديثٍ. وأمَّا ما يعنعنه المدلِّس عمَّن لم (٥) يُعلم لقاؤه له ولا سماعه منه، فلا أعلم الخلاف فيه بأنَّه لا يُقبل. ولو كنَّا نقول بقول مسلمٍ في (٦) أن معنعن المتعاصرين محمولٌ على الاتِّصال ولو لم يعلم التقاؤهما، فإنَّما ذلك في غير المدلِّسين.
-
وأيضًا فلما قدَّمناه من صحَّة طواف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ نهارًا. والخلاف في
ج ٣ ص ٣٣٧ردِّ حديث المدلِّسين حتَّى يُعلم اتِّصاله أو قبوله حتَّى يعلم انقطاعه، إنَّما هو إذا لم يعارضه ما لا شكَّ في صحَّته (١) ، وهذا فقد عارضه ما لا شكَّ في صحَّته. انتهى كلامه.
-
ويدلُّ على غلطه (٢) على عائشة أنَّ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن روى عن عائشة أنَّها قالت: حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفَضْنا يومَ النَّحر (٣) .
-
وروى محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها: [أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى.
-
ورواه عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن عائشة: ] (٤) أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ لأصحابه فزاروا البيتَ يوم النَّحر ظهيرةً، وزار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع نسائه ليلًا (٥) . وهذا غلطٌ أيضًا.
قال البيهقي (٦) : وأصحُّ هذه الرِّوايات حديث نافع عن ابن عمر، وحديث جابر، وحديث أبي سلمة عن عائشة. يعني: أنَّه طاف نهارًا.
ج ٣ ص ٣٣٨قلت: وإنَّما (١) نشأ الغلط من تسمية الطواف، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخَّر طواف الوداع إلى اللَّيل، كما ثبت في «الصَّحيحين» (٢) من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فذكرت الحديث، إلى أن قالت: فنزلنا المحصَّبَ، فدعا عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، فقال: «اخرجْ بأختك من الحرم، ثمَّ افرغا من طوافكما، ثمَّ تأتياني (٣) هاهنا بالمحصَّب». قالت: فقضى الله العمرة، وفرغنا من طوافنا في جوف اللَّيل، فأتيناه بالمحصَّب، فقال: فرغتما؟ قلنا: نعم. فأذَّن في النَّاس بالرَّحيل، فمرَّ بالبيت فطاف به، ثمَّ ارتحل متوجِّهًا إلى المدينة. فهذا هو الطَّواف الذي أخَّره إلى اللَّيل بلا ريبٍ، فغلِطَ فيه أبو الزبير أو من حدَّثه به (٤) ، وقال: طواف الزِّيارة، والله الموفِّق.
-
ولم يرمُلْ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الطَّواف ولا في طواف الوداع (٥) ، وإنَّما رمل في طواف القدوم.
-
فصل
ثمَّ أتى زمزمَ بعد أن قضى طوافه وهم يستقون فقال: «لولا أن يَغلِبكم النَّاس لنزلتُ فسقيتُ معكم» (٦) ، ثمَّ ناولوه الدَّلو، فشرِب وهو
ج ٣ ص ٣٣٩قائمٌ (١) . فقيل: هذا نسخٌ لنهيه عن الشُّرب قائمًا، وقيل: بل بيانٌ منه لأن النَّهي على وجه الاختيار وتركِ الأولى، وقيل: بل للحاجة، وهذا أظهر.
-
وهل كان في طوافه هذا راكبًا أو ماشيًا؟ فروى مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبيت في حجَّة الوداع على راحلته، يستلم الحجر (٣) بمِحْجَنِه لأن يراه النَّاس، وليُشْرِفَ، وليسألوه، فإنَّ النَّاس غَشُوه.
-
وفي «الصَّحيحين» (٤) عن ابن عبَّاسٍ قال: طاف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع على بعيرٍ يستلم الرُّكن بمِحْجَنٍ.
-
وهذا الطَّواف ليس بطواف الوداع فإنِّه كان ليلًا، وليس بطواف القدوم لوجهين:
أحدهما: أنَّه قد صحَّ عنه الرَّمل في طواف القدوم، ولم يقل أحدٌ قطُّ: رملَتْ به راحلته، وإنَّما قالوا: رَمَلَ نفسه (٥) .
-
والثَّاني: قول عمرو بن الشَّرِيد (٦) : أفضتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما مسَّت
ج ٣ ص ٣٤٠قدماه الأرضَ حتَّى أتى جَمْعًا (١) . وهذا ظاهره أنَّه من حين أفاض معه ما مسَّت قدماه الأرض (٢) إلى أن رجع. ولا ينتقض هذا بركعتي الطَّواف، فإنَّ شأنهما (٣) معلومٌ.
قلت: والظَّاهر أنَّ عمرو بن الشَّريد (٤) إنَّما أراد الإفاضة معه من عرفة، ولهذا قال: «حتَّى أتى جَمْعًا» وهي مزدلفة (٥) ، ولم يُرِد الإفاضة إلى البيت يوم النَّحر. ولا ينتقض هذا بنزوله عند الشِّعب حين (٦) بال ثمَّ ركب؛ لأنَّه ليس بنزولٍ مستقرٍّ، وإنَّما مسَّت قدماه الأرضَ مسًّا عارضًا.
-
فصل
ثمَّ رجع إلى منًى، واختُلِف أين صلَّى الظُّهر يومئذٍ، ففي «الصَّحيحين» (٧) عن ابن عمر أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أفاض يوم النَّحر، ثمَّ رجع فصلَّى الظُّهر بمنًى.
-
وفي «صحيح مسلم» (٨) عن جابر أنَّه صلَّى الظُّهر بمكَّة. وكذلك قالت
ج ٣ ص ٣٤١عائشة. واختُلِف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر، فقال أبو محمد بن حزم (١) : قول عائشة وجابر أولى، وتبعه على هذا جماعةٌ، ورجَّحوا هذا القول بوجوهٍ (٢) :
أحدها: أن رُواتَه اثنان (٣) ، وهما أولى من الواحد.
-
الثَّاني: أنَّ عائشة أخصُّ النَّاس به، ولها من القرب والاختصاص والمزيَّة ما ليس لغيرها.
-
الثَّالث: أنَّ سياق جابر لحجَّة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من أوَّلها إلى آخرها أتمُّ سياقٍ، وقد حفظ القصَّة وضبطَها، حتَّى ضبط جزئيَّاتِها، حتَّى ضبط منها أمرًا لا يتعلَّق بالمناسك، وهو نزول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ جمعٍ (٤) في الطَّريق، فقضى حاجته عند الشِّعب، ثمَّ توضَّأ وضوءًا خفيفًا. فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته يومَ النَّحر أولى.
-
الرَّابع: أنَّ حجَّة الوداع كانت في آذار، وهو تساوي اللَّيل والنَّهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس إلى منًى، وخطب بها النَّاس، ونحر بُدْنًا عظيمةً وقسَمَها، وطُبخ له من لحمها وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه،
ج ٣ ص ٣٤٢وتطيَّب (١) ، ثمَّ أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم ومن نبيذ السِّقاية، ووقف عليهم وهم يَسقُون. وهذه أعمالٌ يبدو في الأظهر أنَّها لا تنقضي في مقدارٍ يمكن معه الرُّجوع إلى منًى، بحيث يدرك وقت الظُّهر في فصل آذار.
-
الخامس: أنَّ هذين الحديثين جاريان مجرى النَّاقل والمُبقي، فإن عادته - صلى الله عليه وسلم - كانت في حجَّته الصَّلاة في منزله الذي هو نازلٌ فيه بالمسلمين، فجرى ابن عمر على العادة، وضبط جابر وعائشة الأمر الذي هو خارجٌ عن عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ.
- ورجَّحت طائفةٌ أخرى قول ابن عمر بوجوهٍ:
-
أحدها: أنَّه لو صلَّى الظُّهر بمكَّة لم يُصلِّ أصحابه بمنًى وُحدانًا ولا زَرافاتٍ، بل لم يكن لهم بدٌّ من الصَّلاة خلف إمامٍ يكون نائبًا عنه، ولم ينقل هذا أحدٌ قطُّ، ولا نقل أحدٌ أنَّه استناب من يصلِّي بهم. ولولا علمه أنَّه يرجع إليهم فيصلِّي بهم لقال: إن حضرت الصَّلاة ولستُ عندكم فليصلِّ بكم فلانٌ، وحيثُ لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلَّى الصَّحابة هناك (٢) وُحدانًا قطعًا، ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلُّوا عِزِين (٣) ، عُلِم أنَّهم صلَّوا معه على عادتهم.
-
الثَّاني: أنَّه لو صلَّى بمكَّة لكان خلفه بعض أهل البلد وهو مقيم (٤) ،
ج ٣ ص ٣٤٣وكان يأمرهم أن يتمُّوا صلاتهم، ولنُقِل (١) أنَّهم قاموا فأتمُّوا بعد سلامه صلاتَهم. وحيث لم يُنقل هذا ولا هذا، بل هو معلوم الانتفاء قطعًا، عُلِم أنَّه لم يصلِّ حينئذٍ بمكَّة. وما ينقله بعض من لا علمَ عنده أنَّه قال: «يا أهلَ مكَّة أتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» (٢) فإنَّما قاله عامَ الفتح، لا في حجَّته.
-
الثَّالث: أنَّه من المعلوم أنَّه لمَّا طاف ركع ركعتي الطَّواف، ومعلومٌ أنَّ كثيرًا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه، فلعلَّه لمَّا ركع ركعتي الطَّواف، والنَّاس خلفه يقتدون به، ظنَّ الظَّانُّ أنَّها صلاة الظُّهر، ولا سيَّما إذا كان ذلك في وقت الظُّهر. وهذا الوهم لا يمكن رفعُ (٣) احتماله بخلاف صلاته بمنًى، فإنَّها لا تحتمل غير الفرض.
-
الرَّابع: أنَّه لا يُحفظ عنه في حجته (٤) أنَّه صلَّى الفرض بجوف مكَّة، بل إنَّما كان يصلِّي بمنزله (٥) بالمسلمين مدَّة مقامه، كان يصلِّي بهم أين نزلوا، لا يصلِّي في مكانٍ آخر غير المنزل العامِّ.
-
الخامس: أنَّ حديث ابن عمر متَّفقٌ عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم. فحديث ابن عمر أصحُّ منه، وكذلك هو في إسناده، فإنَّ رواته أحفظ وأشهر
ج ٣ ص ٣٤٤وأتقن، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله (١) ، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع؟
-
السَّادس: أنَّ حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فرُوي عنها على ثلاثة أوجهٍ، أحدها: أنَّه طاف نهارًا، الثَّاني: أنَّه أخَّر الطَّواف إلى اللَّيل، الثَّالث: أنَّه أفاض من آخر يومه، فلم يضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصَّلاة، بخلاف حديث ابن عمر.
-
السَّابع: أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ منه بلا نزاعٍ، فإنَّ حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها، وابن إسحاق مختلَفٌ (٢) في الاحتجاج به، ولم يصرِّح بالسَّماع بل عنعنه، فكيف يُقدَّم على قول (٣) عبيد الله: حدَّثني نافع عن ابن عمر.
-
الثَّامن: أنَّ حديث عائشة ليس بالبيِّن أنَّه صلَّى الظُّهر بمكَّة، فإنَّ لفظه هكذا: «أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر يومه حين صلَّى الظُّهر، ثمَّ دفع (٤) إلى منًى، فمكث بها ليالي أيَّام التَّشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشَّمس، كلَّ جمرةٍ بسبع حصياتٍ». فأين دلالة هذا الحديث الصَّريحة (٥) على أنَّه صلَّى الظُّهر يومئذٍ بمكَّة؟ وأين هذا في صريح الدَّلالة إلى قول ابن عمر: «أفاض
ج ٣ ص ٣٤٥يوم النَّحر، ثمَّ صلَّى الظُّهر بمنًى»؟ يعني راجعًا، وأين حديثٌ اتَّفق أصحاب الصَّحيح على إخراجه إلى حديثٍ اختُلِف في الاحتجاج به؟ والله أعلم.