فصل: رجوعه - صلى الله عليه وسلم - إلى منى وبيتوتته بها

١١ فقرة، ج ٣ ص ٣٤٦

  1. طوافها يوم النَّحر وراء النَّاس، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جانب البيت يصلِّي ويقرأ (١) {وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ}؟ هذا من المحال؛ فإنَّ هذه الصَّلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر أو المغرب أو العشاء، وإنَّها (٢) كانت يوم النَّحر، فلم يكن ذلك الوقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكَّة قطعًا، فهذا من وهمه - رحمه الله -.

    ج ٣ ص ٣٤٦
  2. وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافًا واحدًا، وسعتْ سعيًا واحدًا أجزأها عن حجِّها وعمرتها، وطافت صفيَّة ذلك اليوم ثمَّ حاضت، فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع، ولم تُودِّع (٣) . فاستقرَّت سنَّتُّه - صلى الله عليه وسلم - في المرأة الطَّاهر (٤) إذا حاضت قبل الطَّواف (٥) أن تَقْرِن وتكتفي بطوافٍ واحدٍ وسعيٍ واحدٍ، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأتْ به عن طواف الوداع.

  3. فصل

    ثمَّ رجع - صلى الله عليه وسلم - إلى منًى من يومه ذلك، فبات بها، فلمَّا أصبح انتظر زوال الشَّمس، فلمَّا زالت الشمس مشى من رحله إلى الجِمار ولم يركب، فبدأ بالجمرة الأولى الَّتي تلي مسجدَ الخيف، فرماها بسبع حَصَياتٍ، واحدةً بعد واحدةٍ، يقول مع كلِّ حصاةٍ: الله أكبر، ثمَّ تقدَّم عن (٦) الجمرة أمامها حتَّى

    ج ٣ ص ٣٤٧أسهلَ (١) ، فقام مستقبلَ القبلة، ثمَّ رفع يديه ودعا دعاءً طويلًا بقدر سورة البقرة، ثمَّ أتى إلى الجمرة الوسطى، فرماها كذلك، ثمَّ انحدر ذات اليسار ممَّا يلي الوادي، فوقف مستقبلَ القبلة رافعًا يديه يدعو قريبًا من وقوفه الأوَّل، ثمَّ أتى الجمرة الثَّالثة وهي جمرة العَقَبة، فاستبطن الواديَ واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره ومنًى عن يمينه، فرماها بسبع حصياتٍ كذلك (٢) .

  4. ولم يَرْمِها من أعلاها كما يفعل الجهَّال، ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقتَ الرَّمي، كما ذكره غير واحدٍ من الفقهاء.

  5. فلمَّا أكمل الرَّمي رجع من فوره، ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصحُّ: إنَّ دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلمَّا رمى جمرة العقبة فرغ الرَّميُ، والدُّعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها (٣) أفضل منه (٤) بعد الفراغ منها. وهذه (٥) كانت سنَّته في دعائه في الصَّلاة؛ كان يدعو في صلبها، وأمَّا بعد الفراغ منها فلم يثبت عنه أنَّه كان يعتاد الدُّعاء، ومن روى عنه ذلك فقد غلِطَ عليه، وإن رُوي في غير الصَّحيح أنَّه كان أحيانًا يدعو

    ج ٣ ص ٣٤٨بدعاءٍ عارضٍ بعد السَّلام (١) ، وفي صحَّته نظرٌ.

  6. وبالجملة، فلا ريبَ أنَّ عامَّة أدعيته الَّتي كان يدعو بها، وعلَّمها الصِّدِّيق إنَّما هي في صلب الصَّلاة. وأمَّا حديث معاذ بن جبلٍ: «لا تنسَ أن تقول دُبُرَ (٢) كلِّ صلاةٍ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسنِ عبادتك» (٣) ، فدُبُر الصَّلاة يراد به آخرها قبل السَّلام منها، كدبر الحيوان، ويراد به ما بعد السَّلام منها، كقوله: «تُسبِّحون الله (٤) دُبُرَ (٥) كلِّ صلاةٍ» (٦) الحديثَ.

  7. فصل

    ولم يزل في نفسي: هل كان يرمي قبل صلاة الظُّهر أو بعدها؟ والَّذي يغلب على الظنِّ أنَّه كان يرمي قبل الصَّلاة (٧) ، ثمَّ يرجع فيصلِّي؛ لأنَّ جابرًا وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشَّمس، فعقَّبوا زوال الشَّمس برميه.

  8. وأيضًا فإنَّ وقت الزَّوال للرَّمي أيَّامَ منًى كطلوع الشَّمس لرمي يوم النَّحر، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوم النَّحر لمَّا دخل وقت الرَّمي لم يقدِّم عليه شيئًا من عبادات ذلك اليوم.

    ج ٣ ص ٣٤٩
  9. وأيضًا فإنَّ الترمذي وابن ماجه رويا في «سننهما» (١) عن ابن عبَّاسٍ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي الجمار إذا زالت الشَّمس. زاد ابن ماجه: «قدر ما إذا فرغ من رميه صلَّى الظُّهر» . وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجَّاج بن أرطاة، وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيم بن عثمان بن شيبة (٢) أبو شيبة ولا يحتجُّ به (٣) . ولكن ليس في الباب غير هذا.

  10. وذكر الإمام أحمد (٤) أنَّه كان يرمي يوم النَّحر راكبًا، وأيَّامَ منًى ماشيًا في ذهابه ورجوعه.

  11. فصل

    فقد تضمَّنت حجَّته - صلى الله عليه وسلم - ستَّ وقفاتٍ للدُّعاء: