فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في العقيقة

٧ فقرات، ج ٣ ص ٣٨٨

  1. في هديه في العقيقة

    في «الموطَّأ» (١) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن العقيقة فقال: «لا أُحِبُّ العُقوق» ، كأنَّه كره الاسم. ذكره عن زيد بن أسلم، عن رجلٍ من بني ضمرة عن أبيه. قال ابن عبد البرِّ (٢) : وأحسن أسانيده ما ذكره عبد الرزاق (٣) : ثنا داود بن قيس، قال: سمعت عمرو بن شعيبٍ يحدِّث عن أبيه عن جدِّه، قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة، فقال: «لا أُحبُّ العُقوقَ» ، وكأنَّه كره الاسم. قالوا: يا رسول الله، يَنْسُكُ أحدُنا عن ولده؟ فقال: «من أحبَّ منكم أن يَنسُكَ عن ولده فليفعلْ، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ» .

    ج ٣ ص ٣٨٨
  2. وصحَّ عنه من حديث عائشة: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ» (٤) .

    وقال: «كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقته، تُذبح عنه يوم السَّابع، ويُحلَق رأسه ويسمَّى» (٥) .

    ج ٣ ص ٣٨٩قال الإمام أحمد (١) : معناه أنَّه محبوسٌ عن الشَّفاعة في أبويه. والرَّهن في اللُّغة الحبس، قال تعالى: {أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ} [المدثر: ٣٨] ، وظاهر الحديث أنَّه رهينةٌ في نفسه ممنوعٌ محبوسٌ عن خيرٍ يُراد به، ولا يلزم من ذلك أن يُعاقَب عليها في الآخرة، وإن حُبِس بسبب تركِ (٢) أبويه العقيقةَ عمَّا يناله مَن عَقَّ عنه أبواه، وقد يفوت الولدَ خيرٌ بسبب تفريط الأبوين، وإن لم يكن من كسبه، كما أنَّه عند الجماع إذا سمَّى أبوه لم يضرَّ الشَّيطان ولدَه، وإذا ترك التَّسمية لم يحصل للولد هذا الحفظُ.

  3. وأيضًا، فإنَّ هذا إنَّما يدلُّ على أنَّها لازمةٌ لا بدَّ منه (٣) ، فشبَّه لزومها وعدم انفكاك المولود منها بالرَّهن. وقد يستدلُّ بهذا من يرى وجوبها، كاللَّيث والحسن وأهل الظَّاهر (٤) . والله أعلم.

  4. فإن قيل: فكيف تصنعون في رواية همّام عن قتادة في هذا الحديث: «ويُدمَّى» . قال همام: سُئل قتادة عن قوله: «ويُدمَّى» كيف يصنع بالدَّم؟ فقال: إذا ذُبِحت العقيقة أُخِذت منها صُوفةٌ، واستُقبِلتْ بها أوداجُها، ثمَّ تُوضع على يافوخ الصَّبيِّ حتَّى تسيلَ على رأسه مثل الخيط، ثمَّ يُغسَل رأسه

    ج ٣ ص ٣٩٠بعدُ ويُحلَق (١) .

  5. قيل: اختلف النَّاس في ذلك، فمن قائلٍ (٢) : هذا من رواية الحسن عن سمرة، ولا يصحُّ سماعه منه، ومن قائلٍ: سماع الحسن من سمرة حديثَ العقيقة هذا صحيحٌ، صحَّحه الترمذي وغيره، وقد ذكر البخاريُّ في «صحيحه» (٣) عن حبيب بن الشَّهيد قال: قال لي محمَّد بن سيرين: اذهبْ فسَلِ الحسنَ ممَّن سمع حديث العقيقة؟ فسأله، فقال: سمعتُه من سمرة.

  6. ثمَّ اختُلِف في التَّدمية بعدُ، هل هي صحيحةٌ أو غلطٌ؟ على قولين (٤) . فقال أبو داود في «سننه» (٥) : هي وهمٌ من همَّام بن يحيى قوله «ويدمَّى» ، يعني: إنَّما هو «ويسمَّى» . وقال غيره: كان في لسان همام لُثْغةٌ، فقال: «ويدمَّى» وإنَّما أراد «ويسمَّى» (٦) .

  7. وهذا لا يصحُّ، فإنَّ همّامًا وإن كان وهم في اللَّفظ ولم يُقِمْه لسانه، فقد حكى عن قتادة صفَّة التَّدمية، وأنَّه سُئل عنها فأجاب بذلك، وهذا لا تحتمله اللُّثغة بوجهٍ. فإن كان لفظ التَّدمية منه وهمًا، فهو من قتادة أو من الحسن. والذين أثبتوا لفظ التَّدمية قالوا: إنَّه من سنَّة العقيقة، وهذا مرويٌّ عن الحسن

    ج ٣ ص ٣٩١وقتادة، والَّذين منعوا التَّدمية ــ كمالك والشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق ــ قالوا: «يُدمَّى» غلطٌ، وإنَّما هو «يُسمَّى» ، قالوا: وهذا كان من عمل الجاهليَّة، فأبطله الإسلام، بدليل ما رواه أبو داود (١) عن بُريدة بن الحُصَيب قال: كنَّا في الجاهليَّة إذا وُلِد لأحدنا غلامٌ ذبحَ شاةً، ولطَّخ رأسه بدمها، فلمَّا جاء الله بالإسلام كنَّا نذبح شاةً، ونَحلِق رأسه، ونلطِّخه بزعفرانٍ.

    قالوا: وهذا وإن كان في إسناده الحسين بن واقدٍ (٢) ، ولا يحتجُّ به، فإذا انضاف إلى قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَمِيطُوا عنه الأذى» (٣) ، والدَّم أذًى، فكيف يأمرهم أن يُلطِّخوه بالأذى؟

    قالوا: ومعلومٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَقَّ عن الحسن والحسين بكبشينِ (٤) ، ولم يُدمِّهما، ولا كان ذلك من هديه وهدي أصحابه.

    قالوا: وكيف يكون من سنَّته تنجيسُ رأس المولود؟ وأين لهذا شاهدٌ ونظيرٌ في سنَّته؟ وإنَّما يليق هذا بأهل الجاهليَّة.