فصل في عقه - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن والحسين
١٩ فقرة، ج ٣ ص ٣٩٢
- ج ٣ ص ٣٩٢
فإن قيل: عَقُّه عن الحسن والحسين بكبشٍ كبشٍ يدلُّ (١) على أنَّ هديه أنَّ على الرَّأس رأسًا، وقد صحَّح عبد الحقِّ (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ وأنس أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عقَّ عن الحسن بكَبْشٍ، وعن الحسين بكَبْشٍ (٣) . وكان مولد الحسن في عام أُحدٍ، والحسين في العام القابل منه.
-
وروى الترمذي (٤) من حديث علي عنه قال: عَقَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن بشاةٍ، وقال: «يا فاطمةُ احْلِقي رأسَه، وتصدَّقي بزنةِ شعره فضَّةً» ، قال: فوزنَّاه، فكان وزنه درهمًا أو بعضَ درهمٍ. وهذا وإن لم يكن إسناده متَّصلًا فحديث أنس وابن عبَّاسٍ يكفيان.
قالوا: ولأنَّه نُسكٌ، فكان عن الرَّأس مثله، كالأضحيَّة ودم التَّمتُّع.
-
فالجواب: أنَّ أحاديث الشَّاتين عن الذَّكر والشَّاة عن الأنثى أولى أن يؤخذ بها لوجوهٍ:
ج ٣ ص ٣٩٣أحدها: كثرتها، فإنَّ رواتها: عائشة، وعبد الله بن عمرو، وأم كُرْز الكعبية، وأسماء.
-
فروى أبو داود (١) عن أم كُرْز قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاةٌ» .
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: مكافئتان مستويتان أو متقاربتان. قلت: هو مُكافَأَتان بفتح الفاء ومُكافِئَتان بكسرها، والمحدِّثون يختارون الفتح، قال الزَّمخشريُّ (٢) : لا فرق بين الرِّوايتين، لأنَّ كلَّ من كافأتَه فقد كافأك.
-
وروى أيضًا عنها: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أَقِرُّوا الطَّيرَ على مَكَناتها» ، وسمعتُه يقول: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ، لا يضرُّكم أذُكْرانًا كنَّ أو إناثًا» (٣) .
-
وعنها أيضًا ترفعه: «عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاةٌ» (٤) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
-
وقد تقدَّم حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدَّه في ذلك.
-
وعن عائشة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرهم: عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاةٌ. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥) .
- ج ٣ ص ٣٩٤
وروى إسماعيل بن عيَّاشٍ عن ثابت بن عجلان عن مجاهد عن أسماء عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يُعَقُّ عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاةٌ» (١) . قال مهنَّا: قلت لأحمد: من أسماء؟ قال: ينبغي أن تكون أسماء بنت أبي بكر.
-
وفي كتاب الخلال قال مهنَّا: قلت لأحمد: حدَّثنا خالد بن خِداشٍ، قال: ثنا عبد الله بن وهبٍ، قال: ثنا عمرو بن الحارث أنَّ أيُّوب بن موسى حدَّثه أنَّ يزيد بن عبد الله المزني حدَّثه عن أبيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُعَقُّ عن الغلام، ولا يُمَسُّ رأسُه بدمٍ» ، وقال: «في الإبل فَرَعٌ، وفي الغنم فَرَعٌ» (٢) ، فقال أحمد: ما أظرفَه (٣) ! ولا أعرف يزيد بن عبد الله (٤) المزني، ولا هذا الحديث. فقلت له: أتنكره؟ قال: لا أعرفه، وقصَّة الحسن والحسين حديثٌ واحدٌ.
-
الثَّاني: أنَّها من فعل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأحاديث (٥) الشَّاتين من قوله، وقوله
ج ٣ ص ٣٩٥عامٌّ، وفعله يحتمل الاختصاص.
-
الثَّالث: أنَّها متضمِّنةٌ (١) لزيادةٍ، فكان الأخذ بها أولى.
-
الرَّابع: أنَّ الفعل يدلُّ على الجواز، والقول يدلُّ على الاستحباب، والأخذ بهما ممكنٌ، فلا وجهَ لتعطيل أحدهما.
-
الخامس: أنَّ قصَّة الذَّبح عن الحسن والحسين كانت (٢) عامَ أُحُدٍ والعام الذي بعده، وأم كُرْز سمعت من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما روته عام الحديبية سنة ستٍّ بعد الذَّبح عن الحسن والحسين، قاله النسائي في «كتابه الكبير» (٣) .
-
السَّادس: أنَّ قصَّة الحسن والحسين يحتمل أن يُراد بها بيان جنس المذبوح وأنَّه من الكِبَاش، لا تخصيصه بالواحد، كما قالت عائشة: «ضحَّى عن نسائه بقرةً، وكنَّ تسعًا» (٤) ، ومرادها الجنسُ لا التَّخصيص بالواحدة.
-
السَّابع: أنَّ الله سبحانه فضَّل الذَّكر على الأنثى، كما قال: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: ٣٦] ، ومقتضى هذا التَّفاضل ترجيحه عليها في الأحكام، وقد جاءت الشَّريعة بهذا التَّفضيل في جعل الذَّكر كالأنثيين في الشَّهادة والميراث والدِّية، فكذلك أُلحِقت العقيقة بهذه الأحكام.
-
الثَّامن: أنَّ العقيقة تُشبِه العتق عن المولود، فإنَّه رهينٌ بعقيقته، فالعقيقة تفكُّه وتُعتِقه، فكان الأولى أن يعقَّ عن الذَّكر بشاتين وعن الأنثى بشاةٍ، كما
ج ٣ ص ٣٩٦أنَّ عتق الأنثيين يقوم مقام عتق الذَّكر. كما في «جامع الترمذي» (١) وغيره عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ امرأً مسلمًا، كان فِكاكَه من النَّار، يَجزِي كلُّ عضوٍ منه عضوًا منه، وأيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فِكاكَه (٢) من النَّار، يَجزي كلُّ عضوٍ منهما عضوًا منه، وأيُّما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقتْ امرأةً مسلمةً كانت فِكاكَها من النَّار، يَجزي كلُّ عضوٍ منها عضوًا منها». وهذا حديثٌ صحيحٌ.
-
فصل
ذكر أبو داود في «المراسيل» (٣) عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في العقيقة الَّتي عقَّتها فاطمة عن الحسن والحسين: أن يبعثوا إلى بيت القابلة برِجْلٍ، وكلوا وأَطعِموا، ولا تكسروا منها عظمًا.
-
فصل
ذكر ابن أيمن (٤) من حديث أنس (٥) أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عقَّ عن نفسه بعد ما