فصل في كراهية تسمية العشاء بالعتمة

٣ فقرات، ج ٣ ص ٤١٧

  1. فلا يُمنَع من تسميته بالكرم (١) ، كما قال في المسكين (٢) والرَّقوب (٣) والمفلس (٤) ، أو المراد أنَّ تسميته بهذا مع اتِّخاذ الخمر المحرَّم منه وصفٌ بالكرم والخير والمنافع لأصل هذا الشَّراب الخبيث المحرَّم، وذلك ذريعةٌ إلى مدْحِ ما حرَّم الله وتهييجِ النُّفوس عليه؟ هذا محتملٌ (٥) ، والله أعلم بمراد رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والأولى أن لا يُسمَّى شجر العنب كَرْمًا.

    ج ٣ ص ٤١٧
  2. فصل

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَغلِبَنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم، ألا وإنَّها العِشاء، وإنَّهم يُسمُّونها العَتَمَة» (٦) ، وصحَّ عنه أنَّه قال: «لو يعلمون ما في العَتَمِة والصُّبح لأَتَوهما ولو حَبْوًا» (٧) ، فقيل: هذا ناسخٌ للمنع، وقيل بالعكس، والصَّواب خلاف القولين، فإنَّ العلم بالتاريخ متعذِّرٌ، ولا تعارضَ بين

    ج ٣ ص ٤١٨الحديثين، فإنَّه لم يَنْهَ عن إطلاق اسم العَتَمة بالكلِّيَّة، وإنَّما نهى عن أن يُهْجَر اسم العِشاء، وهو الاسم الذي سمَّاها (١) الله به (٢) في كتابه، ويغلب عليه اسم العتمة، فإذا سُمِّيت العشاء وأُطلِق عليها أحيانًا العَتَمة فلا بأس، والله أعلم.

  3. وهذا محافظةً منه - صلى الله عليه وسلم - على الأسماء الَّتي سمَّى الله بها العبادات، فلا تُهْجَر ويُؤثَرُ عليها غيرُها، كما فعله المتأخِّرون في هجران ألفاظ النُّصوص، وإيثارِ المصطلحات الحادثة عليها، ونشأ بسبب هذا من الفساد ما الله به عليمٌ. وهذا كما كان يحافظ على تقديم ما قدَّمه اللَّه، وتأخيرِ ما أخَّره، كما بدأ بالصَّفا وقال: «أبدأُ (٣) بما بدأَ الله به» (٤) ، وبدأ في العيد بالصَّلاة ثمَّ نحرَ بعدها، وأخبر أنَّ من ذَبحَ قبلَها فلا نُسكَ له (٥) ، تقديمًا لما بدأ الله به (٦) من قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢] ، وبدأ في أعضاء الوضوء بالوجه ثمَّ اليدين ثمَّ الرَّأس ثمَّ الرِّجلين، تقديمًا لما قدَّمه اللَّه، وتأخيرًا لما أخَّره، وتوسيطًا لما وسَّطه، وقدَّم زكاة الفطر على صلاة العيد تقديمًا لما قدَّمه الله (٧) في قوله: { (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} [الأعلى: ١٤] ، ونظائره كثيرةٌ.