فصل فيما يقوله ويفعله من بلي بالوسواس
٦ فقرات، ج ٣ ص ٥٣٣
- ج ٣ ص ٥٣٣
وما يستعين به على ردّ (٨) الوسوسة
روى صالح بن كَيْسان، عن عبيد الله بن عبد الله (٩) ، عن ابن مسعودٍ
ج ٣ ص ٥٣٤يرفعه: «إنَّ للملَك بقلب ابن آدم لمَّةً، وللشَّيطان لمَّةً، فلمَّة المَلكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ ورجاءُ صالح ثواب، ولمَّةُ الشَّيطان إيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ وقنوطٌ من الخير، فإذا وجدتم لمَّةَ الملَك فاحمدوا الله وسَلُوه من فضله، وإذا وجدتم لمَّةَ الشَّيطان فاستعيذوا بالله واستغفروه» (١) .
وقال له عثمان بن العاص (٢) : حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: «ذاك شيطانٌ يقال له خِنْزَبٌ، فإذا أحسستَه فتعوَّذْ بالله منه، واتْفُلْ عن يسارِك ثلاثًا» (٣) .
-
وشكا إليه الصَّحابة أنَّ أحدهم يجد في نفسه ما (٤) لأن يكون حُمَمةً أحبُّ إليه من أن يتكلَّم به، فقال: «اللَّه أكبر (٥) ، الحمد لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسة» (٦) .
- ج ٣ ص ٥٣٥
وأرشدَ من بُلِيَ بشيءٍ من وسوسة التَّسلسل في الفاعلين، إذا قيل له: هذا الله خلقَ الخلْقَ، فمَن خلقَ اللَّه؟ أن يقرأ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (١) [الحديد: ٣] .
-
وكذلك قال ابن عبَّاسٍ لأبي زُمَيل (٢) وقد سأله (٣) : ما شيءٌ أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلَّمُ به. قال فقال لي: أشيءٌ من شكٍّ؟ قلت: بلى، فقال لي: ما نجا من ذلك أحدٌ (٤) ، فإذا وجدتَ في نفسك شيئًا فقلْ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (٥) .
-
فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التَّسلسل الباطل ببديهة العقل، وأنَّ سلسلة المخلوقات في ابتدائها (٦) تنتهي إلى أوَّلٍ ليس قبله شيءٌ، كما تنتهي في آخرها إلى آخرٍ ليس بعده شيءٌ، كما أنَّ ظهوره هو العلوُّ الذي ليس فوقه فيه شيءٌ، وبطونه هو الإحاطة الَّتي لا يكون دونه فيها شيءٌ، ولو كان قبله شيءٌ يكون مؤثِّرًا فيه لكان ذلك هو الرَّبَّ الخلَّاق، ولا بدَّ أن ينتهي الأمر إلى
ج ٣ ص ٥٣٦خالقٍ غير مخلوقٍ، غنيٍّ عن غيره، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليه، قائمٍ بنفسه، وكلُّ شيءٍ قائمٌ به، موجودٍ بذاته، وكلُّ شيءٍ موجودٌ به، قديمٍ لا أوَّلَ له، وكلُّ ما سواه فوجوده بعد عدمه، باقٍ بذاته، وبقاءُ كلِّ شيءٍ به (١) ، فهو الأوَّل الذي ليس قبله شيءٌ، الآخِرُ الذي ليس بعده شيءٌ، الظَّاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، الباطن الذي ليس دونه شيءٌ.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزالُ النَّاس يتساءلون حتَّى يقول قائلهم: هذا الله (٢) خلقَ الخلْقَ، فمن خلقَ اللَّه؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فلْيستعِذْ بالله ولْينتهِ» (٣) . وقد قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: ٣٦] .
-
ولمَّا كان الشَّيطان نوعين: نوعًا يُرى عيانًا وهو شيطان الإنس، ونوعًا لا يُرى وهو شيطان الجنِّ، أمر سبحانه نبيَّه أن يكتفيَ شرَّ شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفوِ، والدَّفعِ بالَّتي هي أحسن، ومن شيطان الجنِّ بالاستعاذة بالله منه (٤) ، وجمعَ بين النَّوعين في سورة الأعراف وسورة المؤمنين وسورة فصِّلت، والاستعاذة والقراءة والذِّكر أبلغُ في دفع شياطين الجنِّ، والعفو والإعراض والدَّفع بالإحسان أبلغُ في دفع شرِّ شياطين الإنس.
فما هو إلا الاستعاذةُ ضارِعًا ... أو الدَّفعُ بالحُسنى هما خيرُ مطلوبِ
ج ٣ ص ٥٣٧فهذا دواءُ الدَّاء من شرِّ مَن يُرى (١) ... وذاك دواء الدَّاء من شرِّ محجوبِ (٢)