فصل: موت خديجة وأبي طالب وخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف

٥ فقرات، ج ٤ ص ٣٨

  1. وجماعةٍ من قريش فأجابوه إلى ذلك، ثم أطلع الله رسولَه على أمر صحيفتهم وأنَّه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميعَ ما فيها من جَوْرٍ وقطيعة وظلم إلا ذكرَ الله عز وجل، فأخبر بذلك عمَّه فخرج إلى قريش وأخبرهم بأنَّ ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلَّينا بينكم وبينه وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظُلْمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الشعب (١) ، قال ابن عبد البر (٢) : بعد عشرة أعوام من المبعث. قال: ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غيرُ ذلك.

    ج ٤ ص ٣٨
  2. فصل

    فلما نُقِضت الصحيفة وافق موتَ خديجة وموت أبي طالب، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفهاء قومه، وتجرَّؤوا عليه وكاشفوه بالأذى، فخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف رجاء أن يُؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم (٣) ، ودعاهم إلى الله عز وجل فلم يرَ من

    ج ٤ ص ٣٩يُؤوي ولم يرَ ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشدَّ الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيامٍ لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه (١) وكلَّمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغرَوا به سفهاءَهم، فوقفوا له سِماطَين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دَمِيَتْ قدماه، وزيدُ بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إلى مكة محزونًا.

  3. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاءِ الطائف: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقِلَّة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيد يتجهَّمني (٢) ؟ أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غيرَ أنَّ عافيتك هي (٣) أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ وصَلَح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزلَ بي سخطُك؛ لك العُتْبى (٤) حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» (٥) .

  4. فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملَكَ الجبال يستأمره أن يُطبِق الأخشَبَين على أهل مكة ــ وهما جبلاها اللذان هي بينهما ــ، فقال: «بل أستأني بهم، لعل الله يُخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا» (١) .

    ج ٤ ص ٤٠
  5. فلما نزل بنخلةَ (٢) في مرجعه قام يصلي من الليل، فصرف الله إليه نفرًا من الجن فاستمعوا قراءته، ولم يشعر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل عليه: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] (٣) .