- ذكر استشهاد أنس بن النضر وغيره من الصحابة
٦ فقرات، ج ٤ ص ٢٤١
- ج ٤ ص ٢٤١
الدم عنه ويقول: «كيف يفلح قوم شجُّوا نبيَّهم وكسروا رَباعيته وهو يدعوهم؟!» فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: ١٢٨] .
-
ولما انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ــ يعني: المسلمين ــ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ــ يعني: المشركين ــ، ثم تقدَّم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واهًا لريح الجنة يا سعد! إني أجده دون أُحُدٍ، ثم مضى فقاتل القوم حتى قُتِل، فما عُرِف حتى عرفتْه أختُه ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنةٍ برمح وضربةٍ بسيف ورميةٍ بسهم (١) .
-
وانهزم المشركون أول النهار كما تقدم، فصرخ فيهم إبليس: أي عباد الله أُخراكم! فرجعوا (٢) من الهزيمة فاجتلَدوا، ونظر حذيفة إلى أبيه والمسلمون يريدون قتلَه وهم يظنونه من المشركين فقال: أي عباد الله، أبي! فلم يفهموا قولَه حتى قتلوه، فقال: يغفر الله لكم، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَدِيَه، فقال: قد تصدقتُ بدمه على المسلمين، فزاد ذلك حذيفة خيرًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
ج ٤ ص ٢٤٢وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: «إن رأيته فأقرِه (١) مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف تجدك؟ » قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيتُه وهو في آخر رمقٍ وبه سبعون ضربةً ما بين طعنة برمحٍ وضربةٍ بسيف ورمية بسهم، فقلت: يا سعدُ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليك السلام ويقول لك: خَبِّرْني (٢) كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله السلام، قل له: يا رسول الله، أجدُ ريحَ الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذر لكم عند الله إن خُلِص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيكم عين تَطْرِف؛ وفاضت نفسه من وقته (٣) .
-
ومرَّ رجل من المهاجرين برجلٍ من الأنصار وهو يتشحَّطُ في دمه فقال: يا فلان، أشعرتَ أن محمدًا قد قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ، فقاتِلُوا عن دينكم، فنزل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
ج ٤ ص ٢٤٣الرُّسُلُ} الآية (١) [آل عمران: ١٤٤] .
وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيتُ في النوم قبل أُحُدٍ مُبشِّرَ بن عبد المنذر يقول لي: أنت قادمٌ علينا في أيام، فقلت: وأين أنت؟ قال: في الجنة نسرح فيها كيف نشاء. قلت له: ألم (٢) تُقتَل يوم بدر؟ قال: بلى ثم أُحْيِيت، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هذه الشهادة يا أبا (٣) جابر» (٤) .
-
وقال خيثمةُ أبو سعدِ بن خيثمة ــ وكان ابنه استشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ــ: لقد أخطأتْني وقعةُ بدرٍ، وكنت والله عليها حريصًا حتى (٥) ساهمتُ ابني في الخروج، فخرج سهمُه فرُزِق الشهادة، وقد رأيت ابني البارحةَ في النوم في أحسن صورةٍ يَسرح في ثمار الجنة وأنهارِها ويقول: الحَقْ بنا تُرافِقْنا في الجنة، فقد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا، وقد واللهِ ــ يا رسول الله ــ أصبحتُ مشتاقًا إلى مُرافقته في الجنة، وقد كَبِرت سِنِّي ورقَّ عظمي وأحببتُ
ج ٤ ص ٢٤٤لقاءَ ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقةَ سعدٍ في الجنة؛ فدعا له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقُتِل بأحد شهيدًا (١) .
وقال عبدُ الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهم إني أُقسم عليك أن ألقى العدوَّ غدًا فيقتلوني ثم يَبقُرُوا بطني ويَجدَعُوا أنفي وأذني، ثم تسألني: بِمَ (٢) ذلك؟ فأقول: فيك (٣) .
-
وكان عمرُو بن الجَمُوح أعرجَ (٤) شديدَ العَرَج، وكان له أربعة (٥) بنين شبابٍ يغزون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا، فلما توجَّه إلى أُحُد أراد أن يتوجَّه معه، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصةً، فلو قعدت فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا