فصل: الخلاف في عطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لقريش والمؤلفة قلوبهم: هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟

٦ فقرات، ج ٤ ص ٦٠٢

  1. وهذا العطاء الذي أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - لقريش والمؤلفةِ قلوبُهم هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخُمس، أو من خمس الخمس؟

    فقال الشافعي ومالك: هو من خمس الخمس (١) ، وهو سهمه - صلى الله عليه وسلم - الذي جعله الله له من الخمس، وهو غير الصفي وغير ما يصيبه من المغنم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستأذن الغانمين في تلك العطية، ولو كان العطاء من أصل الغنيمة لاستأذنهم لأنهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس لأنه مقسوم على خمسة، فهو إذًا من خمس الخمس.

    ج ٤ ص ٦٠٢
  2. وقد نص الإمام أحمد (٢) على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفَّل النبي - صلى الله عليه وسلم - به رؤوس القبائل والعشائر ليتألَّفهم به وقومَهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده (٣) لِما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله واستجلابِ عدوِّه إليه؛ وهكذا (٤) وقع سواءً، كما قال بعض هؤلاء الذين نفلهم: «لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه لأبغض الخلقِ إليَّ، فما زال يعطيني حتى إنه

    ج ٤ ص ٦٠٣لأحب الخلق إلي» (١) .

  3. فما ظنك بعطاء قوَّى الإسلام وأهله وأذلَّ الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا غضب لغضبهم أتباعُهم وإذا رضوا رضوا لرضاهم، فإذا أسلم هؤلاء لم يتخلف عنهم أحد من قومهم؛ فللّاه ما أعظمَ موقعَ هذا العطاءِ وما أجداه وأنفعَه للإسلام (٢) وأهله.

  4. ومعلوم أن الأنفال لله ولرسوله، يقسمها رسولُه حيث أمره لا يتعدى الأمر، فلو وَضع الغنائمَ بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل.

  5. ولمَّا عَميت أبصارُ ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة قال له قائلهم: «اعدل فإنك لم تعدل» ، وقال مُشْبِهُه: «إن هذه لَقسمةٌ ما أريد بها وجه الله» (٣) ، ولعَمرُ الله إن هؤلاء مِن أجهل الخلق برسوله ومعرفتِه بربه وطاعتِه له، وتمامِ عدله، وإعطائه لله ومنعه لله.

  6. ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملةً كما منعهم غنائم مكة وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلِّط عليها نارًا من السماء تأكلها (٤) ، وهو في ذلك كله أعدل العادلين وأحكم الحاكمين، وما فعل ما