فصل في قدوم وفد خولان

٣ فقرات، ج ٤ ص ٨٣٦

  1. وقدم عليه - صلى الله عليه وسلم - في شعبان سنة عشرٍ وفدُ خولان وهم عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن على مَن وراءنا مِن قومنا، ونحن مؤمنون بالله عز وجل ومصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حُزُونَ الأرض وسهولها ـ والمنة لله ورسوله (١) علينا ـ، وقدمنا زائرين لك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما ما ذكرتم من مسيركم إليَّ، فإن لكم بكل خطوة خطاها بعيرُ أحدكم حسنةً، وأما قولكم: زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة» ، قالوا: يا رسول الله، هذا السفر الذي لا تَوى عليه (٢) .

    ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما فعل عمُّ أنس (٣) ؟» ــ وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه ــ، قالوا: بِشَرٍّ (٤) ، بدَّلنا اللهُ به ما جئتَ به، وقد بقيت منا بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به، ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء الله، فقد كنا منه في غرور وفتنة، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وما أعظمَ ما رأيتم مِن فتنته؟» قالوا: لقد رأيتنا وأَسْنَتْنا حتى أكلنا الرِّمَّة (٥) فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا به مائةَ ثورٍ ونحرناها لعمِّ أنس قربانًا في غداة واحدة، وتركناها تَرِدها

    ج ٤ ص ٨٣٧السباع ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العُشب يواري الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.

    ج ٤ ص ٨٣٦
  2. وذكروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءًا له وجزءًا لله بزعمهم قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطَه فنسمِّيه له ونسمِّي زرعًا آخر حَجْرةً (١) لله، فإذا مالت الريح فالذي سمينا لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح فالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله، فذكر لهم (٢) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله أنزل عليه في ذلك {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ... } الآية [الأنعام: ١٣٦] . قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنُكَلَّم (٣) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تلك الشياطين تكلمكم» .

  3. وسألوه عن فرائض الدين فأخبرهم، وأمرهم بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة وحُسنِ الجوار لمن جاوروا، وأن لا يظلموا أحدًا، قال: «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» . ثم ودَّعوه بعد أيام وأجازهم فرجعوا إلى قومهم، فلم يحلُّوا عقدةً حتى هدموا عم أنس (٤) .