فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قص الشارب
٩ فقرات، ج ٢ ص ١٩١
- ج ٢ ص ١٩١
قال أبو عمر بن عبد البر (٢) : روى الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ج ٢ ص ١٩٢كان يقُصُّ شاربه، ويَذْكر أن إبراهيم كان يقُصُّ شاربه (١) . ووقفه طائفة عن (٢) ابن عباس (٣) .
-
وروى الترمذي (٤) من حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يأخذ (٥) من شاربه فليس منَّا»، وقال: حديث صحيح (٦) .
-
وفي «صحيح مسلم» (٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جُزُّوا الشوارب، وأرخوا اللِّحى: خالفوا المجوس» .
-
وفي «الصحيحين» (٨) عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خالِفوا المشركين: وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب» .
-
وفي «صحيح مسلم» (٩) عن أنس قال: وُقِّت لنا في قصِّ الشوارب وتقليم الأظفار أن لا نترك (١٠) أكثر من أربعين ليلةً.
-
واختلف السلف في قصِّ الشارب وحلقه أيهما أفضل؟ فقال مالك في «موطَّئه» (١١) : يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار. ولا يجُزُّه، فيمثِّلُ بنفسه.
-
وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال: ويُحفي الشوارب ويُعفي اللِّحى. وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى أن يؤدَّب من حلَق شاربه.
ج ٢ ص ١٩٣وقال ابن القاسم عنه (١) : إحفاء الشارب عندي مثلة. قال مالك: وتفسير حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في إحفاء الشارب إنما هو الإطار. وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه.
وقال أشهَبُ عنه في (٢) حلق الشارب: إنه بدعة، وأرى أن يُوجَع ضربًا مَن فَعَله.
قال مالك: وكان عمر بن الخطاب إذا كرَبه أمرٌ نفَخ، فجعل رجلٌ يُرادُّه (٣) ، وهو يفتِل شاربه (٤) .
وقال عمر بن عبد العزيز (٥) : السنة في الشارب: الإطار.
وقال الطحاوي: ولم نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابه الذين رأيناهم: المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي، قال: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان
ج ٢ ص ١٩٤مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر ابن خُواز مَنداد (١) عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة. هذا قول أبي عمر (٢) .
-
وأما الإمام أحمد فقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا. وسمعته يُسأَل عن السنَّة في (٣) إحفاء الشارب، فقال: يُحفي كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحفُوا الشوارب» (٤) .
وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويُحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًّا فلا بأس (٥) .
وقال أبو محمد في «المغني» (٦) : وهو مخيَّر بين أن يُحفيه، وبين أن يقُصَّه من غير إحفاء.
ج ٢ ص ١٩٥قال الطحاوي (١) : وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ من شاربه على سواك (٢) ، وهذا لا يكون معه إحفاء.
واحتجَّ من لم ير إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين: «عشر من الفطرة ... » (٣) ، فذكر منها قصَّ الشارب. وفي حديث أبي هريرة (٤) المتفق عليه (٥) : «الفطرة خمس ... » فذكر (٦) منها قصَّ الشارب.
-
واحتج المُحْفُون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجُزُّ شاربه (٧) .
قال الطحاوي: وهذا (٨) الأغلب فيه الإحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: «جُزُّوا الشوارب، وأرخُوا اللِّحى» (٩) . قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضًا. وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أُسَيد، ورافع بن خَديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة، أنهم كانوا يُحْفُون شواربهم. وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: رأيت ابن عمر يُحفي شاربه كأنه يَنْتِفه (١٠) .