فصل في منافع الحجامة

١٦ فقرة، ج ٥ ص ٧٠

  1. وعلى أهله، وواحدٌ يحجُمه ويحجُم أهلَه. قال: وقال ابن عبَّاسٍ: قال نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم العبد الحجَّام! يُذهِبُ الدَّمَ، ويخفِّف (١) الصُّلبَ، ويجلو عن البصر». وقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين (٢) عُرِج به ما مرَّ على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: عليك بالحجامة. وقال: «إنَّ خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم إحدى وعشرين» .

    وقال: «إنَّ خير ما تداويتم به السَّعوط، واللَّدود، والحجامة، والمشي» . وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لُدَّ، فقال: «من لدَّني؟» ، فكلُّهم أمسكوا، فقال: «لا يبقى أحدٌ في البيت إلا لُدَّ إلا العبَّاس» . قال: هذا حديثٌ غريبٌ. ورواه ابن ماجه.

    ج ٥ ص ٧٠
  2. فصل (٣)

  3. فأما منافع الحجامة، فإنَّها تنقِّي سطح البدن أكثر من الفصد. والفصدُ لأعماق البدن أفضل. والحجامة تستخرج الدَّم من نواحي الجلد (٤) .

    قلت: والتَّحقيق (٥) في أمرها وأمر الفصد أنَّهما يختلفان باختلاف الزَّمان والمكان والأسنان (٦) والأمزجة. فالبلاد الحارَّة والأزمنة الحارَّة والأمزجة الحارَّة الَّتي دمُ أصحابها في غاية النُّضج، الحجامةُ فيها أنفَعُ من الفصد بكثيرٍ

    ج ٥ ص ٧١فإنَّ الدَّم ينضج ويرِقُّ (١) ويخرج إلى سطح الجسد الدَّاخل، فتُخْرِجه الحجامةُ ما لا يُخرجه الفصد. ولذلك كانت أنفع للصِّبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد.

  4. وقد نصَّ الأطبَّاء (٢) على أنَّ البلاد الحارَّة الحجامةُ فيها أنفَعُ وأفضلُ من الفصد، وتستحبُّ في وسط الشَّهر وبعد وسطه؛ وبالجملة في الرُّبع الثَّالث من أرباع الشَّهر، لأنَّ الدَّم في أوَّل الشَّهر لم يكن بعد قد هاجَ وتبيَّغ، وفي آخره يكون قد سكن. وأمَّا في وسطه وبُعَيدَه، فيكون في نهاية التَّزيُّد.

    قال صاحب «القانون» (٣) : ويؤمر باستعمال الحجامة، لا في أوَّل الشَّهر لأنَّ الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت، ولا في آخره لأنَّها تكون قد نقصت، بل في وسط الشَّهر حين تكون الأخلاط هائجةً بائغةً (٤) في تزيُّدها لتزيُّد النُّور في جِرْم القمر.

  5. وقد روي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «خيرُ ما تداويتم به الحجامة والفصد» (٥) .

  6. وفي حديثٍ: «خيرُ الدَّواء الحِجامة والفِصاد (١) » (٢) . انتهى (٣) .

    ج ٥ ص ٧٢
  7. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير ما تداويتم به الحجامة» إشارةٌ إلى أهل الحجاز والبلاد الحارَّة، لأنَّ دماءهم رقيقةٌ، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم، لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد، ولأنَّ مسامَّ أبدانهم واسعةٌ وقواهم متخلخلةٌ، ففي الفصد لهم خطرٌ. والحجامة تفرُّقٌ اتِّصاليٌّ إراديٌّ، يتبعه استفراغٌ كلِّيٌّ من العروق، وخاصَّةً العروق الَّتي تُفصَد (٤) كثيرًا (٥) . ولفصد كلِّ واحدٍ منها نفعٌ خاصٌّ:

    ففصدُ الباسِليق (٦) ينفع من حرارة الكبد والطِّحال والأورام الكائنة فيهما من الدَّم، وينفع من أورام الرِّئة، وينفع الشَّوصةَ (٧) وذاتَ الجنب

    ج ٥ ص ٧٣وجميع الأمراض الدَّمويَّة العارضة من أسفل الرُّكبة إلى الورِك.

  8. وفصدُ الأكحَل ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويًّا وكذلك إذا كان الدَّم قد فسد في جميع البدن.

  9. وفصدُ القِيفال (١) ينفع من العلل العارضة في الرَّأس والرَّقبة من كثرة الدَّم أو فساده.

  10. وفصدُ الودَجين ينفع من وجع الطِّحال والرَّبو والبَهْر ووجع الجبين.

  11. والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق.

  12. والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرَّأس وأجزائه، كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف والحلق، إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده أو عنهما جميعًا.

    قال أنس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجم في الأخدعين والكاهل (٢) .

  13. وفي «الصَّحيحين» (١) : كان (٢) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتجم ثلاثًا: واحدةً على كاهله، واثنتين على الأخدعين.

    ج ٥ ص ٧٤
  14. وفي الصَّحيح (٣) عنه أنَّه احتجم ــ وهو محرِمٌ ــ في رأسه، لصداعٍ كان (٤) به.

  15. وفي (٥) «سنن ابن ماجه» (٦) عن علي: نزل جبريل على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحجامة الأخدعين والكاهل.

  16. وفي «سنن أبي داود» (٧) من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - احتجم في ورِكه