فصل في هديه في علاج عرق النسا
١٠ فقرات، ج ٥ ص ٩٧
- ج ٥ ص ٩٧
والدَّعوات والتَّوجُّه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطبَّاء، وأنَّ تأثيرَه وفعلَه وتأثُّرَ الطَّبيعة عنه وانفعالَها أعظمُ من تأثير الأدوية البدنيَّة وانفعال الطَّبيعة عنها. وقد جرَّبنا هذا مرارًا نحن وغيرنا، وعقلاءُ الأطبَّاء معترفون بأنَّ في فعلِ القوى النَّفسيَّة وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب. وما على الصِّناعة الطِّبِّيَّة أضرُّ من زنادقة القوم وسَفِلتهم وجهَّالهم.
-
والظَّاهر: أنَّ صرع هذه المرأة كان من هذا النَّوع. ويجوز أن يكون من جهة الأرواح، ويكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد خيَّرها بين الصَّبر على ذلك مع الجنَّة، وبين الدُّعاء لها بالشِّفاء، فاختارت الصَّبر والسَّتر. والله أعلم.
-
فصل
في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج عِرق النَّسا (١)
-
روى ابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث محمَّد بن سيرين (٣) عن
ج ٥ ص ٩٨أنس بن مالكٍ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «دواءُ عِرق النَّسا أَلْيةُ شاةٍ أعرابيَّةٍ تذاب، ثمُّ تجزَّأ ثلاثة أجزاءٍ، ثمَّ يُشْرَب على الرِّيق في كلِّ يومٍ جزءٌ» .
-
عِرْق النَّساء: وجعٌ يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلفٍ على الفخذ وربَّما امتدَّ على الكعب (١) . وكلَّما طالت مدَّته زاد نزوله, وتهزل معه الرِّجل والفخذ (٢) .
-
وهذا الحديث فيه معنًى لغويٌّ, ومعنًى طبِّيٌّ. فأمَّا اللُّغويُّ, فدليلٌ على جواز تسمية هذا المرض بعرق النَّسا خلافًا لمن منع هذه التَّسمية وقال: النَّسا هو العرق نفسه, فيكون من باب إضافة الشَّيء إلى نفسه, وهو ممتنعٌ. وجواب هذا القائل من وجهين:
أحدهما: أنَّ العرق أعمُّ من النَّسا, فهو من باب إضافة العامِّ إلى الخاصِّ نحو: كلُّ الدَّراهم أو بعضها (٣) .
-
الثَّاني: أنَّ النَّسا هو المرض الحالُّ بالعِرْق, والإضافة فيه من باب إضافة
ج ٥ ص ٩٩الشَّيء إلى محلِّه وموضعه (١) . قيل: وسمِّي بذلك, لأنَّ ألمه يُنسي ما سواه.
-
وهذا العرق ممتدٌّ من مفصل الورك، وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشيِّ فيما بين عظم السَّاق والوتر.
-
وأمَّا المعنى الطِّبِّيُّ، فقد تقدَّم أنَّ كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - نوعان:
أحدهما: عامٌّ بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال.
-
والثَّاني: خاصٌّ بحسب هذه الأمور أو بعضها. وهذا من هذا القسم فإنَّ هذا خطابٌ للعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم ولا سيَّما أعراب البوادي فإنَّ هذا العلاج من أنفع العلاج لهم، فإنَّ هذا المرض يحدُث من يُبْسٍ، وقد يحدُث من مادَّةٍ غليظةٍ لزجةٍ؛ فعلاجُها بالإسهال. والألْيةُ فيها الخاصَّتان (٢) : الإنضاج والتَّليين؛ ففيها الإنضاج (٣) والإخراج، وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وفي تعيين الشَّاة الأعرابيَّة قلَّةُ فضولها، وصغرُ مقدارها، ولطفُ جوهرها، وخاصِّيَّة مرعاها لأنَّها ترعى أعشاب البرِّ الحارَّة كالشِّيح والقَيصُوم ونحوهما (٤) . وهذه النَّباتات إذا تغذَّى بها الحيوان صار