فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعين

٥١ فقرة، ج ٥ ص ٢٣١

الصفحة ١ من ٢

  1. روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «العين حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابَقَ القدَرَ لسبقته العينُ» .

    ج ٥ ص ٢٣١
  2. وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عن أنس أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: رخَّص في الرُّقية من الحُمَة والعين والنَّملة.

  3. وفي «الصَّحيحين» (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «العين حقٌّ» .

  4. وفي «سنن أبي داود» (٥) عن عائشة قالت: كان يؤمر العائنُ فيتوضَّأ، ثمَّ يغتسل منه المَعِينُ.

  5. وفي «الصَّحيحين» (١) عن عائشة قالت: أمرني النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ــ أو أمر ــ أن نسترقي (٢) من العين.

    ج ٥ ص ٢٣٢
  6. وذكر الترمذي (٣) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزُّرَقي أنَّ أسماء بنت عُمَيس قالت: يا رسول الله، إنَّ بني جعفرٍ تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ فقال: «نعم، فلو كان شيءٌ يسبِق القضاءَ لسبقته العينُ» . قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

  7. وروى مالك (٤) عن ابن شهابٍ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ قال: رأى عامرُ بن ربيعة سهلَ بن حُنَيفٍ يغتسل، فقال: والله ما رأيتُ كاليوم ولا

    ج ٥ ص ٢٣٣جلدَ مخبَّأةٍَ! قال: فلُبِطَ سهلٌ (١) . فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عامرٌ، فتغيَّظ عليه، وقال: «علام يقتل أحدُكم أخاه؟ ألَّا برَّكتَ! اغتَسِلْ له» . فغسل (٢) عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلةَ إزاره في قدَحٍ، ثمَّ صُبَّ عليه، فراح مع النَّاس.

  8. وروى مالك (٣) أيضًا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه هذا الحديث وقال فيه: «إنَّ العين حقٌّ، توضَّأْ له» ، فتوضَّأ له.

  9. وذكر عبد الرزاق (٤) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مرفوعًا: «العين حقٌّ. ولو كان شيءٌ سابقَ القدَر لسبقَتْه العينُ. وإذا استُغْسِلَ أحدكم فليغتسِلْ» . ووصله صحيحٌ.

    قال الزُّهريُّ: يؤتى (٥) الرَّجل العائن بقدَحٍ، فيُدْخِل كفَّه فيه، فيتمضمض ثمَّ يمجُّه في القدح، ويغسل وجهه في القدح. ثمَّ يُدخِل يده اليسرى، [فيصبُّ على كفِّه اليمنى في القدح. ثم يُدخِل يده اليمنى، فيصبُّ على يده اليسرى. ثم

    ج ٥ ص ٢٣٤يُدخِل يده اليسرى، فيصُبُّ على مرفقه الأيمن. ثم يُدخل يده اليمنى، فيصبُّ على مرفقه الأيسر. ثم يُدخل يده اليسرى، فيصبُّ على قدمه اليمنى. ثم يدخل يده اليمنى, فيصبُّ على قدمه اليسرى. ثم يُدخِل يده اليُسْرى] (١) فيصُبُّ على ركبته اليمنى في القدح. ثمَّ يُدخل يده اليمنى, فيصبُّ على ركبته اليسرى. ثمَّ يغسل داخلةَ إزاره. ولا يوضع القدَحُ في الأرض. ثمَّ يُصَبُّ على رأس الرَّجل الذي تصيبه العين من خلفه صبَّةً واحدةً (٢) .

  10. والعين عينان: عينٌ إنسيَّةٌ، وعينٌ جنِّيَّةٌ. فقد صحَّ عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى في بيتها جاريةً, في وجهها سَفْعةٌ، فقال: «استرقُوا لها، فإنَّ بها النَّظرة» (٣) .

    قال الحسين بن مسعود الفراء (٤) : وقوله: «سفعةٌ» أي نظرةٌ، يعني: من الجنِّ. يقول: بها عينٌ أصابتها من نظر الجنِّ. [وقيل: عيون الجنّ] (٥) أنفَذُ من أسنَّة الرِّماح.

  11. ويذكر عن جابر يرفعه: «إنَّ العينَ لَتُدخِلُ الرَّجلَ القبرَ، والجملَ القِدْرَ» (١) .

    ج ٥ ص ٢٣٥
  12. وعن أبي سعيد: كان (٢) النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتعوَّذ من الجانِّ، ومن عين الإنسان (٣) .

  13. فأبطلت طائفةٌ ممَّن قلَّ نصيبهم من السَّمع والعقل أمرَ العين، وقالوا: إنَّما ذلك أوهامٌ لا حقيقة لها. وهؤلاء من أجهل النَّاس بالسَّمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم طباعًا، وأبعدهم معرفةً عن الأرواح والنُّفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها. وعقلاءُ الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين.

    فقالت طائفةٌ (٤) : إنَّ العائن إذا تكيَّفت نفسه بالكيفيَّة الرَّديَّة انبعث من

    ج ٥ ص ٢٣٦عينه قوَّةٌ سمِّيَّةٌ تتَّصل بالمَعِين، فيتضرَّر. قالوا: ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوَّةٍ سمِّيَّةٍ من الأفعى تتَّصل بالإنسان، فيهلك. وهذا أمرٌ قد اشتهر عن نوعٍ من الأفاعي: أنَّها إذا وقع بصرها على الإنسان هلَك، فكذلك العائن.

    وقالت فرقةٌ أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض النَّاس جواهرُ لطيفةٌ غيرُ مرئيَّةٍ، فتتَّصل بالمعين، وتتخلَّل مسامَّ جسمه، فيحصل له الضَّرر.

    وقالت فرقةٌ أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضَّرر عند مقابلة عين العائن لمن يَعينه، من غير أن يكون منه سببٌ ولا قوَّةٌ (١) ولا تأثيرٌ أصلًا (٢) . وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتَّأثيرات في العالم. وهؤلاء قد سدُّوا على أنفسهم باب العلل والتَّأثيرات والأسباب، وخالفوا العقلاء أجمعين.

  14. ولا ريب أنَّ الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوًى وطبائع مختلفةً، وجعل في كثيرٍ منها خواصَّ وكيفيَّاتٍ مؤثِّرةً. ولا يمكن العاقلَ (٣) إنكارُ تأثير الأرواح في الأجسام، فإنَّه أمرٌ مشاهدٌ محسوسٌ. وأنت ترى الوجه كيف يحمرُّ حمرةً شديدةً، إذا نظر إليه مَن يحتشمه، فاستحيا منه! ويصفرُّ صفرةً شديدةً عند نظر من يخافه إليه! وقد شاهد النَّاس من يسقَم من النَّظر،

    ج ٥ ص ٢٣٧وتضعف قواه؛ وهذا كلُّه بواسطة تأثير الأرواح. ولشدَّة ارتباطها بالعين يُنسَب الفعلُ إليها، وليست هي الفاعلة، وإنَّما التَّأثير للرُّوح.

  15. والأرواح مختلفةٌ في طبائعها وقواها وكيفيَّاتها وخواصِّها. فروحُ الحاسد مؤذيةٌ للمحسود أذًى بيِّنًا، ولهذا أمر الله سبحانه رسولَه أن يستعيذ به من شرِّه. وتأثيرُ الحاسد في أذى المحسود أمرٌ لا ينكره إلا من هو خارجٌ عن حقيقة الإنسانيَّة. وهو أصل الإصابة بالعين، فإنَّ النَّفس الخبيثة الحاسدة تتكيَّف بكيفيَّةٍ خبيثةٍ مقابلَ (١) المحسود، فتؤثِّر فيه بتلك الخاصِّيَّة. وأشبَهُ الأشياء بهذا: الأفعى، فإنَّ السَّمَّ كامنٌ فيها بالقوَّة، فإذا قابلت عدوَّها انبعثت منها قوَّةٌ غضبيَّةٌ، وتكيَّفت نفسُها (٢) بكيفيَّةٍ خبيثةٍ مؤذيةٍ. فمنها: ما تشتدُّ كيفيَّتها وتقوى حتَّى تؤثِّر في إسقاط الجنين. ومنها: ما يؤثِّر في طمس البصر، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الأبتر وذي الطُّفْيتين من الحيَّات: «إنَّهما يلتمسان البصر، ويُسْقِطان الحَبَل» (٣) . ومنها: ما يؤثِّر في الإنسان كيفيَّتُها بمجرَّد الرُّؤية، من غير اتِّصالٍ به، لشدَّة خبث تلك النَّفس وكيفيَّتها الخبيثة المؤثِّرة.

  16. والتَّأثير غير موقوفٍ على الاتِّصالات الجسميَّة، كما يظنُّه مَن قلَّ علمه ومعرفته بالطَّبيعة والشَّريعة. بل التَّأثير يكون تارةً بالاتِّصال، وتارةً

    ج ٥ ص ٢٣٨بالمقابلة (١) ، وتارةً بالرُّؤية، وتارةً بتوجُّه الرُّوح نحو من يؤثِّر فيه، وتارةً بالأدعية والرُّقى والتَّعوُّذات، وتارةً بالوهم والتَّخيُّل. ونفس العائن لا يتوقَّف تأثيرها على الرُّؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشَّيءُ (٢) ، فتؤثِّر نفسه فيه وإن لم يره. وكثيرٌ من العائنين يؤثِّر في المَعِين بالوصف من غير رؤيةٍ.

  17. وقد قال تعالى لنبيِّه: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} (٣) [القلم: ٥١] .

    وقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: ١ - ٥] .

  18. فكلُّ عائنٍ حاسدٌ، وليس كلُّ حاسدٍ عائنًا، فلمَّا كان الحاسد أعمَّ من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذةً من العائن. وهي سهامٌ تخرج من نفس الحاسد والعائن نحوَ المحسود والمَعِين تصيبه تارةً، وتخطئه تارةً. فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه أثَّرت فيه ولا بدَّ. وإن صادفته حذِرًا شاكيَ السِّلاح لا منفذ فيه للسِّهام لم تؤثِّر فيه، وربَّما ردَّت السِّهام على صاحبها.

  19. وهذا بمثابة الرَّمي الحسِّيِّ سواءً. فهذا من النُّفوس والأرواح، وهذا من الأجسام والأشباح (١) .

    ج ٥ ص ٢٣٩
  20. وأصله من إعجاب العائن بالشَّيء. ثمَّ تتبعه كيفيَّة نفسه الخبيثة، ثمَّ يستعين على تنفيذ سَمِّيَّتها بنظره (٢) إلى المَعِين. وقد يَعين الرَّجل نفسه، وقد يَعين بغير إرادته بل بطبعه، وهذا أردأ (٣) ما يكون من النَّوع الإنسانيِّ. وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إنَّ من عُرِف بذلك حبَسه الإمامُ، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت. وهذا هو الصَّواب قطعًا (٤) .

  21. فصل

    والمقصود: العلاج النَّبويُّ لهذه العلَّة، وهو أنواعٌ.

  22. وقد روى أبو داود في «سننه» (٥) عن سهل بن حُنَيفٍ قال: مررنا بسَيْلٍ، فدخلت، فاغتسلت فيه، فخرجت محمومًا. فنُمِيَ (٦) ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٥ ص ٢٤٠فقال: «مروا أبا ثابت يتعوَّذ» . قال: فقلت: يا سيِّدي، والرُّقى صالحةٌ؟ فقال: «لا رقية إلا في نفسٍ أو حُمَةٍ أو لَدْغةٍ» .

  23. والنَّفس: العين. يقال: أصابت فلانًا نفسٌ أي: عينٌ. والنَّافس: العائن. واللَّدغة بدالٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ، وهي ضربة العقرب ونحوها.

  24. فمن التَّعوُّذات والرُّقى: الإكثارُ من قراءة المعوِّذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسيِّ. ومنها التَّعوُّذات النَّبويَّة نحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة، من كلِّ شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ» (١) .

  25. ونحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّات كلِّها من شرِّ ما خلق» (٢) .

  26. ونحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّات الَّتي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ، من شرِّ ما خلق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ ما ينزل من السَّماء، ومن شرِّ ما يعرُج فيها؛ ومن شرِّ ما ذرَأ في الأرض، ومن شرِّ ما يخرج منها؛ ومن شرِّ فِتَنِ اللَّيل والنَّهار، ومن شرِّ طوارق اللَّيل إلا طارقًا يطرق بخيرٍ، يا رحمن» (٣) .

  27. ومنها: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة من غضبه وعقابه، وشرِّ عباده، ومن

    ج ٥ ص ٢٤١همزات الشَّياطين وأن يحضُرونِ» (١) .

  28. ومنها: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التَّامَّات من شرِّ ما أنت آخذ بناصيته. اللَّهمَّ أنت تكشف المأثمَ والمغرَمَ. اللَّهمَّ إنَّه لا يُهزَم جندُك ولا يُخْلَف وعدُك، سبحانك وبحمدك» (٢) .

  29. ومنها: «أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلماته التَّامَّات الَّتي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ، وأسماءِ الله الحسنى ما علمتُ منها وما لم أعلم من شرِّ ما خلَق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ لا أطيق شرَّه، ومن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ ربِّي (٣) آخذٌ بناصيته. إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ» (٤) .

  30. ومنها: «اللَّهمَّ أنت ربِّي، لا إله إلا أنت، عليك توكَّلت، وأنت ربُّ العرش العظيم. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه. أعلم أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ الله قد أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا. اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ نفسي، وشرِّ الشَّيطان وشركه، ومن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنت آخذٌ بناصيتها. إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ» (١) .

    ج ٥ ص ٢٤٢
  31. وإن شاء قال: تحصَّنت (٢) بالله الذي لا إله إلا هو، إلهي وإلهِ كلِّ شيءٍ. واعتصمتُ بربِّي وربِّ كلِّ شيءٍ. وتوكَّلت على الحيِّ الذي لا يموت. واستدفعتُ الشَّرَّ بلا حول ولا قوَّة إلا باللَّه، حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الرَّبُّ من العباد. حسبي الخالق من المخلوق. حسبي الرَّازق من المرزوق. حسبي الذي هو حسبي. حسبي الذي بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ، وهو يجير ولا يجار عليه. حسبي الله وكفى. سمِع الله لمن دعا. ليس وراء الله مرمًى. حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكَّلت، وهو ربُّ العرش العظيم (٣) .

  32. ومن جرَّب هذه الدَّعوات والعُوَذ عرَف مقدارَ منفعتها وشدَّة الحاجة إليها. وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله، بحسب قوَّة إيمان قائلها، وقوَّةِ نفسه واستعداده، وقوَّةِ توكُّله وثباتِ قلبه؛ فإنَّها سلاحٌ، والسِّلاحُ بضاربه!

    ج ٥ ص ٢٤٣
  33. فصل

    وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمَعِين، فليدفع شرَّها بقوله: اللَّهمَّ بارك عليه، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعامر بن ربيعة لمَّا عان سهلَ بن حُنَيفٍ: «ألَّا برَّكتَ» (١) أي: قلتَ: اللَّهمَّ بارك عليه.

  34. وممَّا يدفع به إصابة العين قولُ: ما شاء الله لا قوَّة إلا باللَّه. روى هشام بن عروة عن أبيه أنَّه كان إذا رأى شيئًا يُعجبه، أو دخل حائطًا من حيطانه، قال: ما شاء اللَّه، لا قوَّة إلا باللَّه (٢) .

  35. ومنها: رقية جبريل للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الَّتي رواها مسلم في «صحيحه» (٣) : «باسم الله أرقيك، من كلِّ شيءٍ يؤذيك، من شرِّ كلِّ نفسٍ أو عينِ حاسدٍ، الله يشفيك، باسم الله أرقيك» .

  36. ورأى جماعةٌ من السَّلف أن تُكتَب له الآيات من القرآن، ثمَّ يشربها. فقال مجاهد: لا بأس أن يكتبَ القرآن ويغسِلَه ويسقيَه المريضَ (١) . ومثله عن أبي قِلابة (٢) .

    ج ٥ ص ٢٤٤
  37. ويذكر عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أمر أن يكتب لامرأةٍ تعسَّر عليها وِلادُها آيتين (٣) من القرآن، ثمَّ تُغسَل (٤) وتُسْقى (٥) .

    وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتابًا من القرآن، ثمَّ غسَله بماء، وسقاه رجلًا كان به وجعٌ (٦) .

  38. فصل

    ومنها: أن يؤمر العائن بغسل مغابنه، وأطرافه، وداخلة إزاره. وفيه (٧) قولان. أحدهما: أنَّه فرجه. والثَّاني: أنَّه طرف إزاره الدَّاخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن (٨) . ثمَّ يُصَبُّ على رأس المَعِين من خلفه بغتةً.

  39. وهذا ممَّا لا يناله علاج الأطبَّاء، ولا ينتفع به مَن أنكره، أو سَخِر منه، أو شكَّ فيه، أو فعَله مجرِّبًا لا يعتقد أنَّ ذلك ينفعه (١) . وإذا (٢) كان في الطَّبيعة خواصُّ لا تعرف الأطبَّاء عللها البتَّة، بل هي عندهم خارجةٌ عن قياس الطَّبيعة، تفعل بالخاصِّيَّة (٣) ، فما الذي تنكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواصِّ الشَّرعيَّة!

    ج ٥ ص ٢٤٥
  40. هذا مع أنَّ في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصَّحيحة وتُقِرُّ بمناسبته. فاعلم أنَّ تِرْياقَ سَمِّ الحيَّة في لحمها، وأنَّ علاج تأثير النَّفس الغضبيَّة في تسكين غضبها، وإطفاء ناره بوضع يدك عليه، والمسح عليه، وتسكين غضبه. وذلك بمنزلة رجلٍ معه شعلةٌ من نارٍ، وقد أراد أن يقذفك بها، فصببتَ عليها الماء، وهي في يده حتَّى طفئت.