قراءة الخلفاء الراشدين في الفجر والمراد بالتخفيف

٦ فقرات، ج ٢ ص ٢٣٩

  1. وتارةً بسورتي (١) (سبِّح) و (الغاشية) (٢) .

    ج ٢ ص ٢٣٩
  2. وهذا هو الهَدْي الذي استمرَّ عليه إلى أن لقي الله، لم ينسخه شيء. ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده. فقرأ أبو بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - في الفجر سورة (٣) (البقرة) حتى سلَّم منها قريبًا من طلوع الشمس، فقالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع. فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين! (٤) . وكان عمر -رضي الله عنه - يقرأ فيها بـ (يوسف) (٥) و (النحل) (٦) ، وبـ (هود) (٧) و (بني

    ج ٢ ص ٢٤٠إسرائيل) (١)

  3. ونحوها من السور ولو كان تطويله - صلى الله عليه وسلم - منسوخًا لم يخف على خلفائه ويطلع عليه النقارون.

  4. وأما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر بن سَمُرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يقرأ في الفجر بـ (قاف (٣) والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا»، فالمراد بقوله: «بعدُ» أي بعد الفجر، أي أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها، وصلاته بعدها تخفيفًا. ويدل على ذلك قول أمِّ الفضل وقد سمعتْ ابنَ عباس يقرأ (والمرسلات) فقالت: «يا بُنيَّ، لقد أذكرتَني (٤) بقراءتك هذه السورة. إنَّها لآخرُ ما سمعتُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب» (٥) . فهذا في آخر الأمر.

  5. وأيضًا فإن قوله: «وكانت صلاته بعدُ» غايةٌ قد حُذِف ما هي مضافة إليه، فلا يجوز إضمارُ ما لا يدلُّ عليه السياق، ويتركُ (٦) إضمار ما يقتضيه السياق، والسياق إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت (٧) تخفيفًا، لا يقتضي أن

    ج ٢ ص ٢٤١صلاته كلَّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفًا (١) . هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المراد لم يخفَ على خلفائه الراشدين، فيتمسَّكون بالمنسوخ ويدَعُون الناسخ.

  6. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّكم أمَّ الناسَ فَلْيخفِّفْ» (٢) ، وقول أنس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخفَّ الناس صلاةً في تمامٍ» (٣) ، فالتخفيف أمر نِسْبيٌّ يرجع إلى ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه. وقد عَلِم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به. فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من تلك (٤) بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها. وهديه الذي كان يواظب عليه هو الحاكم في كلِّ ما تنازع فيه المتنازعون. ويدل عليه ما رواه النسائي (٥) وغيره عن ابن عمر قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بالتخفيف، ويؤمُّنا بـ (الصَّافَّات) ». فالقراءة بـ (الصَّافَّات) من التخفيف الذي كان يأمر به. والله أعلم.