فصل في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من القراءة إلى رفع رأسه من الركوع

١٨ فقرة، ج ٢ ص ٢٤٥

  1. وأيضًا فإنها أساس العمل وأوله، فأعطيت فضلًا من الاهتمام بها وتطويلها.

    ج ٢ ص ٢٤٥
  2. وهذه أسرارٌ إنما يعرفها مَن له التفاتٌ إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحِكَمها. والله المستعان (١) .

  3. فصل

    وكان إذا فرغ من القراءة سكَت قدرَ (٢) ما يترادُّ إليه نفَسُه (٣) ، ثم رفع يديه كما تقدَّم، وكبَّر راكعًا، ووضع كفَّيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتَّر يديه فنحَّاهما عن جنبيه، وبسَط ظهرَه ومدَّه، واعتدل، فلم ينصِبْ رأسه ولم يخفِضه، بل يجعله حيالَ ظهره معادلًا له.

  4. وكان يقول: «سبحان ربي العظيم» (٤) . وتارةً يقول مع ذلك أو مقتصرًا عليه: «سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (٥) .

  5. وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات، وسجوده كذلك (٦) . وأما حديث البراء بن عازب: «رمَقتُ الصلاة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان قيامه، فركوعه، فاعتداله، فسجدته، فجلسته ما بين السجدتين= قريبًا من

    ج ٢ ص ٢٤٦السَّواء» (١) ، فهذا قد فهم منه بعضُهم أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجد بقدره، ويعتدل كذلك.

  6. وفي هذا الفهم شيء، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الصبح بالمائة آية ونحوها، وقد تقدَّم أنه قرأ في المغرب بـ (الأعراف) و (الطور) و (المرسلات) ، ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن بقدر هذه القراءة. ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل «السنن» (٢) أنه قال: ما صلَّيتُ وراء أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبهَ صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى. يعني: عمر بن عبد العزيز. قال: فحزَرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. هذا مع قول أنس (٣) : إنه كان يؤمُّهم بـ (الصافات) . فمراد البراء ــ والله أعلم ــ أن صلاته - صلى الله عليه وسلم - كانت معتدلةً، فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وتارةً يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعل ذلك أحيانًا في صلاة الليل وحده، وفعَله أيضًا قريبًا من ذلك في صلاة الكسوف. وهديهُ الغالب - صلى الله عليه وسلم - تعديل الصلاة وتناسبها.

  7. وكان يقول أيضًا في ركوعه: «سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح» (٤) ،

    ج ٢ ص ٢٤٧وتارةً يقول: «اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي» (١) ، وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل.

  8. ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلًا: «سمع الله لمن حمده» (٢) ، ويرفع يديه كما تقدَّم. وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا (٣) ، واتفق على روايتها العشرة. ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه إلى أن فارق الدنيا. ولم يصح عنه حديث البراء (٤) : «ثم لا يعود» ، بل هي من زيادة يزيد (٥) . وليس تركُ ابن مسعود الرفعَ (٦) مما يقدَّم

    ج ٢ ص ٢٤٨على هديه المعلوم. فقد تُرِك من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء (١)

  9. ليس معارضُها مقاربًا ولا مدانيًا للرفع، فتُرِك من فعله: التطبيقُ، والافتراش في السجود، ووقوفه إمامًا بين الاثنين في وسطهما دون التقدُّم عليهما (٢) ، وصلاته الفرضَ في البيت بأصحابه بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء. وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً وصحَّةً وصراحةً وعملًا؟ وبالله التوفيق.

  10. وكان دائمًا يقيم صلبه إذا رفع من الركوع، وبين السجدتين، ويقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبَه في الركوع (٣) والسجود». ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» (٤) .

  11. وكان إذا استوى قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد» (٥) ، وربما قال: «ربَّنا لك

    ج ٢ ص ٢٤٩الحمد» (١) ، وربما قال (٢) : «اللهمَّ ربَّنا لك الحمد» (٣) ، صحَّ عنه ذلك كلُّه. وأما الجمع بين «اللهمَّ» و «الواو» فلم يصحَّ (٤) .

  12. وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع والسجود. فصحَّ عنه أنه كان (٥) يقول فيه (٦) : «سمع الله لمن حمده، اللهمَّ ربَّنا لك الحمد، مِلْءَ السماوات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحَقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد. لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» (٧) .

  13. وصحَّ عنه أنه كان يقول فيه: «اللهمَّ اغسِلْني من خطايايَ بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّني من الذنوب والخطايا كما نقَّيتَ الثوب الأبيض من الدَّنَس، وباعِدْ بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرق والمغرب» (١) .

    ج ٢ ص ٢٥٠
  14. وصحَّ عنه أنه كررَّ (٢) فيه قولَ: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد» ، حتى كان بقدر ركوعه (٣) .

  15. وصحَّ عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكُث حتى يقول القائل: قد نسي، من إطالته لهذا الركن. فذكر مسلم (٤) عن أنس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا

    ج ٢ ص ٢٥١قال: «سمع الله لمن حمده» قام حتى نقول (١) : قد أوهَمَ. ثم يسجد، ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَمَ.

  16. وصح عنه أيضًا في صلاة الكسوف أنه أطال هذا الركن بعد الركوع حتى كان قريبًا من ركوعه، وكان ركوعه قريبًا من قيامه (٢) .

  17. فهذا هديه المعلوم الذي لا معارض له بوجه.

  18. وأما حديث البراء بن عازب: «كان ركوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» ، رواه البخاري (٣) ؛ فقد تشبَّث به من ظنَّ تقصير هذين الركنين، ولا متعلَّق له به، فإنَّ الحديث مصرَّح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان. فلو كان القيام والقعود المستثنى هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديثُ الواحدُ بعضُه بعضًا، فيتعيَّن قطعًا أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد. وهذا كان هديه فيهما - صلى الله عليه وسلم -: إطالتهما على سائر الأركان، كما تقدَّم بيانه. وهذا بحمد الله واضح، وهو مما خفي من هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه (٤) .