فصل في حكمه - صلى الله عليه وسلم - على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام
٨ فقرات، ج ٦ ص ٥٢
- ج ٦ ص ٥٢
ثبت في «الصَّحيحين» والمساند (٣) : أنَّ اليهود جاءوا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكروا له أنَّ رجلًا منهم وامرأةً زنيا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما تجدون في التَّوراة في شأن الرَّجم؟» قالوا: نفضحهم ويُجْلَدون، فقال عبد الله بن سلامٍ: كذبتم إنَّ فيها الرَّجم، فأتوا بالتَّوراة فنشروها، فوضع أحدُهم يدَه على آية الرَّجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلامٍ: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرَّجم، فقالوا: صدق يا محمَّد، إنَّ فيها الرَّجم، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرُجِما.
-
فتضمَّنت هذه الحكومة: أنَّ الإسلام ليس بشرطٍ في الإحصان، وأنَّ الذِّمِّيَّ يحصِّن الذِّمِّيَّة، وإلى هذا ذهب أحمد والشَّافعيُّ (٤) ، ومن لم يقل
ج ٦ ص ٥٣بذلك اختلفوا في وجه (١) هذا الحديث، فقال مالك (٢) في غير «الموطَّأ» : لم يكن اليهوديان أهل (٣) ذمَّةٍ، والَّذي في «صحيح البخاريِّ» (٤) : أنَّهم أهل ذمَّةٍ. ولا شكَّ أنَّ هذا كان بعد العهد الذي وقع بين النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبينهم، ولم يكونوا إذ ذاك حربًا، كيف وقد تحاكموا إليه، ورضوا بحكمه؟
-
وفي بعض طرق الحديث: أنَّهم قالوا: اذهبوا بنا إلى هذا النَّبيِّ فإنَّه بُعِث بالتَّخفيف (٥) . وفي بعض طرقه: أنَّهم دعوه إلى بيت مِدْراسهم، فأتاهم وحكم بينهم (٦) ، فهم كانوا أهل عهدٍ وصلحٍ بلا شكٍّ.
وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّما رجمهما بحكم التَّوراة. وقالوا: وسياق القصَّة
ج ٦ ص ٥٤صريحٌ في ذلك، وهذا ممَّا لا يجدي (١) عليهم شيئًا البتَّة، فإنَّه حَكَم بينهم (٢) بالحقِّ المحض، فيجب اتِّباعه بكلِّ حالٍ، فماذا بعد الحقِّ إلا الضَّلال.
وقالت طائفةٌ: رجَمَهما سياسةً، وهذا من أقبح الأقوال، بل رجمهما بحكم الله الذي لا حكم سواه.
-
وتضمَّنت هذه الحكومة أنَّ أهل الذِّمَّة إذا تحاكموا إلينا لم نحكم بينهم إلا بحكم الإسلام.
-
وتضمَّنت قبول شهادة أهل الذِّمَّة بعضهم على بعضٍ لأنَّ الزَّانيين لم يُقرَّا، ولم يشهد عليهم المسلمون، فإنَّهم لم يحضروا زناهما، كيف وفي «السُّنن» (٣) في هذه القصَّة: فدعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالشُّهود، فجاءوا أربعةً، فشهدوا أنَّهم رأوا ذكرَه في فرجها مثل الميل في المُكْحُلة.
-
وفي بعض طرق هذا الحديث: فجاء (٤) أربعةٌ منهم (٥) ، وفي بعضها:
ج ٦ ص ٥٥فقال لليهود: «ائتوني بأربعةٍ منكم» (١) .
-
وتضمَّنت الاكتفاءَ بالرَّجم، وأن لا يُجمَع بينه وبين الجلد، قال ابن عبَّاسٍ: الرَّجم في كتاب الله لا يغوص عليه إلا غوَّاصٌ (٢) ، وهو قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: ١٥] .
-
واستنبطه غيرُه من قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: ٤٤] .
قال الزُّهريُّ في حديثه: فبلَغَنا أنَّ هذه الآية نزلت فيهم {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} ، كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منهم (٣) .