فصل في قضائه - صلى الله عليه وسلم - في الرجل يزني بجارية امرأته
٦ فقرات، ج ٦ ص ٥٥
- ج ٦ ص ٥٥
في «المسند» و «السُّنن الأربعة» (٤) من حديث قتادة، عن حبيب بن سالم:
ج ٦ ص ٥٦أنَّ رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حُنَين، وقع على جارية امرأته، فرُفع إلى النُّعمان بن بشيرٍ، وهو أميرٌ على الكوفة، فقال: لأقضينَّ فيك بقضيَّة (١) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن كانت أحَلَّتها لك، جلدْتُك مئة، وإن لم تكن أحَلَّتها لك، رجمتُك بالحجارة، فوجدوه أحلَّتها له، فجلده مئةً.
قال الترمذي (٢) : في إسناد هذا الحديث اضطرابٌ، سمعت محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ يقول: لم يسمع قَتادةُ من حبيب بن سالم هذا الحديثَ، إنَّما رواه عن خالد بن عُرْفُطة (٣) . وأبو بشرٍ (٤) لم يسمعه أيضًا من حبيب بن سالم، إنَّما رواه عن خالد بن عُرْفُطة، وسألت محمدًا عنه؟ فقال: أنا أتَّقي (٥) هذا الحديث.
ج ٦ ص ٥٧وقال النَّسائيُّ: هو مضطربٌ (١) ، وقال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: خالد بن عُرفطة مجهولٌ (٢) .
-
وفي «المسند» و «السُّنن» (٣) عن قَبيصة بن حُريث، عن سَلَمة بن المُحبِّق: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في رجلٍ وقع على جارية امرأته: إن كان استكْرَهَها، فهي حرَّةٌ، وعليه لسيِّدتها مثلها، وإن كانت طاوعَتْه، فهي له، وعليه لسيِّدتها مثلها.
-
فاختلف النَّاس في القول بهذا الحكم، فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه (٤) ، فإنَّ الحديث حسَنٌ، وخالد بن عُرْفُطة قد روى عنه ثقتان: قتادة (٥) ،
ج ٦ ص ٥٨وأبو بشر، ولم يُعرف فيه قدحٌ، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين، والقياس وقواعد الشَّريعة يقتضي القول بموجَب هذه الحكومة، فإنَّ إحلال الزَّوجة شبهةٌ تورث (١) سقوطَ الحدِّ، ولا تُسْقِط التَّعزير، فكانت المئة تعزيرًا، فإذا لم تكن أحلَّتها، كان زنًا لا شبهةَ فيه، ففيه الرَّجم، فأيُّ شيءٍ في هذه الحكومة ممَّا يخالف القياس؟!
-
وأمَّا حديث سَلَمة بن المُحبِّق: فإن صحَّ، تعيَّن القولُ به ولم يُعدَل عنه، ولكن قال النَّسائيُّ: لا يصحُّ هذا الحديث (٢) . وقال أبو داود (٣) : سمعت أحمد بن حنبلٍ يقول: الذي رواه عن سلمة بن المُحَبّق شيخٌ لا يعرف، ولا يحدِّث عنه غير الحسن، يعني قَبيصة بن حُرَيث. وقال البخاريُّ في «التَّاريخ» (٤) : قَبيصة بن حُريث سمع سَلَمة بن المحبّق، في حديثه نظرٌ. وقال ابن المنذر (٥) : لا يثبت خبر سلمة بن المحبّق، وقال البيهقي (٦) : وقَبيصة بن حُريث غير معروفٍ، وقال الخطابي (٧) : هذا حديثٌ منكرٌ، وقَبيصة بن حُريث غير معروفٍ، والحجَّةُ لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي
ج ٦ ص ٥٩الحديثَ ممَّن سمع.
-
وطائفةٌ أخرى قبلت الحديثَ، ثمَّ اختلفوا فيه، فقالت طائفةٌ (١) : هو منسوخٌ، وكان هذا قبل نزول الحدود.
وقالت طائفةٌ: بل وجهه أنَّه إذا استكرهها، فقد أفسدها على سيِّدتها، ولم تبق ممَّن تصلح لها، وألحق (٢) بها العار، وهذا مُثْلةٌ معنويَّةٌ، فهي كالمثلة الحسِّيَّة أو أبلغ منها، وهو قد تضمَّن أمرين: إتلافها على سيِّدتها، والمُثْلة المعنويَّة بها، فيلزمه غرامتها لسيِّدتها، وتَعتِق عليه، وأمَّا إن طاوعته، فقد أفسدها على سيِّدتها، فيلزمه قيمتُها لها، ويملكها لأنَّ القيمة قد استحقَّت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شُبهة المُثْلة. قالوا: ولا بُعْد في تنزيل الإتلاف المعنويِّ منزلةَ الإتلاف الحسِّيِّ، إذ كلاهما يحول (٣) بين المالك وبين الانتفاع بملكه، ولا ريبَ أنَّ جاريةَ الزَّوجة إذا صارت موطوءةً لزوجها، فإنَّها لا تبقى لسيِّدتها كما كانت قبل الوطء، فهذا الحكم من أحسن الأحكام، وهو موافقٌ لقياس الأصول (٤) .
-
وبالجملة: فالقول به مبنيٌّ على قبول الحديث، ولا تضرُّ كثرة المخالفين له، ولو كانوا أضعاف أضعافهم، وبالله التوفيق (٥) .