فصل في وجوه التورك المروية عنه صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير

٨ فقرات، ج ٢ ص ٢٩١

  1. الأمر؛ كما أن المغرب وتر للنهار، وصلاة السنة شفعًا بعدها لا تُخرجها عن كونها وتر النهار. كذلك الوتر لما كان عبادةً مستقلَّةً، وهو وتر الليل، كانت الركعتان بعده جاريةً (١) مجرى سنة المغرب من المغرب.

    ج ٢ ص ٢٩١
  2. ولما كانت المغرب فرضًا كانت محافظة النبي (٢) - صلى الله عليه وسلم - على سنتها آكد من محافظته على سنة الوتر. وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهر جدًّا. وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين إن شاء الله، وهي مسألة شريفة لعلك لا تراها في مصنَّف. وبالله التوفيق.

  3. فصل

    وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس في التشهد الأخير جلس متورِّكًا، فكان يفضي بوركه إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة.

  4. فهذا (٣) أحد الوجوه الثلاثة التي رويت عنه - صلى الله عليه وسلم - في التورُّك. ذكرها أبو داود (٤) في حديث أبي حُمَيد من طريق عبد الله بن لهيعة. وقد ذكر أبو حاتم في «صحيحه» هذه الصفة في حديث أبي حُمَيد من غير طريق ابن لهيعة، وقد تقدَّم حديثه.

  5. الوجه الثاني: ذكره البخاري في «صحيحه» (١) من (٢) حديث أبي حُمَيد أيضًا قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة (٣) قدَّم رجله اليسرى ونصَب اليمنى، وقعد على مقعدته». فهذا موافق للأول في الجلوس على الورك، وفيه زيادة وصف في هيئة القدمين لم تتعرَّض الرواية الأولى لها.

    ج ٢ ص ٢٩٢
  6. الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في «صحيحه» (٤) من حديث عبد الله بن الزبير: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرُش قدمه اليمنى. وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخِرَقي في «مختصره» (٥) . وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه، وفي نصب اليمنى، فلعله (٦) كان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وهذا أظهر. ويحتمل أن يكون من اختلاف الرواة.

  7. ولم يذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - هذا التورُّك إلا في التشهد الذي يلي السلام. ثم قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهُّدان. وهذا التورُّك فيها جُعِل فرقًا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يُسَنُّ (٧) تخفيفه،

    ج ٢ ص ٢٩٣ويكون الجالس (١) فيه متهيِّئًا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه مطمئنًّا. وأيضًا فتكون هيئة الجلوسين فارقةً بين التشهُّدين مذكِّرةً للمصلِّي حالَه فيهما. وأيضًا فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه - صلى الله عليه وسلم - في الجلسة في التشهد الثاني، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وأنه كان يجلس مفترشًا ثم قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة (٢) »، وفي لفظ (٣) : «فإذا (٤) جلس في الركعة الرابعة».

  8. وأما قوله في بعض ألفاظه (٥) : «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه (٦) ، وجلس على شقِّه متورِّكًا»، فهذا قد احتجَّ (٧) به من يرى التورُّك يُشرَع في كلِّ تشهُّد يليه السلام، فيتورَّك في الثنائيَّة (٨) ، وهذا قول الشافعي. وليس بصريح في الدلالة، بل سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي يلي السَّلامَ من الرباعية والثلاثية؛ فإنه ذكر صفة جلوسه في