الالتفات في الصلاة

١١ فقرة، ج ٢ ص ٢٨٥

  1. والمقصود أنه كان يفعل في الصلاة أحيانًا شيئًا لعارضٍ لم يكن من فعله الراتب. ومن هذا لما بعث (١) - صلى الله عليه وسلم - فارسًا طليعةً، ثم قام إلى الصلاة وجعل (٢) يلتفت في الصلاة إلى الشِّعب الذي يجيء منه الطليعة (٣) . ولم يكن من هديه الالتفات في الصلاة. وفي «صحيح البخاري» (٤) عن عائشة قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة؟ قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» .

    ج ٢ ص ٢٨٥
  2. وفي الترمذي (٥) من حديث سعيد بن المسيِّب عن أنس قال: قال

    ج ٢ ص ٢٨٦رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا بُنيَّ، إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإنَّ الالتفات في الصلاة هَلَكة. فإن كان لا بدَّ ففي التطوُّع، لا في الفريضة» ، ولكن للحديث علَّتان. إحداهما: أنَّ رواية سعيد عن أنس لا تعرف. الثانية: أنَّ على طريقه (١) علي بن زيد بن جُدعان. وقد ذكر البزار في غير (٢) «مسنده» (٣)

  3. من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة للملتفت» .

  4. وأما حديث ابن عباس (١) : «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقَه خلفَ ظهره» ، فهذا حديث لا يثبت. قال الترمذي فيه: «حديث غريب» ، ولم يزد.

    وقال الخلال: أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قيل له: إن بعض الناس أسند أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلاحظ في الصلاة، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا حتى تغيَّر وجهه، وتغيَّر لونه، وتحرَّك بدنه، ورأيته في حالٍ ما رأيته في حالٍ قطُّ سواها (٢) ، وقال: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يلاحظ في الصلاة؟! يعني أنه أنكر ذلك، وأحسبه قال: ليس له إسناد. وقال: مَن روى هذا؟ إنما هذا (٣) عن سعيد بن المسيِّب (٤) . ثم قال لي بعض أصحابنا: إن أبا عبد الله وهَّن حديثَ سعيد

    ج ٢ ص ٢٨٨هذا، وضعَّف إسناده، وقال: إنما هو عن رجل عن سعيد.

    وقال عبد الله بن أحمد (١) : حدَّثتُ أبي بحديث حسَّان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت مكحولًا يحدِّث عن أبي أمامة وواثلة: «كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الصلاة لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ورمى ببصره في موضع سجوده» ، فأنكره جدًّا، وقال: اضرب عليه.

    ج ٢ ص ٢٨٧
  5. فأحمد - رحمه الله - أنكر هذا وهذا، وكان إنكاره للأول أشدَّ لأنه باطل سندًا ومتنًا؛ والثاني إنما أنكر سندَه، وإلا فمتنه غير منكر. والله أعلم.

  6. ولو ثبت الأول (٢) لكان حكايةَ فعلٍ، لعله كان لمصلحة تتعلَّق بالصلاة ككلامه - صلى الله عليه وسلم - هو وأبو بكر وعمر وذو اليدين (٣) في الصلاة لمصلحتها، أو لمصلحة المسلمين كالحديث الذي رواه أبو داود (٤) عن أبي كبشة (٥) السَّلُولي عن سهل ابن الحنظليَّة قال: «ثُوِّب بالصلاة ــ يعني صلاة الصبح ــ

    ج ٢ ص ٢٨٩فجعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي وهو يلتفت إلى الشِّعب». قال أبو داود: يعني: وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرُس. فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في تداخُل العبادات كصلاة الخوف.

  7. وقريب منه قول عمر - رضي الله عنه -: «إني لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاة» (١) ، فهذا جمعٌ بين الجهاد والصلاة (٢) . ونظيره التفكُّر (٣) في معاني القرآن واستخراجُ كنوز العلم منه في الصلاة، فهذا جمعٌ بين الصلاة والعلم. فهذا لون، والتفات الغافلين اللاهين وأفكارهم لون آخر. وبالله التوفيق.

  8. فهديه الراتب - صلى الله عليه وسلم - إطالة الركعتين الأوليين من الرُّباعيَّة على الأخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية. ولهذا قال سعد لعمر: «أما أنا فأطيل في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (٤) .

  9. وكذلك كان هديه - صلى الله عليه وسلم - إطالة صلاة الفجر على سائر الصلوات كما تقدم. قالت عائشة: «فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد في صلاة الحضر إلا الفجرَ، فإنها أُقِرَّت على حالها من أجل طول القراءة، والمغربَ لأنها وتر النهار» . رواه أبو حاتم ابن حبان في

    ج ٢ ص ٢٩٠«صحيحه» (١) ، وأصله في «صحيح البخاري» (٢) .

  10. وهذا كان هديه - صلى الله عليه وسلم - في سائر صلواته: إطالة أولها على آخرها، كما فعل في الكسوف، وفي قيام الليل لما صلَّى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، حتى أتمَّ صلاته.

  11. ولا يناقض هذا افتتاحه - صلى الله عليه وسلم - صلاة الليل بركعتين خفيفتين وأمره بذلك (٣) ، لأن هاتين الركعتين مفتاح قيام الليل، فهي (٤) بمنزلة سنة الفجر وغيرها. وكذلك الركعتان اللتان كان يصلِّيهما أحيانًا بعد وتره تارةً جالسًا وتارةً قائمًا مع قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (٥) ، فإن هاتين الركعتين لا تنافي (٦) هذا