فصل [أمره للمختلعة أن تعتد بحيضة دليل على حكمين]

٢٢ فقرة، ج ٦ ص ٢٧٧

  1. وليُشْهِد على رجعتها. قال معمَر: وكان الزُّهريُّ يقول ذلك. قال قتادة: وكان الحسن يقول: لا يراجعها إلا بخطبةٍ (١) .

    ج ٦ ص ٢٧٧
  2. ولقول سعيد بن المسيَّب والزُّهريِّ وجهٌ دقيقٌ من الفقه لطيف المأخذ، تتلقَّاه قواعدُ الفقه وأصولُه بالقبول ولا نكارة فيه، غير أنَّ العمل على خلافه، فإنَّ المرأة ما دامت في العدَّة فهي في حَبْسه، ويلحقها صريحُ طلاقه المنجَّز عند طائفةٍ من العلماء، فإذا تقايلا عقدَ الخُلع، وتراجعا إلى ما كانا عليه بتراضيهما لم تمنع قواعدُ الشَّرع ذلك، وهذا بخلاف ما بعد العدَّة، فإنَّها قد صارت منه أجنبيَّةً محضةً، فهو خاطبٌ من الخُطَّاب، ويدلُّ على هذا أنَّ له أن يتزوَّجها في عدَّتها منه بخلاف غيره.

  3. فصل

    وفي أمْرِه - صلى الله عليه وسلم - المختلعة أن تعتدَّ بحيضةٍ واحدةٍ دليلٌ على حكمين:

    أحدهما: أنَّه لا يجب عليها ثلاث حِيَضٍ بل تكفيها حيضةٌ واحدةٌ، وهذا كما أنَّه صريحُ السُّنَّة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان، وعبد الله بن عمر بن الخطَّاب، والرُّبيِّع بنت معوِّذ، وعمِّها وهو من كبار الصَّحابة، فهؤلاء الأربعة من الصحابة (٢) ، لا يُعرف لهم مخالفٌ منهم (٣) .

  4. كما رواه اللَّيث بن سعدٍ، عن نافعٍ مولى ابن عمر: «أنَّه سمع الرُّبيّع بنت معوِّذ بن عَفْراء وهي تخبر عبدَ الله بن عمر أنَّها اختلعت من زوجها على

    ج ٦ ص ٢٧٨عهد عثمان بن عفَّان، فجاء عمُّها إلى عثمان بن عفَّان فقال: إنَّ ابنة معوِّذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدَّة عليها، إلا أنَّها لا تنكح حتَّى تحيض حيضةً خشية أن يكون بينهما حَبَلٌ. فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرُنا وأعلَمُنا (١) .

  5. وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في روايةٍ عنه (٢) ، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) .

    ج ٦ ص ٢٧٩قال مَن نصر هذا القول: هو مقتضى قواعد الشَّريعة فإنَّ العدَّة إنَّما جعلت ثلاث حِيَضٍ ليطول زمن الرَّجعة، فيتروَّى الزَّوجُ ويتمكَّن من الرَّجعة في مدَّة العدَّة، فإذا لم يكن عليها رجعةٌ، فالمقصود مجرَّد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضةٌ كالاستبراء. قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلَّقة ثلاثًا، فإنَّ باب الطَّلاق جُعِل حكم العدَّة فيه واحدًا بائنةً ورجعيَّةً.

    قالوا: وهذا دليلٌ على أنَّ الخلع فسخٌ وليس بطلاقٍ، وهو مذهب ابن عبَّاسٍ وعثمان وابن عمر والرُّبيِّع وعمِّها (١) ، ولا يصحُّ عن صحابيٍّ أنَّه طلاقٌ البتَّة، فروى الإمام أحمد (٢) عن يحيى بن سعيدٍ، عن سفيان، عن عَمرو، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: الخلع تفريقٌ وليس بطلاقٍ.

  6. وذكر عبدُ الرزاق (٣) عن سفيان، عن عَمرو، عن طاوسٍ أنَّ إبراهيم بن سعد سأله عن رجلٍ طلَّق امرأته تطليقتين، ثمَّ اختلعَتْ منه أينكحها؟ قال ابن عبَّاسٍ: نعم، ذَكَر الله الطَّلاقَ في أوَّل الآية وآخرها، والخلع بين ذلك.

  7. فإن قيل: كيف تقولون: إنَّه لا مخالف لمن ذكرتم من الصَّحابة، وقد

    ج ٦ ص ٢٨٠روى حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان: أنَّ أم بكرة (١) الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أُسَيد واختلعَتْ منه، فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفَّان فأجاز ذلك، وقال: هي واحدةٌ إلا أن تكون سمَّت شيئًا فهو على ما سمَّت (٢) .

  8. وذكر ابن أبي شيبة (٣) : حدَّثنا عليُّ بن هاشمٍ، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة بن مصرِّفٍ، عن إبراهيم النَّخعيِّ، عن علقمة، عن ابن مسعودٍ قال: لا تكون طلقةٌ بائنةٌ إلا في فديةٍ أو إيلاءٍ.

  9. ورُوي عن عليِّ بن أبي طالبٍ (٤) ، فهؤلاء ثلاثةٌ من أجلَّاء الصَّحابة.

  10. قيل: لا يصحُّ هذا عن واحدٍ منهم (١) ، أمَّا أثر عثمان، فطعن فيه الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما، قال شيخنا (٢) : وكيف يصحُّ عن عثمان وهو لا يرى فيه عدَّةً، وإنَّما يرى الاستبراء فيه بحيضةٍ؟ فلو (٣) كان عنده طلاقًا لأوجب فيه العدَّة، وجُمْهان (٤) الرَّاوي لهذه القصَّة عن عثمان لا نعرفه بأكثر من أنَّه مولى الأسلميِّين.

    ج ٦ ص ٢٨١
  11. وأمَّا أثر عليِّ بن أبي طالبٍ فقال أبو محمد ابن حزم (٥) : روِّيناه من طريقٍ لا يصحُّ عن علي.

  12. وأمثلها أثر ابن مسعودٍ على سوء حفظ ابن أبي ليلى، ثمَّ غايته إن كان محفوظًا أن يدلَّ على أنَّ الطَّلقة في الخُلع تقع بائنةً لا أنَّ الخُلع يكون طلاقًا بائنًا، وبين الأمرين فرقٌ ظاهرٌ.

  13. والَّذي يدلُّ على أنَّه ليس بطلاقٍ: أنَّ الله سبحانه رتَّب على الطَّلاق بعد الدُّخول الذي لم يُستوفَ عددُه ثلاثةَ أحكامٍ كلُّها منتفيةٌ عن الخُلْع.

  14. أحدها: أنَّ الزَّوج أحقُّ بالرَّجعة فيه.

  15. الثَّاني: أنَّه محسوبٌ من الثَّلاث، فلا تحلُّ بعد استيفاء العدد إلا بعد زوجٍ وإصابةٍ.

  16. الثَّالث: أنَّ العدَّة فيه ثلاثة قروءٍ.

    ج ٦ ص ٢٨٢
  17. وقد ثبت بالنَّصِّ والإجماع أنَّه لا رجعة في الخُلْع، وثبت بالسُّنَّة وأقوال الصَّحابة أنَّ العدَّة فيه حيضةٌ واحدةٌ، وثبت بالنَّصِّ جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثةٍ بعده، وهذا ظاهرٌ جدًّا في كونه ليس بطلاقٍ، فإنَّه سبحانه قال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: ٢٢٩] ، وهذا وإن لم يختصَّ بالمطلَّقة تطليقتين، فإنَّه يتناولها (١) وغيرها، ولا يجوز أن يعود الضَّمير إلى مَن لم يُذكَر، ويخلّى منه المذكور، بل إمَّا أن يختصَّ بالسَّابق أو يتناوله وغيره (٢) .

    ثمَّ قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة: ٢٣٠] وهذا يتناول مَن طُلِّقت بعد فديةٍ وطلقتين (٣) قطعًا لأنَّها هي المذكورة، فلا بدَّ من دخولها تحت اللَّفظ، وهذا فهم تُرجمان القرآن الذي دعا له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلِّمه الله تأويل القرآن، وهي دعوةٌ مستجابةٌ بلا شكٍّ.

  18. وإذا كانت أحكام الفِدْية غير أحكام الطَّلاق دلَّ على أنَّها من غير جنسه، فهذا مقتضى النَّصِّ والقياس وأقوال الصَّحابة.

  19. ثمَّ من نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها يعدُّ الخلعَ فَسْخًا بأيِّ لفظٍ كان حتَّى بلفظ الطَّلاق، وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد وهو اختيار شيخنا (١) . قال: وهذا ظاهر كلام أحمد وكلام ابن عبَّاسٍ وأصحابه.

    قال ابن جريجٍ: أخبرني عمرو بن دينارٍ أنَّه سمع عكرمة مولى ابن عبَّاسٍ يقول: ما أجازه المالُ فليس بطلاقٍ (٢) .

    قال عبد الله بن أحمد (٣) : رأيتُ أبي كان يذهب إلى قول ابن عبَّاسٍ.

    وقال عمرو، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ: الخُلع تفريقٌ وليس بطلاقٍ (٤) .

    وقال ابن جُريجٍ عن ابن طاوس: كان أبي لا يرى الفداء طلاقًا ويُجِيزه (٥) بينهما (٦) .

    ج ٦ ص ٢٨٣
  20. ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها وغَيَّر لها (٧) أحكامَ العقود= جعله بلفظ

    ج ٦ ص ٢٨٤الطَّلاق طلاقًا، وقواعد الفقه وأصوله تشهد أنَّ المراعَى (١) في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها، وباللَّه التَّوفيق.

  21. وممَّا يدلُّ على هذا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر ثابتَ بنَ قيسٍ أن يطلِّق امرأته في الخُلْع تطليقةً، ومع هذا أمرها أن تعتدَّ بحيضةٍ. وهذا صريحٌ في أنَّه فسخٌ، ولو وقع بلفظ الطَّلاق.

  22. وأيضًا فإنَّه سبحانه علَّق عليه أحكام الفدية بكونه فديةً، ومعلومٌ أنَّ الفدية لا تختصُّ بلفظٍ، ولم يعيِّن الله سبحانه لها لفظًا معيَّنًا، وطلاق الفداء طلاقٌ مقيَّدٌ ولا يدخل تحت أحكام الطَّلاق المطلق، كما لم يدخل تحتها في ثبوت الرَّجعة والاعتداد بثلاثة قروءٍ بالسُّنَّة الثَّابتة، وباللَّه التَّوفيق.