فصل [طلاق السكران]

٢٧ فقرة، ج ٦ ص ٢٩٩

  1. وأمَّا طلاق السَّكران، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: ٤٣] ، فجعل سبحانه قولَ السَّكران غير معتبرٍ؛ لأنَّه لا يعلم ما يقول. وصحَّ عنه أنَّه أمرَ بالمقرِّ بالزِّنا أن يُسْتَنْكَه (١) ، ليعتبر قوله الذي أقرَّ به أو يلغى.

    ج ٦ ص ٢٩٩
  2. وفي «صحيح البخاريِّ» (٢) في قصَّة حمزة لمَّا عقَر بعيرَي عليٍّ فجاء النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فوقف عليه يلومه، فصعَّد فيه النَّظرَ وصوَّبَه وهو سكران ثمَّ قال: هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي، فنكَصَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على عقبيه. وهذا القول لو قاله غير سكران لكان رِدَّةً وكفرًا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة.

  3. وصحَّ عن عثمان بن عفَّان أنَّه قال: «ليس لمجنونٍ ولا سكران طلاقٌ» . رواه ابن أبي شيبة (٣) ، عن وكيعٍ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبان بن عثمان، عن أبيه.

    وقال عطاء: طلاق السَّكران لا يجوز (٤) . وقال ابن طاوس عن أبيه:

    ج ٦ ص ٣٠٠طلاق السَّكران لا يجوز (١) . وقال القاسم بن محمَّدٍ: لا يجوز طلاقه (٢) .

  4. وصحَّ عن عمر بن عبد العزيز أنَّه أُتي بسكران طلَّق، فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو: لقد طلَّقها وهو لا يعقل، فحلف، فردَّ إليه امرأته، وضربه الحدَّ (٣) .

  5. وهو مذهب يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، وحُمَيد بن عبد الرحمن، وربيعة، واللَّيث بن سعدٍ، وعبيد الله (٤) بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثورٍ، والشَّافعيِّ في أحد قوليه، اختاره (٥) المزني وغيره من الشَّافعيَّة (٦) ، ومذهب أحمد في إحدى الرِّوايات عنه، وهي التي استقرَّ عليها مذهبُه،

    ج ٦ ص ٣٠١وصرَّح برجوعه إليها، فقال في رواية أبي طالب (١) : الذي لا يأمر بالطَّلاق إنَّما أتى خَصلةً واحدةً، والَّذي يأمر بالطَّلاق قد أتى خَصلتين؛ حرَّمها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خيرٌ من هذا، وأنا أتَّقي جميعًا.

    وقال في رواية الميموني: قد كنتُ أقول إنَّ طلاق السَّكران يجوز، حتَّى تبيَّنتُه، فغلَبَ عليَّ أنَّه لا يجوز طلاقه؛ لأنَّه لو أقرَّ لم يلزمه، ولو باع لم يَجُزْ (٢) بيعُه، قال: وألْزِمُه الجنايةَ، وما كان من غير ذلك، فلا يلزمه.

    قال أبو بكر عبد العزيز (٣) : وبهذا أقول.

  6. وهذا مذهب أهل الظَّاهر كلِّهم (٤) ، واختاره من الحنفيَّة أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٥) ، وأبو الحسن الكرخيُّ (٦) (٧) .

  7. والَّذين أوقعوه لهم سبعة مآخذ:

    أحدها: أنَّه مكلَّفٌ، ولهذا يؤاخذ بجناياته.

    ج ٦ ص ٣٠٢
  8. والثَّاني: أنَّ إيقاعَ الطَّلاق عقوبةٌ له.

  9. والثَّالث: أنَّ ترتُّب الطَّلاق على التَّطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها، فلا يؤثِّر فيه السُّكْر.

  10. والرَّابع: أنَّ الصَّحابة أقاموه مُقام الصَّاحي في كلامه، فإنَّهم قالوا: إذا شَرِب سَكِر، وإذا سَكِر هذى، وإذا هذى افترى، وحدُّ المفتري ثمانون (١) .

  11. والخامس: حديث: «لا قيلولة في الطَّلاق» ، وقد تقدَّم.

  12. والسَّادس: حديث: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاق المعتوه» ، وقد تقدَّم.

  13. والسَّابع: أنَّ الصَّحابة أوقعوا عليه الطَّلاق، فرواه أبو عبيد عن عمر،

    ج ٦ ص ٣٠٣ومعاوية، ورواه غيره عن ابن عبَّاسٍ (١) . قال أبو عبيد (٢) : حدَّثنا يزيد بن هارون، عن جَرير بن حازمٍ، عن الزبير بن الخرِّيت (٣) ، عن أبي لبيدٍ، أنَّ رجلًا طلَّق امرأته وهو سكران، فرُفِع إلى عمر بن الخطَّاب، وشهدَ عليه أربعُ نسوةٍ ففرَّق عمرُ بينهما.

    قال (٤) : وحدَّثنا ابن أبي مريم، عن ناجية بن بكر (٥) ، عن جعفر بن ربيعة عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيَّب: أنَّ معاوية أجاز طلاق السَّكران.

  14. فهذا مجموع (١) ما احتجُّوا به، وليس في شيءٍ منه حجَّةٌ أصلًا.

    ج ٦ ص ٣٠٤
  15. فأمَّا المأخذ الأوَّل، وهو أنَّه مكلَّفٌ، فباطلٌ، إذ الإجماع منعقدٌ على أنَّ شرط التَّكليف العقل، ومَن لا يعقل ما يقول فليس بمكلَّفٍ.

  16. وأيضًا فلو كان مكلَّفًا، لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرَهًا على شربها، أو غير عالمٍ بأنَّها خمرٌ، وهم لا يقولون به.

  17. وأمَّا خطابه، فيجب حمله على الذي يعقل الخطاب، أو على الصَّاحي، وأنَّه نهي عن السُّكر إذا أراد الصَّلاة، وأمَّا مَن لا يعقل فلا يُؤمر ولا يُنهى.

  18. وأمَّا إلزامه بجناياته، فمحلُّ نزاعٍ لا محلُّ وفاقٍ، فقال عثمان البتَّيُّ (٢) : لا يلزمه عقدٌ ولا بيعٌ ولا حدٌّ، إلا حدَّ الخمر فقط، وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد أنَّه كالمجنون في كلِّ فعلٍ يُعتبر له العقلُ (٣) .

  19. والَّذين اعتبروا أفعاله دون أقواله، فرَّقوا بفرقين، أحدهما: أنَّ إسقاط أفعاله ذريعةٌ إلى تعطيل القصاص، إذ كلُّ من أراد قتل غيره أو الزِّنا أو السَّرقة أو الحراب، سكر وفعل ذلك، فيقام عليه الحدُّ إذا أتى جرمًا واحدًا، فإذا تضاعف جرمُه بالسُّكْر كيف يسقط عنه الحدُّ؟ هذا ممَّا تأباه قواعد الشَّريعة وأصولها، وقال أحمد (٤) منكرًا على مَن قال ذلك: وبعضُ مَن يرى طلاق

    ج ٦ ص ٣٠٥السَّكران ليس بجائزٍ يزعم أنَّ سكرانًا لو جنى جنايةً، أو أتى حدًّا، أو ترك الصِّيام أو الصَّلاة، كان بمنزلة المُبَرْسَم والمجنون، هذا كلام سوء (١) .

  20. والفرق الثَّاني: أنَّ إلغاء أقواله لا يتضمَّن مفسدةً؛ لأنَّ الكلام (٢) المجرَّد من غير العاقل لا مفسدةَ فيه بخلاف الأفعال، فإنَّ مفاسدها لا يمكن إلغاؤها إذا وقعت، فإلغاء أفعاله ضررٌ محضٌ وفسادٌ منتشرٌ بخلاف أقواله، فإن صحَّ هذان الفَرْقان بطل الإلحاق، وإن لم يصحَّا كانت التَّسوية بين أقواله وأفعاله متعيِّنةً.

  21. وأمَّا المأخذ الثَّاني: وهو أنَّ إيقاع الطَّلاق به عقوبةٌ، ففي غاية الضَّعف، فإنَّ الحدَّ يكفيه عقوبةً، وقد حصل رضى الله سبحانه من هذه العقوبة بالحدِّ، ولا عهد لنا في الشَّريعة بالعقوبة بالطَّلاق، والتَّفريق بين الزَّوجين.

  22. وأمَّا المأخذ الثَّالث: أنَّ إيقاع الطَّلاق به من ربط الأحكام بالأسباب، ففي غاية الفساد والسُّقوط، فإنَّ هذا يوجبُ إيقاعَ الطَّلاق بمن سكر مكرهًا، أو جاهلًا بأنَّها خمرٌ، وبالمجنون والمُبَرْسَم، بل وبالنَّائم. ثمَّ يقال: وهل ثبت لكم أنَّ طلاق السَّكران سببٌ حتَّى يُربط الحكمُ به، وهل النِّزاع إلا في ذلك؟

  23. وأمَّا المأخذ الرَّابع: وهو أنَّ الصَّحابة جعلوه كالصَّاحي في قولهم: إذا شَرِب سَكِر، وإذا سَكِر هذَى. فهو خبرٌ لا يصحُّ البتَّة.

    ج ٦ ص ٣٠٦قال أبو محمَّدٍ بن حزمٍ (١) : وهو خبرٌ مكذوبٌ قد نزَّه الله عليًّا وعبد الرَّحمن عنه، وفيه من المناقضة ما يدلُّ على بطلانه، فإنَّ فيه إيجاب (٢) الحدِّ على من هذى والهاذي لا حدَّ عليه.

  24. وأمَّا المأخذ الخامس: وهو حديث: «لا قيلولة في الطَّلاق» ، فخبرٌ لا يصحُّ، ولو صحَّ لوجب حملُه على طلاق مكلَّفٍ يعقل دون من لا يعقل، ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون والمُبْرَسَم والصَّبيِّ.

  25. وأمَّا المأخذ السَّادس: وهو خبر: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاق المعتوه» ، فمثله سواءٌ لا يصحُّ، ولو صحَّ لكان في المكلَّف، وجوابٌ ثالثٌ: أنَّ السَّكران (٣) الذي لا يعقل إمَّا معتوهٌ، وإمَّا ملحقٌ به، وقد ادَّعت طائفةٌ أنَّه معتوهٌ. وقالوا: المعتوه في اللُّغة: الذي لا عقل له، ولا يدري ما يتكلَّم به.

  26. وأمَّا المأخذ السَّابع: وهو أنَّ الصَّحابة أوقعوا عليه الطَّلاق، فالصَّحابة مختلفون في ذلك، فصحَّ عن عثمان ما حكيناه عنه.

  27. وأمَّا أثر ابن عبَّاسٍ (٤) ، فلا يصحُّ عنه، لأنَّه من طريقين، في إحداهما الحجَّاج بن أرطاة، وفي الثَّانية إبراهيم بن أبي يحيى، وأمَّا عمر (٥) ومعاوية، فقد خالفهما عثمان بن عفَّان.