فصل [في قول الموجبين للحد في المرأة إذا لم تلتعن]

١٣ فقرة، ج ٦ ص ٥١٤

  1. بالرَّجم؛ لأنَّها لو أقرَّت بلسانها لم أرجُمْها إذا رجعتْ، فكيف إذا أبت اللِّعان؟ وعنه روايةٌ ثانيةٌ: يُخلَّى سبيلُها، اختارها أبو بكر؛ لأنَّها لا يجب عليها الحدُّ، فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البيِّنة.

    ج ٦ ص ٥١٤
  2. فصل

    قال الموجبون للحدِّ: معلومٌ أنَّ الله سبحانه جعل الْتعانَ الزَّوج بدلًا عن الشُّهود وقائمًا مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعنين شُهداء كما تقدَّم، وصرَّح بأنَّ لعانهم شهادةٌ، وأوضح ذلك بقوله: { (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} [النور: ٨] ، وهذا يدلُّ على أنَّ سبب العذاب الدُّنيويِّ قد وُجد، وأنَّه لا يدفعه عنها إلا لعانُها، والعذاب المرفوع (١) عنها بلعانها هو المذكور في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٢] ، وهذا عذاب الحدِّ قطعًا، فذكره مضافًا ومعرَّفًا بلام العهد، فلا يجوز أن ينصرف إلى عقوبةٍ لم تُذكر في اللَّفظ، ولا دلَّ عليها بوجهٍ ما من حبسٍ أو غيره، فكيف يُخلَّى سبيلها ويُدرأ عنها العذاب بغير لعانٍ؟ وهل هذا إلا مخالفةٌ لظاهر القرآن؟

    قالوا: وقد جعل الله سبحانه لعانَ الزَّوج دارئًا لحدِّ القذف عنه، وجعل لعان الزَّوجة دارئًا لعذاب حدِّ الزِّنا عنها، فكما أنَّ الزَّوج إذا لم يلاعن يُحَدُّ حدَّ القذف، فكذلك الزَّوجة إذا لم تلاعن يجب عليها الحدُّ.

    قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ لعان الزَّوج لو كان بيِّنةً تُوجِب الحدَّ عليها لم تملك هي إسقاطه باللِّعان كشهادة الأجنبيِّ، فالجواب: أنَّ حكم اللِّعان حكمٌ

    ج ٦ ص ٥١٥مستقلٌّ بنفسه غير مردودٍ إلى أحكام (١) الدَّعاوي والبيِّنات، بل هو أصلٌ قائمٌ بنفسه شرَعَه الذي شرع نظيره من الأحكام، وفصَّلَه الذي فصَّلَ الحلال والحرام، ولمَّا كان لعان الزَّوج بدلًا عن الشُّهود لا جَرَمَ نزل عن مرتبة البيِّنة، فلم يستقلَّ وحدَه بحكم البيِّنة، وجعل للمرأة معارضته بلعان نظيره، وحينئذٍ فلا يظهر ترجيح أحد اللِّعانين على الآخر لنا، والله يعلم أنَّ أحدهما كاذبٌ، فلا وجهَ لحدِّ المرأة بمجرَّد لعان الزَّوج. فإذا مُكِّنت من معارضته وإتيانها بما يُبرِّئ ساحتها فلم تفعل ونَكلتْ عن ذلك= عمِلَ المقتضي عملَه، وانضاف إليه قرينةٌ قوَّتْه وأكَّدتْه، وهي نكول المرأة وإعراضها عمَّا يخلِّصها من العذاب ويدرؤه عنها.

    قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّه لو شهد عليها مع ثلاثةٍ غيره لم تُحَدَّ بهذه الشَّهادة، فكيف تُحدُّ بشهادته وحده؟ فجوابه: أنَّها لم تُحدَّ بشهادةٍ مجرَّدةٍ، وإنَّما حُدَّت بمجموع لعانِه خمسَ مرَّاتٍ ونكولِها عن معارضته مع قدرتها عليها، فقام من مجموع ذلك دليلٌ في غاية الظُّهور والقوَّة على صحَّة قوله، والظَّنُّ المستفاد منه أقوى بكثيرٍ من الظَّنِّ المستفاد من شهادة الشُّهود.

  3. وأمَّا قولكم: إنَّه أحد اللِّعانين، فلا يُوجِب حدَّ الآخر كما لم يوجب لعانُها حدَّه، فجوابه: أنَّ لعانها إنَّما شُرِع للدَّفع لا للإيجاب، كما قال تعالى: { (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ}، فدلَّ النَّصُّ على أنَّ لعانه مقتضٍ لإيجاب الحدِّ، ولعانها دافعٌ ودارئٌ لا مُوجِبٌ، فقياس أحد اللِّعانين على الآخر جمْعٌ بين ما فرَّق سبحانه بينهما، وهو باطلٌ.

    ج ٦ ص ٥١٦قالوا: وأمَّا قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البيِّنة على المدَّعي» ، فسمعًا وطاعةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا ريبَ أنَّ لعان الزَّوج المذكور المكرَّر بيِّنةٌ، وقد انضمَّ إليها نكولُها الجاري مجرى إقرارها عند قومٍ، ومجرى بيِّنة المدَّعين عند آخرين، وهذا من أقوى البيِّنات. ويدلُّ عليه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «البيِّنة وإلَّا حدٌّ في ظهرك» (١) ، ولم يُبطِل الله سبحانه هذا، وإنَّما نقلَه عند عجزه عن بيِّنةٍ منفصلةٍ تُسقِط الحدَّ عنه يَعجِز عن إقامتها، إلى بيِّنةٍ يتمكَّن من إقامتها، ولمَّا كانت دونها في الرُّتبة اعتُبِر لها مقوٍّ منفصلٌ، وهو نكولُ المرأة عن دفعها ومعارضتها مع قدرتها وتمكُّنها.

    قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ موجَبَ لعانه إسقاطُ الحدِّ عن نفسه، لا إيجاب (٢) الحدِّ عليها ... إلى آخره، فإن أردتم أنَّ من موجَبه إسقاطَ الحدِّ عن نفسه فحقٌّ، وإن أردتم أنَّ سقوط الحدِّ عنه (٣) جميعُ موجَبِه، ولا موجَبَ له سواه، فباطلٌ قطعًا، فإنَّ وقوعَ الفُرقة أو وجوب التَّفريق، والتَّحريمَ المؤبَّد أو المؤقَّت، ونفْيَ الولد المصرَّح بنفيه أو المكتفى في نفيه باللِّعان، ووجوبَ العذاب على الزَّوجة: إمَّا عذاب الحدِّ أو عذاب الحبس= كلَّ ذلك من موجَب اللِّعان، فلا يصحُّ أن يقال: إنَّما يوجِب سقوطَ حدِّ القذف عن الزَّوج فقط.

    قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الصَّحابة جعلوا حدَّ الزِّنا بأحد ثلاثة أشياء؛ إمَّا البيِّنة أو الاعتراف أو الحبل، واللِّعان ليس منها، فجوابه أنَّ منازعيكم يقولون: إن كان

    ج ٦ ص ٥١٧إيجاب الحدِّ عليها باللِّعان خلافًا لأقوال هؤلاء الصَّحابة، فإنَّ إسقاط الحدِّ بالحبل أدخلُ في خلافهم وأظهرُ، فما الذي سَوَّغ لكم إسقاطَ حدٍّ أوجبوه بالحبل، وصريحَ مخالفتِهم، وحرَّم على منازعيكم مخالفتَهم في إيجاب الحدِّ بغير هذه الثَّلاثة؟ مع أنَّهم أعذرُ منكم لثلاثة أوجهٍ:

    أحدها: أنَّهم لم يخالفوا صريحَ قولهم، وإنَّما هو مخالفةٌ لمفهومٍ سكتوا عنه، فهو مخالفةٌ لسكوتهم، وأنتم خالفتم صريح أقوالهم.

  4. الثَّاني: أنَّ عامَّة (١) ما خالفوه مفهومٌ قد خالفه صريحٌ عن جماعةٍ منهم بإيجاب الحدِّ، فلم يخالفوا ما أجمع عليه الصَّحابة، وأنتم خالفتم منطوقًا لا يُعلَم لهم فيه مخالفٌ البتَّة، وهو إيجاب الحدِّ بالحبل، فلا يُحفَظ عن صحابيٍّ قطُّ مخالفة عمر وعلي - رضي الله عنهما - في إيجاب الحدِّ به.

  5. الثَّالث: أنَّهم خالفوا هذا المفهوم لمنطوق تلك الأدلَّة التي تقدَّمت، ولمفهوم قوله: { (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ}، ولا ريبَ أنَّ هذا المفهوم أقوى من مفهوم سقوط الحدِّ بقولهم: إذا كانت البيِّنة أو الحبل أو الاعتراف، فهم تركوا مفهومًا لما هو أقوى منه وأولى، هذا لو كانوا قد خالفوا الصَّحابة، فكيف وقولهم موافقٌ لأقوال الصَّحابة؟ فإنَّ اللِّعان مع نكول المرأة من أقوى البيِّنات كما تقرَّر.

    قالوا: وأمَّا قولكم: لم يتحقَّق زناها ... إلى آخره، فجوابه: إن أردتم بالتحقُّق (٢) اليقينَ المقطوع به كالمحرَّمات، فهذا لا يُشتَرط في إقامة الحدِّ،

    ج ٦ ص ٥١٨ولو كان هذا شرطًا لما أقيم الحدُّ بشهادة أربعةٍ، إذ شهادتهم لا تَجعل الزِّنا محقَّقًا بهذا الاعتبار. وإن أردتم بعدم التَّحقُّق أنَّه مشكوكٌ فيه على السَّواء بحيث لا يترجَّح ثبوته، فباطلٌ قطعًا، وإلَّا لما وجب عليها العذابُ المدرُوءُ (١) بلعانها، ولا ريبَ أنَّ التَّحقُّق المستفاد من لعانه المؤكَّد المكرَّر مع إعراضها عن معارضةٍ ممكنةٍ منه، أقوى من التَّحقُّق بأربع شهودٍ، ولعلَّ لهم غرضًا في قذْفِها وهتكِها وإفسادِها على زوجها، والزَّوج لا غرضَ له في ذلك منها.

  6. وقولكم: إنَّه لو تحقَّق فإمَّا أن يتحقَّق بلعان الزَّوج أو بنكولها أو بهما، فجوابه أنَّه تحقَّق بهما، ولا يلزم من عدم استقلال أحد الأمرين بالحدِّ وضعْفِه عنه عدمُ استقلالهما معًا، إذ هذا شأن كلِّ مفردٍ لم يستقلَّ بالحكم بنفسه، ويستقلُّ به مع غيره لقوَّته به.

  7. وأمَّا قولكم: عجبًا للشَّافعيِّ! كيف لا يقضي بالنُّكول في درهمٍ ويقضي به في إقامة حدٍّ بالغَ الشَّارعُ في سَتْره واعتبر له أكمل بيِّنةٍ، فهذا موضعٌ لا يُنتَصر فيه للشَّافعيِّ ولا لغيره من الأئمَّة، وليس لهذا (٢) وُضِع كتابنا هذا، ولا قصدنا به نُصرةَ أحدٍ من العالمين، وإنَّما قصدنا به مجرَّدَ هديِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سيرته وأقضيته وأحكامه، وما تضمَّن سوى ذلك فتَبعٌ مقصودٌ لغيره فهَبْ أنَّ من لم يقضِ بالنُّكول تناقضَ فماذا يَضُرُّ ذلك هديَ (٣) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

  8. وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها (١)

    ج ٦ ص ٥١٩
  9. على أنَّ الشَّافعيَّ - رحمه الله - لم يتناقض، فإنَّه فرَّق بين نكولٍ مجرَّدٍ لا قوَّة له، وبين نكولٍ قد قارنه التعانٌ مؤكَّدٌ مكرَّرٌ أقيم في حقِّ الزَّوج مقامَ البيِّنة، مع شهادة الحال بكراهة الزَّوج لزِنا امرأته وفضيحتِها، وخرابِ بيته (٢) ، وإقامةِ نفسه وحبِّه في ذلك المقامَ العظيم بمشهد المسلمين، يدعو على نفسه باللَّعنة إن كان كاذبًا بعد حلفه بالله جهدَ أيمانه أربع مرَّاتٍ إنَّه لمن الصَّادقين. فالشَّافعيُّ - رحمه الله - إنَّما حكم بنكولٍ قد قارنَه ما هذا شأنه، فمن أين يلزمه أن يحكم بنكولٍ مجرَّدٍ؟

    قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّها لو أقرَّت بالزِّنا ثمَّ رجعت لسقط عنها الحدُّ، فكيف يجب بمجرَّد امتناعها من اليمين؟ فجوابه (٣) : ما تقرَّر آنفًا.

    قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ العذاب المدروءَ (٤) عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو غيره، فجوابه: أنَّ العذاب المذكور إمَّا عذاب الدُّنيا أو عذاب الآخرة، وحمْلُ الآية على عذاب الآخرة باطلٌ قطعًا، فإنَّ لعانها لا يَدْرؤه إذا وجب عليها، وإنَّما هو عذاب الدُّنيا، وهو الحدُّ قطعًا، فإنَّه عذاب المحدود، وهو فداءٌ له من عذاب الآخرة، ولهذا شرعه سبحانه طُهْرةً وفديةً من ذلك العذاب، كيف وقد صرَّح به في أوَّل السُّورة بقوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٢] ، ثمَّ أعاده

    ج ٦ ص ٥٢٠بعينه بقوله: { (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا} [النور: ٨] ، فهذا هو العذاب المشهود، مَكَّنها مِن دفْعِه بلعانها، فأين هنا عذابٌ غيرُه حتَّى تُفسَّر الآية به؟

  10. وإذا تبيَّن هذا فهذا هو القول الصَّحيح الذي لا نعتقد سواه، ولا نرتضي (١) إلا إيَّاه. وباللَّه التَّوفيق.

  11. فإن قيل: فلو نكلَ الزَّوج عن اللِّعان بعد قذْفِه فما حكم نكوله؟

  12. قلنا: يُحَدُّ حدَّ القذف عند جمهور العلماء من السَّلف والخلف، وهو قول الشَّافعيِّ ومالك وأحمد وأصحابهم. وخالف في ذلك أبو حنيفة، وقال: يُحبس حتَّى يُلاعِن أو تُقرَّ الزَّوجة. وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنَّ موجِبَ قذف الزَّوج لامرأته هل هو الحدُّ كقذف الأجنبيِّ وله إسقاطُه باللِّعان، أو موجبه اللِّعانُ نفسه؟ فالأوَّل قول الجمهور، والثَّاني: قول أبي حنيفة.

  13. واحتجُّوا عليه بعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: ٤] ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهلال بن أمية: «البيِّنة أو حدٌّ في ظهرك» (٢) ، وبقوله له: «عذابُ الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرة» (٣) ، وهذا قاله لهلال بن أمية قبل شروعه في اللِّعان، فلو لم يجب الحدُّ بقذفه لم يكن لهذا معنًى. وبأنَّه قذفَ حرَّةً عفيفةً يجري بينه وبينها القَوَدُ، فحُدَّ بقذفها كالأجنبيِّ. وبأنَّه لو لاعنها ثمَّ أكذبَ نفسَه بعدَ لعانِه (٤)