مضر

117 paragraphs · vol. 2, p. 37

Page 3 of 3

  1. -وبنى قصى داره، فسميت دار المندوة، لأنهم كانوا ينتدون فيها فيتحدثون ويتشاورون في حروبهم وأمورهم، ويعقدون الألوية، ويزوّجون من أراد التزويج. وكان أمر قصي عند قريش دينا يعملون به ولا يخالفونه.

    vol. 2, p. 59
  2. ولما مات، دفن بالحجون. فكانوا يزورون قبره ويعظمونه.

  3. - وروي أن قصيا قال حين أراد إدخال قريش مكة:

    فلست بحازم إن لم تأثّل … بها أولاد قيذر والنبيت

    يعني ولد إسماعيل عليه السلام . وقوله «بها» ، يعني مكة.

  4. - وولد قصي - ويكنى أبا المغيرة - عبد مناف، واسمه المغيرة، وكان يدعى «القمر» لجماله. وجعلته أمه حبّى بنت حليل خادما لمناف، وهو أعظم أصنامهم عندهم، تدينا بذلك وتبركا به. فسماه أبوه «عبد مناف» .

  5. وزعموا أنه وجد كتاب في حجر: «أنّ المغيرة بن قصي أوصى قريشا بتقوى الله وصلة الرحم» .

  6. وكان عبد مناف وعمرو بن هلال بن معيط الكناني عقدا حلف الأحابيش. والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق من خزاعة، وبنو الهون بن خزيمة. وكانوا مع قريش. فقال الشاعر:

    إنّ عمرا وإنّ عبد مناف … جعلا الحلف بيننا أسبابا

    وعبد الله بن قصي، وهو عبد الدار؛ وعبد العزى، وعبد قصي.

  7. وأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول الخزاعى. فكان قصي يقول: ولد لي أربعة بنين، فسميت ابنين منهم بإلهي، وواحدا بداري، وواحد بي. وكان يقال لعبد بن قصي عبد قصي. وهند بنت قصي، تزوجها عبد الله بن عمار الحضرمي.

  8. - وكان قصي شديد الحب لعبد الدار. وكان عبد الدار مضعوفا.

  9. فجعل له بعده دار الندوة، والحجابة، واللواء، والرفادة، والسقاية. فأما دار الندوة فلم تزل له ولولده، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، من معاوية بن أبي سفيان، فجعلها دارا للإمارة بمكة.

    vol. 2, p. 60
  10. وأما الحجابة، فكانت له، ثم صارت بعده إلى عثمان بن عبد الدار، ثم إلى عبد العزى بن عثمان، ثم إلى ابنه أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى، ثم إلى طلحة بن أبي طلحة. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، أراد دفع المفتاح إلى عمه العباس. فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ الآية (١) . فدفع المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وكان أسلم في صفر سنة ثمان، وأقام بالمدينة وغزا مع النبي ﷺ مكة. ثم قام بالحجابة ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. فالحجابة فيهم.

  11. وأما اللواء، فإنه لم يزل في بني عبد الدار حتى كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار؛ وكان لواء رسول الله ﷺ مع مصعب الخير بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. وكان لواء المشركين يوم أحد أيضا مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب عليه السلام ؛ فقال الحجّاج بن علاط:

    لله درّ مذبّب عن حرمة … أعني ابن فاطمة المعم المخولا

    جادت يداك لهم بعاجل طعنة … تركت طليحة للجبين مجدلا

    وشددت شدة بازل فكشفتهم … بالسيف إذ يهوون أخول أخولا

    وعللت سيفك بالدماء ولم تكن … لتردّه حرّان حتى ينهلا

    vol. 2, p. 61ثم أخذ اللواء بعده أبو سعد بن أبي طلحة، وقمن النساء خلفه وهن يقلن:

    ضربا بني عبد الدار … ضربا حماة الأدبار

    فقتله سعد بن أبي وقاص. ثم أخذه عثمان بن أبي طلحة، وهو أبو «شيبة بن عثمان» ، وجعل يقول:

    إنّ على كل رئيس حقا … أن يخضب الصعدة أو تندّقا

    فقتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ضربه ضربة بدا منها حقوه. ثم رجع وهو يقول: «أنا ابن ساقي الحجيج» . ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، ثم أخذه أخوه الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة. فرماه عاصم بن ثابت الأوسي أيضا، فقتله. فلما أحس بالموت، دفع اللواء إلى أخيه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه قزمان حليف بني ظفر من الأنصار فقتله. فأخذه الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، فقتله قزمان أيضا. وكان قزمان منافقا، فقاتل حمية. ثم أخذه شرحبيل بن هاشم، ويقال هو عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فقتله مصعب بن عمير.

  12. فأخذ اللواء منه زرارة بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار؛ وبعضهم يقول يزيد بن عمير. فقتله قزمان. ثم أخذه قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار؛ ويقال قاسط بن شريح بن هاشم بن عثمان بن عبد الدار. فقتله قزمان. ثم أخذه مولى لهم، يقال له صؤاب، حبشي.

  13. فقطعت يمينه، قطعها قزمان. فأخذه بيساره، فقطعت. فالتزم القناة وهو يقول: «أعذرت يا بني عبد الدار» . يريد أعذرت يا بني عبد الدار، وكان أعجميا. فرماه قزمان، فقتله. ووقع اللواء، وتفرق المشركون. فأخذته

    vol. 2, p. 62عمرة بنت الحارث بن علقمة بن زرارة بن عبد مناف بن عبد الدار. فقال فيه حسان بن ثابت الأنصاري:

    عمرة تحمل اللواء وولّت … عن صدور القنا بنو مخزوم

    لم تطق حمله الزعانف منهم … إنما يحمل اللواء الكريم (١)

  14. فلما أسلم بنو عبد الدار، قالوا: يا نبي الله، اللواء إلينا. فقال ﷺ : الإسلام أوسع من ذلك. فبطل اللواء. ولما قتل مصعب بن عمير، ومعه لواء رسول الله ﷺ ، أخذ اللواء مالك، تشبه بمصعب حتى دخل المدينة. ويقال أخذه أبو الروم أخوه، وكان من مهاجرة الحبشة، فدخل به المدينة. وقال حسان بن ثابت:

    فخرتم باللواء وشرّ فخر … لواء الكفر ردّ إلى صؤاب

    جعلتم فخركم جهلا وجبنا … لألأم واطئ عفر التراب (٢)

  15. - وأما الرفادة والسقاية، فإنهما لم تزالا في حياة قصي إلى عبد بن قصي. ثم صارتا إلى عبد الدار بن قصي، حتى عظم شأن بني عبد مناف بن قصي. فقالوا: نحن أولى بما يتولاه بنو عبد الدار منهم، فجمعوا من مال إليهم وعرف فضلهم. وهم: بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرّة بن كعب، ومن كان داخل مكة من بني الحارث بن فهر وهم قوم أبي عبيدة بن الجّراح، وأتوا بإناء فيه طيب، فغمسوا أيديهم فيه ومسحوها بالكعبة، وتحالفوا أن لا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة.

  16. ويقال إنهم تحالفوا وتعاهدوا في منزل ابن جدعان. فسموا المطيّبين.

    vol. 2, p. 63
  17. وحالف بني عبد الدار، على منع المطيبين من نشبتهم (١) وإرادتهم: بنو مخزوم، وبنو جمح، وبنو سهم، وبنو عدي بن كعب. واجتمعوا.

    فقالت: بنو عدي: إنما الطيب لربات الحجال. وأتو بجفنة فيها دم، فغمسوا أيديهم فيها. وكانت العرب إذا تحالفت، غمست أيديهم في الملح والرماد. فسمى بنو عدى بها لعقة الدم، وولغة الدم. ويقال إنّ بعضهم لعق من الدم. فيقال إنّ الفريقين من المطيبين والأحلاف اقتتلوا، ثم اصطلحوا على أن جعلت الرفادة والسقاية لبني عبد مناف. ويقال إنهم لم يقتتلوا، ولكن الرجال سفرت بينهم حتى تراضوا بهاتين المكرمتين.

  18. فاحتملت بنو عبد مناف أعظم الأمور مؤونة. وسمي من حالف بني عبد الدار «الأحلاف» . قال عبد الله بن وداعة السهمى:

    نحن شددنا الحلف من غالب … وغالب واقفة تنظر

    لم يستطيعوا نقض أمر أرن (٢) … وهم على ذاك بنا أخبر

    وزعموا أن عبد الله بن صفوان قال لابن عباس: لإمرة المطيبين كانت أفضل أم إمرة الأحلاف؟ فقال: إمرة المطيبين. يعني خلافة أبي بكر أفضل من خلافة عمر. وقال عمر بن أبي زمعة، ويقال يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ويقال ابن قيس الرقيات:

    ولها في المطيّبين جدود … ثم نالت ذوائب الأحلاف

    إنها بين عامر بن لؤي … حين تدعى وبين عبد مناف

    يشرئبّون في الذؤابة حلوا … حيث حلت ذوائب الأشراف (٣)

  19. - قالوا: ولما كان يوم أحد، لقي زيد بن الخطاب، أخو عمر، أبا جهم بن حذيفة بن غانم. فقال له أبو الجهم: أنا والغ الدم. فقال له زيد، قد أتاك والغ مثلك.

    vol. 2, p. 64
  20. - قالوا: واقترع بنو عبد مناف على الرفادة والسقاية، فصارتا لهاشم بن عبد مناف. ثم صارتا بعده للمطلب بن عبد مناف بوصية. ثم لعبد المطلب، ثم للزبير بن عبد المطلب، ثم لأبي طالب. ولم يكن له مال، فادّان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم. فأنفقها.

  21. فلما كان العام المقبل، سأله سلف خمسة عشر ألف درهم؛ ويقال أربعة عشر ألف درهم. فقال له: إنك لم تقضني مالي عليك، وأنا أعطيك ما سألت على أنك إن لم تدفع إليّ جميع مالي في قابل فأمر الرفادة والسقاية إليّ دونك، فأجابه إلى ذلك. فلما كان الموسم الثالث، ازداد أبو طالب عجزا وضعفا، ولم تمكنه النفقة، وأعدم حتى أخذ كل رجل من بني هاشم ولدا من أولاده ليحمل عنه مؤونته. فصارت الرفادة والسقاية إلى العباس، وأبرأ أبا طالب مما له عليه. وكان يأتيه الزبيب من كرم له بالطائف، فينبذ في السقاية. ثم جعل الخلفاء الرفادة من بيت المال. فقام بالرفادة والسقاية، بعد العباس، عبد الله بن عباس، ثم علي بن عبد الله، ثم محمد بن علي، ثم داود بن علي، ثم سليمان بن علي، ثم عيسى بن علي. ثم لما استخلف المنصور، قال: إنكم لا تلون هذا الأمر بأبدانكم، وإنما تقلدونه مواليكم؛ فأمير المؤمنين أحق بتوليته مواليه. فوّلى أمر السقاية، ونفقة البيت، وإطعام الحاجّ مولى له يقال له زريق.

  22. - وحدثني الحسن بن علي الحرمازي، عن رجل من قريش، أنه قال:

    vol. 2, p. 65كان مما لحقنا من كلام قصي قوله: «العيّ عيان، عيّ الإفحام، وعيّ المنطق بغير سدر» . وقوله: «الحسود عدوّ خفي المكان» . وقوله:

    «من سأل قوما فوق قدره استحق الحرمان» . وكان بنات قصي: برة تزوّجها عمر بن مخزوم، وتخمر تزوجها عمران بن مخزوم. وأمهما حبّى بنت حليل.

  23. - وقال الواقدي: أنزل قصي قريشا منازلها، وكان بالبلد عضاه.

  24. فقطعها، وأذن في قطعها. فاستوحشوا من ذلك فقال: إنكم ليس تريدون الفساد؛ إنما تريدون التوسعة وتستعينون على منازلكم.

    قال الواقدي: ويقال إنهم استأذنوه في قطع الشجر، فأباه؛ فبنوا والشجر في منازلهم. وهذا أحسن عندنا من إذن قصي في قطع الشجر، وأشبه بالحق. قال: ثم اضطروا إلى قطعه، فقطعوه بعده. وكان عبد الله بن الزبير قطع شجرا في دوره، لضيقها عليه.

  25. - وولد عبد مناف بن قصي - وتكنى أبا عبد شمس - عمرو بن عبد مناف وهو هاشم. وأمه عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان، من بني سليم. وأمها ماوية بنت حوزة بن سلول. وإنما سمي هاشما، لأنه هشم لهم الخبز.

  26. حدثني عباس بن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أصابت قريشا سنة ذهبت بأموالهم وأقحطوا فيها. وبلغ هاشما ذلك وهو بالشأم. وكان متجره بغزّة وناحيتها.

  27. فأمر بالكعك والخبز، فاستكثر منهما. ثم حملا في الغرائر على الإبل، حتى وافى مكة. فأمر بهشم ذلك الخبز والكعك، ونحرت الإبل التي حملت.

  28. فأشبع أهل مكة وقد كانوا جهدوا. فقال عبد الله بن الزبعرى - وقال بعضهم: الزّبعرى، والأول أصح-:

    vol. 2, p. 66عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف

    وهو الذي سنّ الرحيل لقومه … رحل الشتاء ورحلة الأصياف (١)

    وقال وهب بن عبد قصي:

    تحمل هاشم ما ضاق عنا … وأعيا أن يقوم به ابن بيض

    فأوسع أهل مكة من هشيم … وشاب الخبز باللحم الغريض (٢)

    قال ابن الكلبي: ابن بيض رجل من قوم عاد، كان يقال له ثوب بن بيض، نزل به قوم فنحر لهم جزورا سدّت طريقا كانت تسلك إليه في واد.

  29. فقيل: سد ابن بيض السبيل، فذهبت مثلا، ويقال إنّ ابن بيض هذا كان موسرا مكثرا، وكان قد صولح على خرج، وجعل على نفسه شيئا لقوم يعطيهم إياه لوقت. فكان يخرج ذلك الشيء، ويجعله في فم شعب كان يدخل إليه منه. فإذا جاء من يقبض ذلك، قالوا: سدّ ابن بيض السبيل؛ أي قضى ما عليه.

  30. وروي عن يونس النحوي البصري أنه قال: يقال للرجل الشريف الواضح النسب «ابن بيض» ، كما يقال «ابن جلاء» .

  31. - وكان هاشم بن عبد مناف صاحب إيلاف قريش الرحلتين، وأول من سنّهما. وذلك أنه أخذ لهم عصما من ملوك الشأم، فتجروا آمنين. ثم إنّ أخاه عبد شمس أخذ لهم عصما من صاحب الحبشة، وإليه كان متجره.

  32. وأخذ لهم المطلب بن عبد مناف عصما من ملوك اليمن. وأخذ لهم نوفل بن عبد مناف عصما من ملوك العراق. فألفوا الرحلتين في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفي الصيف إلى الشأم. فقال الحارث بن حنش

    vol. 2, p. 67السلمي، وهو أخو هاشم لأمه عاتكة بنت مرة السلمية:

    إنّ أخي هاشما ليس أخا واحد … والله ما هاشم بالناقص الكاسد

    والخير في ثوبه وحفرة اللاحد … الآخذ الألف والوافد للقاعد

    وقال العجير السّلولي:

    نحن ولدنا هاشما والمطّلب … وعبد شمس نعم صنو المنتجب

    وقال مطرود بن كعب الخزاعي:

    يا أيها الرجل المحوّل رحله … هلاّ نزلت بآل عبد مناف

    هبلتك أمك لو نزلت عليهم … ضمنوك من جوع ومن أقراف

    الآخذون العهد من آفاقها … والراحلون لرحلة الإيلاف

    والمطعمون إذا الرياح تناوحت … ورجال مكة مسنتون عجاف (١)

    والمفضلون إذا المحول ترادفت … والقائلون هلم للأضياف

    والخالطون غنيهم بفقيرهم … حتى يكون فقيرهم كالكافي

    - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده وابن خربوذ وغيرهما، قالوا:

    لما صارت الرفادة والسقاية لهاشم، كان يخرج من ماله كل سنة للرفادة مالا عظيما، وكان أيسر قريش، ثم يقف في أيام الحج فيقول: «يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في موسمكم هذا زوّار الله تبارك ذكره يعظمون حرمة بيته، وهم أضيافه وأحق الناس بالكرامة.

  33. فأكرموا أضيافه وزوّار كعبته، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح قد أزحفوا، وتفلوا، وقملوا، وأرملوا (٢) . فأقروهم، وأغنوهم،

    vol. 2, p. 68وأعينوهم». فكانت قريش تترادف على ذلك، حتى إن كان أهل البيت ليرسلون إليه بالشيء على قدرهم فيضمه إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس. فإن عجز ذلك، أكمله.

  34. - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه هشام بن محمد، قال:

    كان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ذا مال. فتكلف أن يفعل كما فعل هاشم في إطعام قريش، فعجز عن ذلك. فشمت به ناس من قريش وعابوه لتقصيره. فغضب، ونافر هاشما على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، وعلى الجلاء عشر سنين. وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جدّ عمرو بن الحمق، وكان منزله عسفان. وكان مع أمية أبو همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية. فقال الكاهن: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، في منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منها وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر» . فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر. وخرج أمية إلى الشأم فأقام عشر سنين. فتلك أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية. وقال الأرقم بن نضلة يذكر هذه المنافرة ويذكر تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية:

    لما تنافر ذو الفضائل هاشم … وأمية الخيرات نفر هاشم

    وقال أيضا:

    وقبلك ما أردى أمية هاشم … فأورده عمرو إلى شر مورد

    - وولد عبد مناف، سوى هاشم، عبد شمس بن عبد مناف، والمطلب ويدعى الفيض. وفيه يقول مطرود الخزاعي حين مات:

    قد سغب الحجيج بعد المطلب … بعد الجفان والشراب المنثعب

    vol. 2, p. 69وأم هاشم وعبد شمس والمطلب: عاتكة بنت مرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور. ونوفل بن عبد مناف، وأبا عمرو واسمه عبيد درج؛ وأمهما واقدة بنت أبي عدي. من بني مازن بن صعصعة بن معاوية. وكان يقال لهاشم والمطلب «البدران» . وكان لعبد مناف من البنات. من عاتكة: تماضر، تزوجها عبد مناف بن عبد الدار؛ وحيّة تزوجّها عمرو بن ظويلم، أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر؛ وقلابة، تزوّجها عبد العزى بن عامر الفهري؛ وهالة، وهي أم الأخثم، وفي الأخثم يقول الشاعر:

    أبشر بخير حين تلقى عامرا … نشوان يبرق وجهه كالدرهم

    لما رآني عاريا ذا خلة … ألقى عليّ رداءه ابن الأخثم

    تزوجها عمرو بن خالد بن أمية بن ظرب الفهري، ويقال تزوجّها خالد بن عامر بن أمية بن ظرب. وبرّة، تزوّجها سبع بن الحارث الثقفي؛ وريطة بنت عبد مناف، وأمها النافذة، تزوّجها هلال بن معيط بن عامر الكناني. وقال مطرود بن كعب الخزاعي في ولد عبد مناف:

    يا ليلة هيّجت ليلاتي … إحدى ليالي القسيّات

    إنّ المغيرات وأبناءهم … لخير أحياء وأموات

    أخلصهم عبد مناف فهم … من لوم من لام بمنجاة

    قبر بردمان وقبر بسل … لمان وقبر عند غزّات

    وميت مات قريبا من ال … حجون عن شرق البنيّات (١)

  35. يعني بالمغيرات ولد المغيرة، وهو عبد مناف، كما قال النابغة:

    vol. 2, p. 70شاق الرفيدات من عودي ومن عمم … وماش من رهط ربعيّ وحجّاز (١)

  36. يريد ولد رفيدة بن ثور بن كلب؛ وعودي وعمم ابنا نمارة بن لخم، وربعي وحجاز من ولد الحارث أخي عذرة بن سعد: ربعي بن عامر، وحجاز بن مالك. وأما ردمان ففي ناحية اليمن، وسلمان في طريق العراق، وغزّة بالشأم. فالذي بردمان، المطلب؛ والذي بسلمان، نوفل؛ والذي بغزّة، هاشم؛ والذي مات بمكة ودفن بقرب الحجون، عبد شمس. وقال مطرود أيضا:

    كانت قريش بيضة فتفلّقت … فالمحّ خالصه لعبد مناف

    فحدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ سمع جارية تنشد:

    كانت قريش بيضة فتفلقت … فالمحّ خالصه لعبد الدار

    فقال ﷺ لأبي بكر: يا أبا بكر أهكذا قال الشاعر؟ قال أبو بكر:

    لا، إنما قال: «لعبد مناف» . قال: كذلك قال.

  37. - قال: ومات هاشم بغزّة من بلاد الشأم، فقبره بها. وقدم بتركته ومتاعه أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، من بنى عامر بن لؤي. وكان لهاشم يوم مات خمس وعشرون سنة. وذلك الثبت. ويقال عشرون سنة.

    وقال مطرود يرثيه:

    مات الندى بالشأم لما أن ثوى … فيه بغزّة هاشم لا يبعد

    لا يبعدن ربّ الفناء نعوده … عود السقيم يجود بين العوّد

    فجفانه رذم (٢) … لمن ينتابه

    والنصر منه باللسان وباليد

    vol. 2, p. 71وقال أبو عبيدة: أم هاشم والمطلب وعبد شمس بني عبد مناف:

    عاتكة بنت مرّة، وأمها سلولية. وأم نوفل بن عبد مناف: واقدة بنت أبي عدي، من بني مازن بن صعصعة. وهي أم أبي عمرو، واسمه عبيد بن عبد مناف، درج.