[زهد عون بن عبد الله في الدنيا]

8 paragraphs · vol. 12, p. 238

  1. ورغبة إليك، لا ملجأ منك إلا إليك، آمنت بالرسول الذي أرسلت، والكتاب الذي أنزلت، وأنت مننت علي بذلك، وهديتني فلك الحمد كثيرا.

    vol. 12, p. 238
  2. حدثني أحمد بن ابراهيم، حدثني يحيى بن معين، ثنا الحجاج بن محمد عن المسعودي عن عون أنه كان يقول في بكائه وذكر خطيئته: ويحي لأيّ شيء أعصى ربي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها عني وبقيت تبعتها عليّ في كتاب كتبه كتّاب لم يغيبوا عني. وا سوءتي إذا لم استحيهم ولم أراقب ربي، ويحي نسيت ما لم ينس مني، ويحي طاوعت نفسا لا تطاوعني، طاوعتها فيما يضرها ويضرني ولم تطاوعني فيما ينفعها وينفعني. ربّ إني لم أرحم نفسي فارحمني، رب لا تكلني إليها فتهلكني، ويحي كيف أنسى ملك الموت الذي قد وكلّ بي، أنساه ولا ينساني، يقصّ أثري فإن فررت أدركني، وإن ثبت وجدني، ويحي كيف ينام على مثل هذا الأمر ليلي، وكيف يقر على مثله مثلي، ويحي كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي في عبادة ربي، ولا يبعثني لما يذهبها عني، ويحي إن لم يرحمني ربي، ويحي أما تنهاني أولى خطيئتي عن الأخرى التي عمي عنها قلبي، ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي فلم يزكّني ولم ينظر إلي، ويحي كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما يضرني ولا ينفعني. ويحك يا نفس تنسين ما لا ينسى، وقد أتيت ما لا يؤتي، وكل ذلك عليك محصى في كتاب لا يبيد ولا يبلى، أما تخافين أن تجزي به فيمن يجزى يوم تجزى نفس بما تسعى وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى، يا نفس ويحك ألا تشفقين، وعلى ما أنت فيه تندمين، وبربك تأتمين، مالك إذا افتقرت تحزنين، وإذا استغنيت تبطرين، وإذا

    vol. 12, p. 239دعيت للخير تكسلين، ويحك لم تقولين في الدنيا قول الزاهدين، ولا تعملين للآخرة عمل الراغبين، يا نفس أترجين أن يرضى وأنت لا ترضين، مالك إن سألت تكثرين، وإن أنفقت تقترين، ترجين الآخرة بغير عمل وتؤخرين التوبة بطول الأمل، وإن ابن آدم إذا سقم ندم، وإذا صح أمن، وإذا افتقر حزن، وإذا استغنى فتن ايرغب ولا ينصب فيما يرغب، ويرجو السلامة، ولم يحذر البلاء، ويح لنا ما أغرّنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا، ويح لنا ماذا يراد بنا، ويح لنا إن ختم على أفواهنا وتكلمت أيدينا وشهدت أرجلنا، ويح لنا حين تفشو أسرارنا وتستفتى جوارحنا، وتشهد علينا أجسادنا، فيومئذ لا براءة عندنا ولا عذر لنا، لنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ربنا. ربّ ما أحكمك، وأمجدك، وأجودك، وأرأفك، وأرحمك، وأعلاك، وأقربك، وأقدرك، وأقهرك، وأوسعك، وأفضلك، وأبينك، وأنورك، وأناك وأحضرك، وألطفك وأخبرك، وأحكمك، وأشكرك، وأحلمك، وأكرمك. ربّ ما أبلغ حجتك وأكثر مدحتك، رب ما أبين كتابك، وأشد عقابك، وأحسن مآبك وأجزل ثوابك، ربّ ما أسنى عطاءك، وأجلّ ثناءك رب ما أحسن بلاءك، وأسبغ نعماءك، ربّ ما أعظم سلطانك وأوضح برهانك، رب ما أمتن كيدك، وأغلب أيدك، رب ما أعز ملكك وأنفذ أمرك، رب ما أعظم عرشك، وأشد بطشك، رب ما أسرع فرجك وأحكم فعلك، رب ما أوفى عهدك، وأصدق وعدك، رب ما أحضر نفعك، وأتقن صنعك، عجبا كيف تعظم في الدنيا رغبتي، وقليل ما فيها يكفيني، أم كيف يشتد فيها حرصي ولا ينفعني ما تركت منها بعدي، وكيف أؤثرها وقد ضرّت من آثرها قبلي، أم كيف لا أبادر بعملي

    vol. 12, p. 240قبل أن يغلق رهني، أم كيف تقرّ عيني مع ذكر ما سلف مني، فاغفر لي، واجعل طاعتك همي، وقوّ عليها عزمي، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي، وآمنيّ يوم الفزع الأكبر حين لا يهمّني إلاّ نفسي.

  3. وحدثنا أحمد بن ابراهيم، ثنا يحيى بن معين عن الحجاج بن محمد عن المسعودي عن عون بن عبد الله أنه قال: يا بني كن ممن نئي به عمّن نئي عنه بغنى ونزاهة ودنوّه ممن دنا منه بلين ورحمة، ليس نأيه بكبر وعظمة، ولا دنوّه بخدع وخلابة، يقتدي بمن قبله وهو إمام من بعده، ولا يعجل فيما رابه، ويعفو إذا تبيّن، يغمض في الذي له ويزيد في الحق الذي عليه، ولا يعزب حلمه ولا يحضر جهله، الخير منه مأمول والشر مأمون، إن زكّي خاف ما يقولون واستغفر لما لا يعلمون، يقول: ربي أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي من غيري، فهو لا يغرّه ثناء من جهل أمره ولا ينسى إحصاء شيء من عمله، يستبطئ نفسه في العمل ويأتي ما أتى من الصالحات على وجل، إن عصته نفسه فيما كرهت لم يتّبعها فيما أحبّت، يبيت حذرا ويصبح فرحا حذرا من الغفلة، وفرحا لما أصاب من الفضل، لا يحيف للأصدقاء ولا يجنف على الأعداء، ولا يعمل الخير رياء، ولا يدع شيئا منه حياء، يصمت ليسلم، ويخلو ليغنم وينظر ليفهم، ويخالط الناس ليعلم، مجالس الذكر مع الفقراء أحبّ إليه من مجالس اللّغو مع الأغنياء، ولا تكن يا بني كمن تغلبه نفسه على ما نظر ولا يغلبها على ما يستيقن، يتمنى المغفرة، ويعمل بالمعصية، طال به الأمل ففتر وطال عليه الأمد فاغترّ، وأعذر إليه فيما عمّر، وليس هو فيما عمّر بمعذر، إن أعطي لم يشكر ما أعطي ويبتغي الزيادة فيما بقي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم ويبغض المسيئين وهو

    vol. 12, p. 241أحدهم، يعوذ بالله ممن فوقه ولا يريد أن يعيذ الله منه من تحته، يبصر الغررة من غيره ويغفلها من نفسه، يتصنع لتحسب عنده أمانة وهو مرصد للخيانة، يخف عليه الشّعر، ويقل عليه الذكر، يعجل النوم ويؤخر الصوم يبيت نائما ولا يصبح صائما، يتصبح بالنوم ولم يسهر ويمسي وهمّه العشاء وهو مفطر، إن صلى اعترض، وإن ركع ربض، وإن سجد نقر، وإن جلس شغر، إن سأل ألحف، وإن سئل سوّف، وإن وعد أخلف وإن حلف حنث، وإن وعظ كلح، وإن مدح فرح، ليس له في نفسه عن عيب الناس شغل، أهل الخيانة له بطانة، وأهل الأمانة عليه علاوة، يعجب من أن يفشو سره، ولا يشعر من أين جاء ضره. يسرّ من الناس ما لا يخفى على الله، فيستحييهم ولا يستحي ربه، ينظر نظر الحسود، ويعرض إعراض الحقود، ويرضي الشاهد ويسخط الغائب، يضحك من غير عجب، ويسعى إلى غير أرب، لا ينجو منه من جانبه ولا يسلم منه من صاحبه، إن حدّثته ملّك، وإن حدثك غمّك، وإن فارقك أكلك، إن حاورته بهتك لا ينصت فيسلم، ولا يتكلم بما لا يتعلم، يغلب لسانه قلبه، ويضبط قلبه قوله، يتعلم المراء وينفقه للرياء ويكثر الكبرياء، يسعى للدنيا ويواكل في التّقى.

  4. المدائني قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة يقول: لم يعذب أحد في الدنيا بمثل الظن السيء، والحسد الدائم، والجار البذيء، والزوجة السليطة.

    قال: وكان يقول: عجبت لرجل يطلب ما لعله لا يدركه، ويدع ما يتيقن أنه مدركه.

  5. كان يقول: عجبا لمن آثر ظنا على يقين، وغررا على ثقة.

    وقال عمر لعون بن عبد الله بن عتبة: أما آن لك أن تترك الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا بدّ للمصدور من أن ينفث.

    vol. 12, p. 242
  6. وكان عون يقول: ليس كلام أوجز من كلام العرب، قال امرؤ القيس:

    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.

  7. (١) فوقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر حبيبه، ومنزله في نصف بيت.

  8. تمّ خبر عون.