فمن بني كليب: جرير بن عطية بن الخطفى،
92 paragraphs · vol. 13, p. 209
Page 2 of 3
- أحيمر فسّاء على كرب النخل (٢)
- فرد علي فقال:
-
أعيّرتنا بالنخل أن كان مالنا … وودّ أبوك الكلب أن كان ذا نخل
فأردت أن أهجو بني عمر فبلغ ذلك عبد العزيز بن عمرو بن مرجوم العصري فأرضاني بصلة وحملان فقلت:
لولا ابن عمرو بن مرجوم لقد وقعت … خرساء لا تبتغي سمعا ولا بصرا
إني لأرجو وراجي الخير يدركه … أن ينعش الله في الدنيا به عصرا
واعترض دون أحمر بن عدانة والصلتان خليد عينين (٣) فقال:
أي نبيّ كان من غير قومه … وما الحكم يا بن اللؤم إلا مع الرسل
فقلت:
ذرنّ الفخر يا بن أبي خليد … وأدّ خراج رأسك كل عام
لقد علقت يمينك رأس ثور … وما علقت يمينك من لجام (٤)
وقلت:
vol. 13, p. 227كم عمة لك يا خليد وخالة … خضر نواجذها من الكرّاث
نبتت بمنبته فطاب لشمها … ونأت عن القيصوم والجثجاث (١)
قال: فلم يجبني بشيء، قال جرير: وبرق الصبح فنهض الحجاج ونهضت، وأخبرني بعض جلساء الحجاج بعد ذلك أنه قال: قاتله الله من أعرابي، أيّ جرو خراش هو.
-
حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة قال: سئل الأخطل فقيل: أيكم أشعر؟ قال: جرير أغزرنا وأنسبنا، والفرزدق أفخرنا، وأنا أوصف للخمر، وأمدح للملوك.
- المدائني قال: بلغ الأخطل قول جرير:
-
جاريت مضطلع الجراء سماية … روقا شبيبته وعمرك فان (٢)
قال: صدق إنه لشاب، ولقد أديل نابغة بني جعدة مني حين عيرته الكبر فقلت:
لقد جارى أبو ليلى بفخر … ومنتكث عن التقريب فان
إذا لقي الخيار أكب فيه … يجر على الجحافل والجران (٣)
-
حدثني أبو عدنان عن أبي عبيدة قال: لما فارق جرير الراعي حين التقيا بالمربد، قال: إنما يكفيني بزر بدانق حتى أخزيه وابنه، إن أهلي ساقوا بي رواحلهم حتى وضعوني بقارعة الطريق، والله ما كسبتهم دنيا ولا آخرة، إلا سبّ من سبّهم من الناس فإن عبيدا هذا بعثه أهله على رواحلهم من
vol. 13, p. 228أكناف هبّود (١) يلتمس لهم الميرة، وايم الله لأوقرنّ رواحلهم خزيا وعارا ثم أتى رحله في دار كانت في موضع دار جعفر بن سليمان اليوم، وكان يسكن غرفة فمكث ليلته لا يهدأ ولا يقر، فيصعد إليه بعض من معه فيقولون:
ما عراك؟ فيقول: خير، ثم يعود فيعودون فلا يخبرهم حتى انفتح له الهجاء، وبلغ ما أراد، فقال قتلت العبد وأخزيته، فسئل عن أمره كما كان يسأل فقال: إني كنت أداور هجاء هذا العبد النميري حتى أطلعت طلع هجائه، وتأتّى لي ما أردت منه، وأدخل طرف ثوبه بين رجليه وهدر وقال:
فضحت ابن بزوع وأخزيته، وبزوع أم الراعي، وقال: يا صبي أطفئ السراج وهدأ، حتى إذا أصبح لقي الراعي في سوق الإبل فقال له:
أجندل ما تقول بنو نمير … إذا ما الأير في است أبيك غابا
فقال: تقول شرا، ثم أنشده القصيدة.
-
حدثني المدائني قال: كان لجرير عبد أسود أعجمي يدعى بلقب له فيغضب، فمر ببني نمير فألحوا عليه بلقبه فشكا ذلك إلى جرير فحفظه بيته:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وقال له: إذا مررت عليهم فأنشدهم هذا البيت. فمر عليهم فدعوه باللقب فأراد أن ينشدهم البيت فنسيه فجلس مفكرا ثم رفع رأسه فقال:
غمضوا عيونكم يا أولاد الزنا. فقال شيخ منهم: ويحكم والله ما أراد إلا بيت جرير، فكفوا عنه أخزاه الله.
-
ونزل جرير بامرأة من عكل فلم تقره، لأن بنيها كانوا غيبا، فخرج وهو يقول:
vol. 13, p. 229ظللنا عند أم أبي كبير … نداوي الجوع بالماء القراح
فلو كان الذي يسقين عذبا … ولكن ماء أحسية ملاح (١)
-
ثم جاء بنوها فذبحوا له وأكرموه.
- المدائني وغيره قالوا: لما قال جرير للأخطل:
-
لا تطلبنّ خؤولة في تغلب … فالزنج أكرم منهم أخوالا (٢)
-
غضب سنيح العماني مولى بني ناجية فهجا جريرا، وفضل عليه الفرزدق، وفخر عليه بالزنج فقال:
إنّ امرأ جعل المراغة وابنها … مثل الفرزدق خائر قد فالا (٣)
إن الفرزدق صخرة عادية … طالت فليس تنالها الأوعالا
ما بال كلب من كليب سبّنا … إن لم يوازن حاجبا وعقالا
قد قست شعرك يا جرير وشعره … فقصرت عنه يا جرير وطالا
وبنيت بيتك في قرار مسائل … فجرت عليك به السيول فمالا
والزنج لو لاقيتهم في صفهم … لاقيت ثمّ حجاجا أبطالا
فسل ابن عمرو حيث رام رماحهم … فرأى رماح الزنج ثمّ طوالا
فجعوا زيادا بابنه وتنازلوا … لما دعوا بنزال حتى زالا
ربطوا خيولهم حوالي دورهم … وربطت حولك آتنا وسخالا
كان ابن ندبة فيكم من نجلنا … وخفاف المتحمّل الأثقالا
وابنا زبيبة عنتر وهراسة … ما ان نرى فيكم لهم أمثالا
vol. 13, p. 230وسليك الليث الهزبر إذا عدا … والقرم عباس علوك فعالا
هذا ابن خازم الكريم وأمه … عجلى أبزّ على العدو قتالا
وبنو الجناب مطاعن ومطاعم … عند الشتاء إذا تهب شمالا
فلنحن أنجب منكم لخؤولة … ولأنت الأم منهم أخوالا
ابن عمرو بن حفص بن زياد بن عمرو العتكي كان خليفة أبيه على شرط البصرة فقاتل رباح شارزنجي، ويقال شارزنجيان، الذي خرج بالفرات، بعثه إليه أبوه فقتله رباح.
-
فتى عياذ (١) : سليمان بن عياذ قتل في بلاعص من أرض الزنج.
-
وابن ندبه: يعني خفاف بن ندبة كانت أمه سوداء، وعنتر: يريد العبسي، وأخاه سليك بن سلكة (٢) وأمه سوداء. وابن خازم السلمي وأمه عجلى سوداء، وعباس بن مرداس السلمي وإخوته.
-
وروي عن عكرمة بن جرير عن أبيه قال: الفرزدق نبعة الشعر. قال وسئل الأخطل بالكوفة عن جرير فقال: دعوا جريرا أخزاه الله، فإنه كان بلاء على من صب عليه.
-
وحدثني عمارة قال: نزل جرير بقوم من كلب فلم يقر فقال:
وما لمنا عميرة غير أنا … نزلنا بالرسيس فما قرينا
ظللنا مرملين بسوء حال … وقد لقي المطيّ كما لقينا (٣)
-
فبلغهم قوله فأتوه وسلّوا سخيمته.
- vol. 13, p. 231
وأمر سليمان بن عبد الملك الفرزدق أن يضرب عنق أسير، فضربه فنبا سيفه، فقال جرير:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع … ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت … يداك وقالوا مخذم غير صارم
عنيف يهز السيف قين مجاشع … رقيق بأخرات الفؤوس اللوادم (١)
-
وأتى الفرزدق مسجد بني الهجيم فأنشد فيه شعرا، ودخله جرير فأنشد فمنعوه وقالوا: إنما بنيت المساجد للصلاة والقرآن لا للشعر: فقال:
- منعتموني ما لم تمنعوا الفرزدق مثله وقال يهجوهم:
-
إنّ الهجيم قبيلة ملعونة … حصّ اللحى متشابهو الألوان
يتوركون بنيهم وبناتهم … صعر الأنوف لريح كل دخان
لو يسمعون بأكلة أو شربة … بعمان أصبح جمعهم بعمان (٢)
قالوا: وخفة اللحى في الهجيم ظاهرة، فقيل لبعضهم لقد استويتم في لحاكم؟ فقال: إنّ الفحل واحد.
قالوا: وأتى جرير فيروز حصين، ومعه جماعة من بني يربوع، فوقف عليه فقال: يا أبا عثمان إنك تزين العشيرة، وتعين على النائبة، وتحمل الكلّ، وهؤلاء قومك قد اقحموا، فدعا بكيس فيه ألف درهم فأعطاه إياه فولّى وهو يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه … يفره ومن لا يتقي الشتم يشتم (٣)
- ويروى مثل هذا عن الفرزدق أيضا:
-
قالوا: وشخص جرير إلى الشام، فنزل في طريقه على رجل من بني نمير، فأخرج إليه امرأته فقال: انظر إليها فأبى، فطلب إليه فنظر إليها بمؤخر عينه فقال: أرى كرما وخفرا وجمالا. قال له: فأين قولك:
ومقرفة اللهازم من نمير … يشين سواد محجرها النقابا (١)
قال جرير: فما استحييت من شيء قط استحيائي من قوله يومئذ.
-
وقال محمد بن سلام، أخبرني شعيب بن صخر عن هارون بن ابراهيم قال: رأيت الفرزدق وجريرا في مسجد دمشق في عصابة من خندف، والناس من قيس، وموالي بني أمية وغيرهم عنق على جرير يسلمون عليه يا أبا حزرة كيف قدمت أمتع الله بك؟ فيقول: بخير وذاك لمدحه قيسا وقوله:
«والذرا من قيس عيلانا» (٢) …
- وقوله أيضا:
-
ويجمعنا والغرّ أبناء عمنا … أب لا نبالي بعده من تعذرا (٣)
-
يعني إبراهيم عليه السلام .
وقال جرير لرجل: أنا أشعر أم الفرزدق؟ فقال: أما عند أهل العقل الثاقب فالفرزدق، وأما عند الجمهور فأنت. فقال: أنا أبو حزرة غلبته.
-
ونزل الفرزدق وجرير على بعض آل مروان، فقال المرواني: ما رأيت أسخى وأفجر من الفرزدق. ولا أبخل وأعف من جرير.
-
المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: قلت لنصيب
vol. 13, p. 233يا أبا محجن من أشعر الناس؟ قال: أخو بني تميم. قلت: ثم من؟ قال:
أنا. قلت: ثم من؟ قال: ابن يسار. فلقيت ابن يسار فقلت: يا أبا فائد من أشعر الناس؟ قال: أخو تميم. قلت: ثم من؟ قال: ثم أنا. قلت:
ثم من؟ قال: النصيب. فقلت: إنكما لتتقارضان الثناء. فقال:
وما ذاك؟ فحدثته فقال: إنه والله لشاعر كريم.
-
وحدثني محمد بن حبيب قال: أنشد رؤبة بحضرة جرير، وهو عند والي اليمامة:
والله لولا أن تحش الطبّخ … بي الجحيم حين لا مستصرخ
لعلم الجهال أني مفتخ (١) … لهامهم أرضّه وأشدخ
ولو رآني الشعراء ذيّخوا (٢) … ولو أقول دربخوا لدربخوا (٣)
-
لدستهم كما يداس الفرفخ (٤) …
- فغضب جرير وقال:
-
يا بن كسوب ما علينا مبذخ … باست حباري طار عنها الأفرخ (٥)
-
فتكلم رؤبة بن العجاج، فقال له: اسكت فوالله لئن أقبلت قبل أبيك وقبلك لأرفثن عظامكما، ولأدعنّ مقطعاتكما هذه، وهي لا تغني عنكما شيئا، فقام إليه رؤبة فترضاه.
vol. 13, p. 234قالوا: واشترى جرير جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد ففركته (١) ، وكرهت خشونة عيشه فقال:
تكلفني معيشة آل زيد … ومن لي بالمرقق والصناب (٢)
وقالت لا تضم كضم زيد … وما ضمي وليس معي شبابي (٣)
وقال الفرزدق:
لئن فركتك عجلة آل زيد … وأعوزك المرقق والصناب
لقدما كان عيش أبيك مرا … خسيسا ما تعيش به الكلاب (٤)
وقال جرير:
تبكي على زيد ولم تر مثله … بريئا من الحمى صحيح الجوارح
فإن تقصدي فالقصد مني سجية … وإن تجمحي تلقي لجام الجوامح (٥)
-
فقيل له: وما لجامهن؟ قال: هذا، أشار إلى سوط معلق في البيت.
-
المدائني عن عقيل بن بلال بن جرير قال: قال جرير وذكر الفرزدق:
ذاك نبعة الشعر، وإن ابن النصرانية لشاعر شرعه.
-
وسئل عن النابغة الجعدي فقال: سوق خلقان ترى فيها ثوبا يروعك وآخر تقتحمه عينك.
- vol. 13, p. 235
وسئل عن ذي الرمة فقال: أبعار ظباء تستنشي رائحة مسك وتفتّ بعرا.
-
المدائني عن سحيم بن حفص قال: وهب الحجاج لجرير جارية من سبي الديلم مما يلي الري يقال لها زرّة، فسماها أم حكيم، وهي أم نوح بن جرير، وبلال بن جرير، فطلبت من جرير بألفي درهم فلم يبعها وقال:
إذا عرضوا ألفين يوما تعرّضت … لأم حكيم حاجة من فؤاديا
لقد زدت أهل الري عندي مودة … وحبّبت أضعافا إليّ المواليا (١)