ومنهم خالد بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم،
70 paragraphs · vol. 13, p. 274
Page 1 of 2
- vol. 13, p. 274
واسمه سنان بن سمّي بن سنان بن خالد بن منقر الخطيب.
وقال غير الكلبي: هو خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم، وقول الكلبي أثبت.
-
وأخوه نعيم بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم، وكان نعيم صاحب شراب وكان يشارّ خالدا أخاه كثيرا، فقال الحسن البصري: عجبا
vol. 13, p. 275لهذين الرجلين أمالهما من أنفسهما واعظ، ولا ينهاهما من الله زاجر؟ وهجا الفرزدق نعيما هذا فقال:
ألا أبلغا عني نعيما رسالة … نعيم بن صفوان خليع بني سعد
فما أنت بالقاري عرفنا قراته … وما أنت في الفساق بالحازم الجلد (١)
-
وكان خالد بن صفوان من أخطب الناس وأبلغهم وأحدثهم، وكان ذا حظ من السلطان ومال، وكان بخيلا، ويكنى أبا صفوان، وأم خالد وأخيه نعيم: أروى بنت سليم مولى زياد بن أبي سفيان، وقد ولي صفوان أبو خالد أمر بني تميم أيام مسعود، وكان أيضا خطيبا، وأوصى عند موته بمائة وعشرين ألفا وشهد الحسن وصيته فقال قائل لصفوان: لأي شيء أعددت هذا المال وجمعته؟ فقال: لنكبات الزمان، وجفوة السلطان، ومباهاة العشيرة، فقال الحسن: تدعه والله لمن لا يحمدك، وتقدم على من لا يعذرك.
-
وحدثنا عن هشام ابن الكلبي عن أبيه أن خالد بن صفوان قال:
الصدق محمود، إلاّ صدق ذي السعاية فإنه شر ما يكون، أصدق ما يكون. وقد روي ذلك عن ابن شبرمة.
-
حدثنا علي بن محمد بن عبد الله المدائني أن خالد بن صفوان قال لبشير بن عبيد الله بن أبي بكرة: إن بشيرا تورّد الأمور جهلا، وارتكس فيها، فلم يقم عليها صبرا، ولم يخرج منها عزما.
قال: وكان بلال بن أبي بردة أمر بتقنيع خالد وحبسه لأنه بلغه عنه أنه
vol. 13, p. 276قال حين ولي: سحابة صيف عن قليل تقشع فقال: والله لا تقشع أو تصيبه بشؤبوب.
-
وكان خالد يقول: للعدل في دار بلال أعز من الكبريت الأحمر في دار أبي الزرد الحنفي، وأبو الزرد الذي قال له الفرزدق ما قال، وقد ذكرناه في خبره.
-
المدائني قال: دخل خالد بن صفوان على يوسف بن عمر، وبلال بن أبي بردة يعذب، فقال خالد ليوسف: أصلح الله الأمير هذا بلال بن أبي بردة بن أبي موسى وكان أبو موسى حلاقا فاكتنى بموساه، وتزوج طهفة بنت الدمون، وكانت حالكة الجلد قزعة الشعر، وهي أم أبي بردة، وكان الدمون مقرا بولاء الأمير، وكانت أم هذا أمة لأبيه تخرج إلى الأسواق فيغمز الناس شاكلتها (١) ويشجها أبوه في الدرهم، ويضربها فقال بلال: إن أبي تزوج في أكفائه من العرب، وإن أبا هذا وعمه علقا محررتين من محررات أهل البصرة فلما خاف أهلوهما أن يفضحاهم زوجوهما منهما، فهذا ابن أمة زياد، وابن عمه ابن أمة لآل معمر، وهو يستطيل عليّ بثلاث خصال: هو مطلق، وأنا أسير، والأمير عليّ ساخط وهو عنه راض، وهو بالحيرة على طينته التي ولد عليها فهي تعرفه ويعرفها، فهو كالكلب يجترئ على باب أهله.
قال: ومر خالد على أبي الجهم القائد وهو على حمار له، فقال له أبو الجهم: ما هذا يا خالد؟ قال: عير من بنات الكداد (٢) محملج الساقين
vol. 13, p. 277أصحر السربال (١) ، يحمل الرجلة ويبلغ العقبة، ويمنعني أن أكون جبارا عنيدا.
وقال خالد: البراذين للجمال والدعة، والخيل للطلب والهرب، والجمال للدماء (٢) وبعد الأسفار، والبغال للأحمال والأثقال، والحمير للدبيب وخفة المؤونة.
وقال خالد: بتّ أتمنى ليلتي كلها، فملأت البحر الأخضر من الذهب الأحمر، فإذا الذي يكفيني رغيفان وكوزان وطمران.
-
وذكر سليمان بن علي أن رجلا أراد توليته عملا، فقال خالد: والله لو أنه على سويقة البحرين ما أجراها، مع أنه يخلط ذلك بلؤم الحسب، وسوء الأدب، وقلة النشب.
قالوا: ولقي خالد بن صفوان ذات يوم روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فذكر الدنيا فزهد فيها، ثم قال لروح بن حاتم: رأيتك في شرفك وخطرك وما بسط الله لك من الدنيا تطلبها هذا الطلب يا أبا خلف فقال له روح: يا أبا صفوان ما يرغبني في الدنيا إلاّ أني وأنا شاب حديث السن لا آتي بابا من هذه الأبواب إلاّ وجدتك عليه قد سبقتني إليه، وأنت قد جاوزت الستين، ولم يبق منك كبير شيء. فقال: والله لئن قلت ذلك لقد ذهب مني رونق الوجه، وحسام الصلب، وحدة القلب، ولأنا كنت إلى الدعة
vol. 13, p. 278والرفاهية، وإلى بيت منضوح (١) وتور (٢) من نضوح، وستر مسدول أحوج مني إلى ما ترى.
-
ومدح خالد رجلا فقال: ما رأيت أسكن فؤادا، ولا أبعد غورا، ولا آخذ بذنب حجة، قد تقدم رأسها، ولا أعلم بابنة (٣) ، ووصمة في كلام منه.
-
المدائني عن عدي بن الفضل قال: قال خالد: لا تزوّج واحدة فتحيض إذا حاضت، وتنفس إذا نفست، وتعود إذا عادت، وتزور إذا زارت، وتمرض إذا مرضت، ولا تزوج اثنتين فتكون بين شرّين، ولا تزوج ثلاثا فتكون بين ثلاث أثافي، ولا تزوج أربعة فيجفرنك (٤) ويهرمنك ويفلسنك، فقال له ابن رباط الفقيمي: حرّمت ما أحل الله أجمع. فقال: خير من ذلك: قرصان، وطهران وكوزان، وعبادة الرحمن.
وقال خالد: والله ما تطيب نفسي بانفاق درهم إلاّ درهم قرعت به باب الجنة؟ أو درهم اشتريت به موزا.
وقال خالد: إن الشيطان باختياله ومناصب حباله يخيل بالشبهة، ويكابر بالشهوة، فإذا أعيا مخاتلا كر مكابرا.
-
وكان خالد يقول: من كان ماله كفافا فليس بغني ولا فقير لأن النائبة
vol. 13, p. 279إذا نزلت أجحفت بكفافه، ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير، ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غني.
-
وكان خالد يقول: لئن يكون لأحدكم جار يخاف أن ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار لا يشاء أن يعطيه مالا، ويكتب به عليه صكا إلا فعل.
-
المدائني عن عبد الله بن مسلم قال: مر بخالد رجل من آل المهلّب ورجل من آل المسيح بن الحواري العتكي، وكانا بخيلين فقال لهما خالد:
انزلا نتذاكر المنع فوالله لهو أشد من البذل.
قال: وخرج خالد حاجا، وولى ابنه ربعيا ماله فأنفق إلى قدومه مالا كثيرا، فقال وليت ربعيا مالي فوالله لهو كان فيه أسرع من السوس في الصوف في الصيف.
-
وكان خالد بن صفوان يقول: من تزوج امرأة فليتزوجها عزيزة في قومها ذليلة في نفسها، أدّبها الغنى وأخضعها الفقر، حصانا عن جارها، ما جنة على زوجها.
-
المدائني عن ابراهيم بن المبارك قال: قال أبو العباس أمير المؤمنين لخالد بن صفوان: إن الناس قد أكثروا في النساء، فأي النساء أعجب إليك؟ قال: أحبها يا أمير المؤمنين ليست بالصرع الصغيرة، ولا الطاعنة الكبيرة، حسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، أعلاها عسيب (١) وأسفلها كثيب، غذيت في نعيم ثم أصابتها حاجة، فأدبها النعيم وأذلها الفقر، هلول على زوجها، حصان من جارها، إذا خلونا كنا
vol. 13, p. 280أهل دنيا، وإذا افترقنا كنا أهل آخرة.
-
المدائني قال: قال حفص بن معاوية بن عمرو الغلابي: قلت لخالد:
يا أبا صفوان إني لأكره أن تموت وأنت من آيس أهل البصرة فلا يبكيك إلا الإماء. قال: فابغني امرأة، قلت: صفها لي أطلبها. قال: أريدها بكرا كثيب أو ثيبا كبكر لا صرعا صغيرة ولا مسنّة كبيرة لم تقرأ فتحنن (١) ولم تفتّ فتمحن، قد نشأت في نعمة وأدركتها خصاصة فأدبها الغنى، وأذلها الفقر، حسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب وحسبي من حسبها أن تكون واسطة في قومها ترضى منى بالسنّة، إن عشت أكرمتها وإن مت أورثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء بطرا، ولا تضعه إلى الأرض سقوطا. فقلت: يا أبا صفوان الناس في طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها.
-
وكان خالد يقول: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة.
وقال الهيثم بن عدي وأبو الحسن المدائني: بينما خالد بن صفوان في المسجد بالبصرة، إذ جلس إليه أعرابي من بني العنبر، فقال خالد لأصحابه: خير النساء امرأة قد احتنكت في سنها واستحكم رأيها، خميص بطنها، طويل جيدها حسن ليتها، عظيم بوصها (٢) ، تملأ كف قرينها باللعب الجميش (٣) . فقال العنبري: دع عنك من استحكم رأيها، وعليك
vol. 13, p. 281بها حين نهدت، غرّاء لا تدري ما يراد بها ثم أنشد:
عليك أبا صفوان إن كنت ناكحا … فتاة اناس ذات أتب ومئزر
لها كفل راب وبطن معكّن … وأجثم مثل القعب غير منور
فتلك التي إن نلتها كنت سيدا … ودع عنك أخرى كالظليم المنفّر
مجربة للباه قد جازت المدى … وصارت من النسوان لم تتخفر
هي القرن إن صالت فليث خفيّة (١) … وإن سكنت خوفا فذات تذمّر (٢)
-
وكان خالد يقول: إن المروءة لو خفّ محملها، وقلّت مؤونتها لما ترك اللئام فيها للكرام بيت ليلة، ولكن ثقل محملها، وعظمت مؤونتها فاجتباها الكرام، وكاع عنها اللئام.
-
المدائني قال: قالت امرأة لخالد بن صفوان: إنك لجميل، قال:
كيف قلت ذاك فوالله ما في عمود الجمال ولا رداؤه، ولا برنسه، أما عموده فالطول ولست بالطويل، وأما رداؤه فالبياض، ولست بأبيض، وأما برنسه فسواد الشعر وجعودته، وأنا أصلع، ولكن قولي إنك لحلو.
وقال خالد للفرزدق وكان يمازحه: يا أبا فراس ما أنت بالذي لما ﴿رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (٣) فقال الفرزدق: ولا أنت يا أبا صفوان بالذي قالت الفتاة لأبيها: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٤) .
- vol. 13, p. 282
وذكر خالد رجلا فقال: إنه لممن عرّب الله سليقته، وقوّم طريقته، من تنظره النعمة وتطعه، فإنها لتوقره وتذلله.
-
وكان خالد يقول: المزاح سباب النوكى، ولا بأس بالفكاهة ينطلق بها وجه الرجل في مجلسه وتخرجه من حال العبوس.
وقال خالد لرجل: رحم الله أباك فانه كان يقري العين جمالا والسمع بيانا.
وقال خالد: قدمت الشام فدخلت حماما ودخله أبو محجن خادم هشام بن عبد الملك معي، ولا أعرفه، فقال: الحمد لله الذي فضلنا على كثير من خلقه. فقلت: ما في الأرض شيء له خصيان إلا وهو أفضل منك، فقال: من أنت؟ فأخبرته فخرج قبلي، وأمر خادما له فتخلف، فلما خرجت ذهب بي إلى منزله فأكرمني أبو محجن وقربني وقام بحوائجي.
-
وكان خالد يلحن في كلامه فقيل له: لو نظرت في النحو. فقال:
أخاف أن أتفقد اعراب الكلام فينقطع لساني، ويقال قال: أخاف أن آخذ نفسي بالإعراب فينقطع لساني.
قال: وسمع خالد رجلا ينشد قول الشاعر:
إذا حدثتك النفس أنك قادر … على ما حوت أيدي الرجال فجرّب
فقال خالد: لا والله ولكن فكذّب.
وقال أبو العباس السفاح يوما: عليّ بخالد فلما دخل عليه قال: قد وليت الخلافة فكنت أهلها وموضعها، رعيت الحق في مسارحه وأوردته موارده، فأعطيت كلا بقسطه من نظرك وعدلك وأدبك ومجلسك، حتى كأنك من كل أحد، أو كأنك لست من أحد، فأعجبه قوله، وأمر له بمال.
vol. 13, p. 283وقال خالد: وفدت على هشام بن عبد الملك فوجدته قد بدا (١) لشرب اللبن وذلك في عام قد بكر وسميّه (٢) وتتابع وليه (٣) ، وأخذت الأرض زخرفها، وأنواع زينتها، فهي كالزرابي المبثوثة والقباطي المنشورة، وكأن ترابها الكافور، فلو ألقيت بضعة لم تترب، وقد ضربت له سرادقات حبره بعث بها يوسف بن عمر من اليمن، فهي تتلألأ كأنها العقيان، فذكرني مسلمة له فأرسل إلي، فدخلت إليه، وإذا تحته أربعة أفرشة موشاة مثلها مرافقها ومخادّها، وعليه جبة خزّ، وعمامة خزّ، فجددت له دعاء، ولم أزل قائما حتى أذن لي في الجلوس، ثم نظر إلي كالمستنطق لي فقلت: يا أمير المؤمنين أتم الله عليك نعمه، ودفع عنك نقمه هذا مقام زيّن الله به أمري، ورفع قدري وذكري، وأطاب نشري، إذ أراني وجه أمير المؤمنين، ولن أرى لمقعدي هذا جزاء هو أفضل من أن أنبه أمير المؤمنين على تفضيل الله إياه ليحمد الله على ما أولاه وأعطاه، ولا أرى موعظة هي أحضر من حديث ملك من سالف الملوك فإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته، فاستوى جالسا ثم قال: هات يا بن الأهتم. فقلت: كان ملك فيما مضى جمع له فتاء السن، وذكاء الشباب، وصحة الطباع، وكثرة المال، وسعة الملك، فأشرف يوما وذلك بالخورنق (٤) فنظر إلى ما جمع له فأعجبته نفسه، فقال لمن حضره: هل علمتم أحدا أوتي مثل ما أوتيت؟ فسكت القوم وفيهم رجل من بقايا حملة الحجة، فقال له: إن أذنت تكلمت. قال: قل. قال: أرأيت ما جمع الله
vol. 13, p. 284لك أشيء هو لك لم يزل ولا يزال، أم شيء كان لمن قبلك فزال عنهم وصار إليك وكذلك يزول عنك؟ قال: لا بل شيء كان لمن قبلي وهو زائل عني، فقال: لا أراك إلا مفتونا بشيء تذهب عنك لذّته وتبقى تبعته، تكون فيه قليلا، وترتهن به طويلا. فبكى وقال: إلى أين المهرب، وعلى ماذا يكون المعوّل؟ فقال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك، وإما أن تلقي عليك أمساحا وتلحق بجبل تعبد فيه ربك حتى يأتيك أجلك، فتكون لك حياة لا موت بعدها، وصحة لا سقم معها. فألقى عليه أمساحا وتعبد في بعض الجبال حتى مات.
قال: وأنشدته قول عدي بن زيد العبادي:
أين كسرى كسرى الملوك أن … وشروان أم أين قبله سابور
وأخو الحضر (١) … إذ بناه وإذ
دجلة تجبى إليه والخابور
لم يهبه ريب المنون فزا … ل الملك عنه فبابه مهجور
وتفكر ربّ الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تفكير
سرّع جمعه وكثرة ما يمل … ك والبحر معرضا والسدير
فارعوى مبصرا فقال وما غبط … ة حيّ إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأمّ … ة وارتهم هناك القبور
ثم أمسوا كأنهم ورق ج … فّ فألوت به الصّبا والدّبور (٢)
-
فبكى هشام ونشج، ثم قام كالمغضب وقام من في مجلسه، فقال لي
vol. 13, p. 285حاجبه: يا هذا ما أعياك لقد كسبت نفسك شرا، دعاك أمير المؤمنين لتحدثه وتسره وتلهيه، وقد علمت أنه انفرد بهذا المكان لئلا يرى ولا يسمع شيئا يكرهه ويؤذيه للعلة التي هو فيها، فما عدوت أن نعيت إليه نفسه وكدرت عليه عيشه. قال: فأقمت أياما أتوقع ما أكره وجعل الشاميون يقولون أين هذا العراقي الأحمق الذي أغضب أمير المؤمنين؟ وجعل هشام يقول: يا مسلمة إنك لا تزال تأتيني بما أكره، ثم لقيني الحاجب فقال: إن أمير المؤمنين قد ذكرك فقال: لله در ابن الأهتم، وأمر لك بصلة، وأذن لك في الانصراف.
-
وسأل رجل خالدا فأعطاه درهما، فقال له: يا سبحان الله أتعطيني درهما فقط؟ فقال: يا أحمق أما علمت أن الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف، والألف عشر دية مسلم.
وقال خالد بن صفوان: وفدت على هشام فدخلت عليه وذلك بعد عزله خالد بن عبد الله القسري، فألفيته جالسا على كرسي في بركة ماؤها إلى الكعبين، فدعا لي بكرسي فجلست عليه ثم ساءلني وحادثته طويلا، ثم إنه أطرق إطراقة ورفع رأسه فقال: يا خالد رب خالد جلس مجلسك كان ألوط (١) بقلبي وأحب إلي منك. فقلت: يا أمير المؤمنين إن حلمك لا يضيق عنه، فلو صفحت عن جرمه. فقال: يا خالد إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا.
-
وقال خالد بن صفوان لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد - حين أتى البصرة منهزما من أبي فديك-: الحمد لله الذي خار لنا عليك ولم يخر لك
vol. 13, p. 286علينا، فقد كنت حريصا على الشهادة، ولكن الله أبى ذلك ليزين بك مصرنا، ويؤنس بك وحشتنا، ويكشف بك غمتنا.
-
المدائني عن حفص بن معاوية قال: قال خالد: يا جارية أطعمينا جبنا فإنه يشهي الطعام، ويقوي المعدة، وهو حمض العرب، فقالت:
ما عندنا منه شيء، فقال: لا عليك فإنه ما علمت يقدح الأسنان، ويوكي البطن، ويغير النكهة، وهو بعد من عمل أهل الذمة.
قال: ومر خالد برجل وهو يأكل جبنا، فقال: لا تأكله فإنه سهل المدخل، عسر المخرج، ثم إن الرجل رأى خالد يأكل جبنا وقال: يا أبا صفوان ألم تنهني عن أكله؟ فقال: إنه يفتق الشهوة ويطعم الخبز، وهو يعد من حمض العرب.
وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد بن صفوان: أخبرني عن الحسن، فقال: كان أشبه الناس سريرة بعلانية، وعلانية بسريرة، وآخذ الناس بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأعظمهم على نفسه سلطانا، ولم يقم يوما بامارة، ولم ير في سوق لتجارة، استغنى عما في أيديهم من دنياهم، واحتاجوا إليه فيما عنده من أمر دينهم، فقال مسلمة: كيف يهلك قوم مثل هذا بين أظهرهم.
وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد: أخبرني عن الأحنف، فقال: إن شئت أخبرتك عنه في ثلاث، وإن شئت ففي اثنتين، وإن شئت ففي واحدة. قال: أخبرني عنه في ثلاث. قال: كان لا يجهل، ولا يحرض، ولا يدفع الحق إذا نزل به. قال: فما الاثنتان؟ قال: كان يؤتي الخير، ويوقي الشر، قال: فما الواحدة؟ قال: كان أعظم الناس على نفسه سلطانا.
vol. 13, p. 287وقال له بعض عمال البصرة: صف لي الأحنف فقال: إن شئت حدثتك عنه شهرا، وإن شئت عشرا، وان شئت حذفت الحديث حذفا.
قال: فاحذفه. فقال: كان أعظم الناس على نفسه سلطانا.
-
أبو الحسن المدائني عن علي القرشي قال: كان خالد يقول: لا تضع معروفك عند فاحش ولا أحمق ولا لئيم، فان الفاحش يرى إنك إنما فعلت ذلك لخوف شره ضعفا منك، والأحمق غير عارف بما تسدي إليه من معروف، واللئيم سبخة لا تنبت، وإن أنبتت لم يزك منبتها ولم ينم، وإذا رأيت كريما فاصطنع عنده يدا وازرع معروفا، واحصد شكرا، وأنا الكفيل الضامن.
-
المدائني عن عبد الله بن سلم قال: كان خالد يذكر آل المهلب فيقول إن النعم لتقلقل في البلاد، فإذا انتهت إلى آل المهلب اطمأنت.
-
وكان خالد يذكر شبيب بن شيبة فيقول: ليس لشبيب صديق في السر، ولاعدو في العلانية.
-
وأراد حفص بن معاوية بن عمرو الغلابي إتيان الأهواز، فقال لخالد: اوصني، فقال: اتق الله ربك ولتحسن سيمتك (١) ، وعليك بقراءة القرآن فإنه شفاء لما في الصدور، ولا تكونن صخابا ولا عيابا ولا لعانا ولا مغتابا، ولا تكونن في الحديث إلا مجيبا، فإنك تأتي قوما يجهلونك، فمهما تأتهم به يعرفوك به، وينسبوك إليه.
-
المدائني والهيثم بن عدي عن عوانة قال: قال بلال بن أبي بردة لخالد بن صفوان، وهم منحدرون إلى البصرة: هل يستثقل عكابة النميري؟
vol. 13, p. 288فقال: أوّه كدت تصدع قلبي، أحين دنونا من آجام البطائح، وعكة البصرة، ومد البحر، والله لهو أثقل علي من شرب التياذريطوس (١) بماء حار، في أيام العكاك (٢) في عقب التخمة، وأوان الحجامة.
-
وفاخر رجل من اليمانية خالدا على باب الحجاج، فقال خالد: منا النبي المرسل، والخليفة المؤمل، وفينا الكتاب المنزل، ولنا البيت المستقبل.
-
المدائني قال: قال أمير المؤمنين أبو العباس لخالد: أليس من العجب أن قوما قبض نبيهم فلم يدفن حتى اختلفوا؟ ! فقال: يا أمير المؤمنين أعجب من هذا آدم خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، يأكل منها حيث شاء رعدا ونهاه عن شجرة، وحذره عدوه، وقال: ﴿لا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ (٣) فرغب عن الجنة وما فيها وأكل من الشجرة، فواقع الخطيئة ثم تاب الله عليه.
-
المدائني عن أبي محمد (٤) بن سعد قال جلس خالد إلى رجل من بني عبد الدار بمكة فقال له: من أنت؟ قال: خالد بن صفوان من بني الأهتم، فقال العبدري: أنت يا خالد كمن هو خالد في النار، وأنت ابن صفوان والله يقول ﴿صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ (٥) وأنت ابن الأهتم، والصحيح
vol. 13, p. 289خير من الأهتم، فقال خالد: يا أخا بني عبد الدار أتتكلم وقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وخزمتك مخزوم، وجمحت بك جمح، فأنت عبد دار قريش تفتح لهم إذا دخلوا وتغلق إذا خرجوا.
-
المدائني عن أبي إسحاق بن فايد قال: خطب حفص بن معاوية أروى بنت خالد، فقال خالد: إني لا أرضاك لها، ولا أرضاها لك، لأنك مطلاق مصلاف، وإنها سليطة فلا تتفقان.
وقال خالد: لا تطلبوا الحوائج عند غير أهلها، ولا تطلبوها في غير حينها، ولا تطلبوا ما لا تستحقون، فإن من طلب ما لا يستحق استوجب الحرمان.
قالوا: وفاخر خالد قوما من أهل الكوفة، فقال خالد: أسفلها (١) قصب، وأوسطها قصب، وأعلاها رطب، ولم يأتها شيء إلاّ طائعا، ولم يخرج منها شيء إلا كارها.
وقال خالد لغلامه: اشتر لنا موزا، ولا تشتره أخضر جاسيا، ولا أسود ذاويا، فأتاه به فقال: لولا إني أعلم أنك قد أكلت منه لأطعمتك واحدة.
-
وكان خالد يقول: عليكم بكسب الدراهم وحفظها فإنها تلبس النرمق (٢) ، وتطعم الجرمق (٣) ، وتصون الوجه عن المسألة.
-
وكان خالد إذا أخذ جائزة قال للدرهم: أما والله لطال ما غوّرت في
vol. 13, p. 290البلاد وأنجدت أما والله لأطيلنّ ضجعتك ولأديمنّ صرعتك.
وقال خالد ليحيى بن حبيب: أعندك مهيرة؟ فقال: عندي اثنتان، فقال خالد: كنت أحسب أملك دون هذا، وزهدك فوقه.
-
ونازع خالد عبد الله بن حكيم بن أبي أمية بن العاص الثقفي، فقال عبد الله: أنا ابن البيضاء الثقفية، فقال خالد: بياضها دل عليها.
قالوا: وسمع خالد شبيب بن شيبة يتكلم بواسط فأحسن، فقال خالد: نعيت إليّ نفسي إنّا أهل بيت لم يمت منا خطيب حتى يكون فينا خطيب يخلفه إذا مات.
-
وكان خالد يقول: اتقوا مجانيق الضعفاء، يعني دعاءهم، وأنشد لعمرو بن الأهتم:
إذا كنت مرتاد الظلامة فاعتمد … ذرا الناس واحذر عاجزا ومغمزا (١)
-
وكان خالد يقول: ما أحد يطالبني بظلامة هي أبغض إلي من ظلامة من لا مفزع له إلا الله.
وقال خالد: ليست البلاغة بخفة اللسان، وكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقصد للحجة.