ومنهم خالد بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم،

70 paragraphs · vol. 13, p. 274

Page 2 of 2

  1. المدائني أن أبا العباس أمير المؤمنين قال لخالد بن صفوان: أشعرت انا أخذنا سليمان بن حبيب؟ قال: أين؟ قال: وجد في بئر، فقال خالد بن صفوان: هذا الذي خرج رقصا، ودخل قفصا وأخذ وقصا (٢) .

    وقال خالد بن صفوان: أيغدو إلي رجل لا يريد إلا إكرامي فلا أعرف

    vol. 13, p. 291له حقه؟ إني إذا لمتخطّ محاسن الأخلاق إلى مساوئها.

    وقال هشام بن عبد الملك لخالد: عظني وأوجز: فقال: أنت يا أمير المؤمنين فوق الخلق، كذلك جعلك الله، وليس فوقك إلاّ الله، وأنت صائر إلى الله.

    وقال خالد: ما رأينا مثل الأبلة أقرب مسافة، ولا أعذب نطفة، ولا أخفى لعابد، فقال دربست بن رباط: فعلام تضرب الآباط إلى مكة إذا؟! وتكلم خالد بكلام أحسن فيه، فقرظه بعض من حضر، فقال خالد: والله لوددت أني أخرس.

    vol. 13, p. 290
  2. وخاصم رجل خالدا عند بلال فقال: أنت تعيبني في كل يوم فقال:

    وأنت أيضا تعيبه، وهذا ذنب لكما جميعا.

  3. ومر خالد بقوم فقالوا: لو جلست إلينا فقال: إنما الجلوس بعد قضاء الحوائج.

  4. وتكلم أعرابي فقيل لخالد: ما لك لا تتكلم معه؟ فقال: كيف نجاريهم، وإنما نحكيهم أو نساميهم، وإنما نسموا بأعراقهم.

  5. وكان خالد يقول: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف.

    وقال خالد: إذا كفر الإحسان حسن الامتنان.

    وقال خالد: لأن يكون لي ابن يحب الخمر أحب إلي من ابن يحب اللحم، لأنه متى طلب لحما وجده، والخمر ينفد أحيانا.

    وقال رجل لخالد: إني لأحبك. فقال: وكيف لا تحبني ولست لي

    vol. 13, p. 292بابن عم ولا جار، ولا مشارك في صناعة.

    قالوا: وقال خالد لحفص بن معاوية: هل لك في رقاق من برميسان وصناب (١) من أرض حلوان بينهما دجاجة كأنها أوزة كسكرية، قد سمّنت حتى عمي بصرها، وتجافى جلدها عن لحمها، فصرّحت عن لحم يقق، وشحم فاقع يذهب فهوهة الجائع؟ فقال حفص: أي لعمري. قال:

    فموعدك يوم السبت البستان، قال: فأتيته فدعا خبازه فجاء بسفرة فيها ما وصف، فلما وضعت السفرة إذا نحن بأعرابي قد طرأ علينا بغير إذن، أو قال برجل فرّج خصّا في البستان، ودخل فلما نظر إليه خالد مقبلا قال:

    والله لهذا الطارئ المتذمر علينا أشد عليّ من شربة ترنجبين في أيام العكاك في غبّ تخمات بعقب حجامة، ارفع السفرة يا غلام، قال: فما رأيتها، ويقال بل أتى بها بعد انصراف الرجل، وقد ذهبت بشاشتها.

    وقال خالد: لا يطمع أحد عندي في أربع: الفرض والقرض والهرس، وأن أمشي معه إلى سلطان إلا في حاجتي، فقيل له: ما يرجى منك؟ قال: الماء البارد، وحديث لا ينادى وليده.

    قالوا: ووصف خالد البصرة فقال: تخرج قانصا فيجيء هذا بالشبوط والشيم (٢) ، ويجيء هذا بالظبي والظليم، ونحن أكثر الناس عاجا وساجا وديباجا، وبرذونا هملاجا، وخريدة مغناجا، ونهرنا عجب أوله الرطب وأوسطه العنب، وآخره القصب، ولنا التمر في أقنانه كزيتون الشام في أغصانه، تخرج النخلة أسقاطا وأوساطا، ثم تنغلق عن قضبان الفضة

    vol. 13, p. 293منظومة باللؤلؤ الرطب، ثم تصير قضبان ذهب منظومة بالزبرجد الأخضر، ثم ياقوتا أصفر وأحمر، ثم تصير عسلا. وأما نهرنا العجيب، فإن الماء يقبل فيه غضّا فيفيض متدفقا، فيغسل نبتها ويبدأ حين يأتينا في أوان عطشنا، ويذهب في أوان ريّنا، فنأخذ منه حاجتنا، ونحن نيام على فرشنا، يقبل الماء وله عباب وأباب لا يحجبنا عنه حجاب، ولا يتنافس فيه من قلّة، ولا يحبس عنّا من علو، فقال مسلمة: من أين لكم هذا ولم تغلبوا عليه ولم تسبقوا إليه؟ قال: ورثناه عن الآباء ونتركه للأبناء ويدفع لنا عنه رب السماء، وأنشد:

    فمهما كان من خير فإنا … ورثناه أوائل أوّلينا

    وإنا موروثون كما ورثنا … عن الآباء إن متنا بنينا (١)

    قالوا: وأحضر أمير المؤمنين أبو العباس ابراهيم بن مخرمة الكندي وناسا من بني الحارث بن كعب أخوال أبي العباس، وخالد بن صفوان فتفاخروا فقال ابن مخرمة: إن أهل اليمن ملوك العرب في الجاهلية كانت لهم البدأة، ووراثة الملك، كابرا عن كابر، وآخرا عن أول، وغابرا عن سالف، فمنهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم عياض صاحب البحر، ومن حمت لحمه الدّبر (٢) ومنهم غسيل الملائكة (٣) ومن اهتز لموته

    vol. 13, p. 294العرش (١) ، ومنهم مكلم الذئب (٢) ، ومن كان يأخذ كل سفينة غصبا (٣) وليس من شيء له خطر إلاّ وينسب إليهم من: فرس رائع، وسيف قاطع، ودرع حصينة، وحلة مصونة، إن سئلوا أعطوا، وإن نزل بهم ضيف قروا، لا يكاثرهم مكاثر، ولا يفاخرهم مفاخر، فهم العاربة وغيرهم متعربة.

    قال أبو العباس: ما أحسب التميمي يرضى بهذا. فقال خالد:

    أخطأ المتقحم بغير علم. ونطق بغير صواب إذ فخر على مضر، ومنهم رسول الله ﷺ ، والخلفاء من أهل بيته، وكيف يفاخر مضر بقوم هم بين راكب عرد (٤) ، وناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد (٥) ، وغرّقهم فأرة (٦) ، ثم التفت إلى الكندي فقال الفخر بالفرس الرائع والسيف (٧) القاطع والدرع الحصينة؟ ألا وأي فخر أفخر من محمد خير الأنام، وأكرم الكرام، ولله به المنّة علينا وعليهم، لقد كانوا أتباعه، فيه عرفوا وأكرموا، لنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى والسؤدد والعلى، ولنا البيت الموضوع، والسقف المرفوع، والمنبر المحضور ولنا زمزم

    vol. 13, p. 295وبطحاؤها وسقايتها فهل يعدلنا عادل أو يبلغ مدحتنا قول قائل. ومنا ابن عباس عالم الناس، الطيبة أخباره، المتبوعة آثاره، ومنا أسد الله وسيفه (١) ، ومنا الصديق والفاروق وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، لم يكفر بالله قط، ولم يزغ بباطل عن الحق، وذو النورين عثمان الشهيد.

    ثم قال ابن الأهتم: كيف علمك بلغة قومك، وما اسم الأصابع عندكم؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة. قال:

    فاللحية؟ قال: الزب. قال خالد: فإن الله سبحانه وتعالى يقول بلسان عربي مبين فهل سمعته يقول: جعلوا شناترهم في صناراتهم (٢) ويقول لا تأخذ بزبي (٣) فقال أبو العباس رضى الله تعالى عنه: مالك يا يماني ولرجال مضر، وأمر لخالد بمال وقطيعة بالبصرة.

  6. المدائني أن خالدا نازع عمرو بن عبيد الأنصاري وكان بذيئا يشتم من سأله فلم يعطه، وكان يقال له ابن أم حكيم وهي أمه التي قامت عنه فقال لخالد: أنتم كما قال الله: ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ (٤) . فقال خالد: ويحك يا بن أم حكيم إنك اعتصمت بخلتين:

    الكفر، واللؤم، فبسطت يديك فجعلت شمالك سطحا، وملأت يمينك سلحا وقلت: املئوا سطحي وإلا رميتكم بسلحي، ويحك يا بن أم حكيم

    vol. 13, p. 296قال الله سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) وأن أم حكيم يرحمها الله كانت محصنة مؤمنة وما أنا بالواثق بغفلتها وهي تغمر كمرة كثير الدهان.

  7. وذكر خالد المزاح فقال:

    يصلّ (٢) أحدهم صاحبه بأصلب من الجندل.

  8. وينشقه أحدّ من الخردل.

  9. ويفرغ عليه أحرّ من المرجل.

  10. ثم يقول ما زحتك.

    قالوا: أتى رجل من بني تميم خالدا فسأله فأعطاه دانقا، فقال له:

    إنه لو أعطاك كل رجل من بني تميم مثل ما أعطيتك لرحت ذا مال عظيم.

    قالوا: ودخل خالد على أبي العباس رضي الله عنه فقال له: يا خالد كيف علمك بأخوالي؟ قال: أيّ أخوالك يا أمير المؤمنين فبكلهم أنا عارف؟، قال: أمسّهم بي قرابة وأوجبهم علي حقا، ولد الحارث بن كعب. قال: يا أمير المؤمنين هناك هامة الشرف، وخرطوم الكرم، وإن فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنهم لأحسنهم أمما وأكرمهم شيما، وأوقاهم ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة في الحرب والرفد في الجدب، وهم الرأس وغيرهم العجب (٣) . قال: لله درك يا بن صفوان قد وصفت فأحسنت.

    vol. 13, p. 297وقال خالد: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيء فيجترئ عليك.

    قال أبو الحسن: ويقال إن الذي قال هذا سعيد بن العاص، وأنشد:

    أما المزاحة والمراء فدعهما … خلقان لا أرضاهما لصديق

    ويقال المتمثل بالبيت مسعر بن كدام.

  11. وذكر خالد أبا مسلم فقال:
  12. ألم تر إلى هذا الذي بدا بالخرق … ثم ثنى بالحمق بعد ظلم الخلق

    وقال لرجل: قاتله الله أما والله إن قوافيه لقلائد، وإن انبازه لعلائق، وإنه ليملأ الأذن بيانا، ويقري العين جمالا.

  13. وكان خالد يقول: أحسن الكلام ما لم يكن بالبدوي المغرب ولا القروي المخدج، ولكن ما شرفت مبانيه ولطفت معانيه، ولذّ في أفواه القائلين، وآنق السامعين، وازداد حسنا على مر السنين فاجتنته الرواة واقتنته السراة، وكان كعلائق الشعر السائرة، والأخبار الملازمة.

  14. وسمع خالد رجلا من قريش يتكلم فأبلغ وأحسن، فحسده خالد فتعرض له وتحكك فيه، فقال له القرشي: ما أعلم لي يا أبا صفوان إليك ذنبا إلا الاشتراك في الصناعة.

  15. وتكلم خالد بالبادية فقال: يا أهل البادية، ما أحسن بلادكم، وأغلظ عيشكم، وأجفى أخلاقكم، لا تشهدون جمعة ولا تتبغون قاصّا، فقام إليه أعرابي منهم فقال: أما ما ذكرت من خشونة بلدنا وجفاء أخلاقنا فإن ذلك كما ذكرت ولكنكم معشر أهل الحضر تنقبون الدور، وتنبشون

    vol. 13, p. 298القبور، وتأتون الذكور، فقال خالد: اسكت قبّح الله ما جئت به.

    قال: وخوطب خالد في ابنه وقيل له: يدك تشتمل على ثلاثين ألفا، وإنما تجري على ابنك في كل يوم درهما وهو في طرفه (١) على ما تعلم، فقال:

    دانقان لخبزه ودانقان ثمن دجاجة، ودانقان فاكهة، هذا قوت صالح.

    قال وذكر خالد بن صفوان رجلا فقال: كان والله فريغ المنطق، ذلق اللسان، سهل الجرّة، جزل الألفاظ، ثابت الكعدة، رقيق الحواشي خفيف الشفتين، بليل الريق، رحب السّرب، قليل الحركات حسن الإشارات، حلو الشمائل، حسن الطلاوة صموتا قؤولا يهنأ الجرب، ويداوي من الدبر، ويصيب المفاصل، لم يكن بالهذر في منطقه، ولا الزمر (٢) في مروءته، ولا الخرق في خليقته.

  16. متبوعا غير تابع، كأنه علم في رأسه نار.

  17. وذكر رجلا فقال: كان والله قراء غير نزّال، معطاء غير سآل، متبوعا غير تابع.

  18. وذكر رجلا فقال: ما كان أفيح صدره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأعلى شرفه، وأكثر حامده ممن لم يعرفه ومن عرفه، مع سعة الفناء، وعظم الإناء، وكرم الآباء.

  19. وذكر رجلا فقال: ابن الوجوه الواضحات الصباح، والعقول الراجحات الصحاح، والألسن الخطارة الفصاح، والأنساب الكريمة الصراح، والصدور الرحيبات الفساح والمكارم الثمينة الرباح.

    vol. 13, p. 299وقال الهيثم: لما دخل خالد على هشام فجرى ذكر خالد القسري، فقال هشام: إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا، ولا لعودة موضعا، قال: ألا أخبرك عنه يا بن صفوان؟ قلت:

    نعم يا أمير المؤمنين، قال: إنه ما بدأني بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الذي أبدأه بها، قال خالد: فقلت فذلك أحرى أن ترجع له، فقال متمثلا:

    إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد … اليه بشيء آخر الدهر تقبل

    ثم قال: ما حاجتك يا بن صفوان؟ قلت: تزيدني في عطائي عشرة دنانير. فأطرق ثم قال: وفيم ألعبادة أحدثتها نعينك عليها، أم لبلاء حسن أبليته أمير المؤمنين، أم لماذا يا بن صفوان، إذا يكثر السّؤال ولا يحتمل ذلك بيت المال، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين وفقك الله وسددك، أنت والله كما قال أخو خزاعة:

    إذا المال لم يوجب عليك عطاؤه … قرابة قربى أو صديق توامقه

    منعت وبعض المنع حزم وقوة … ولم يفتلذك (١) المال إلا حقائقه

    فلما قدم خالد البصرة قيل له ما الذي حملك على تزيين الإمساك له، فقال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.

    وقال خالد لابن عم له: كان أبوك آدم الناس وجها، وكانت أمك أسوأ الناس خلقا، فأنت جامع لمساوئ أبويك.

  20. وقال خالد، ويقال عبد الله بن الأهتم لقوم نازعوه من موالي آل أسيد: إن أحق الناس ألا يتكلم من لم يكن له أصل ثابت ولا فرع نابت،

    vol. 13, p. 300وكان ذنبا تابعا وخفا موطوءا وزمعا زائدا، ما قامت النساء عن مثل ابن عائشة (١) رحمه الله ، فإنه تفقد أرحامه وأهل قرابته فغسل غثايتها وألحق خسائسها، وبعثهم بالعراق جباة ونكاة، فلما خانت جباتها وضعفت نكاتها حدر عليها بشرا (٢) بغير مال محمول، ولا جند مفصول، ولا سيف مسلول، فأتاها حين تضايق حلق البطان مشمعلا (٣) من الفروع النواضر، والليوث الهواصر، فشذّب قيادتها وأباح أحميتها، وأذل صعبتها، وسهّل حزنها، لا كمن اختان الأموال (٤) ، وجبن عن القتال، ومنح دبره صدور العوالي ثم أقبل يحسّن الخمر والخيانة والغدر، ويقبّح الوفاء والنجدة والأمانة، قبحا لتلك الشفاة الهدر والأعين السحر، والأنوف الجثم، والألوان الحائلة، والشعور القردة، وقبحا لتلك الأخلاق الشتى أورثتهم عارا وأكسبتهم شنارا، وأبوا أن يأتوا بخير.

    وقال أبو الحسن المدائني: سمر خالد عند أمير المؤمنين أبي العباس ففخر قوم من بني الحارث، وخالد ساكت، فقال أمير المؤمنين: يا بن صفوان مالك لا تقول. قال: هؤلاء أخوال أمير المؤمنين. قال: وأنت من أعمامي وليس الأعمام بدون الأخوال. قال: وما أقول لقوم إنما هم بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دل عليهم هدهد، وغرقتهم فأرة، فضحك أبو العباس.

    قالوا: وشخص خالد مع سليمان بن علي إلى أبي العباس، ومعه

    vol. 13, p. 301ابناه: محمد، وجعفر ابنا سليمان، فنزل خالد بين منزليهما فقال له سليمان: أين نزلت يا أبا صفوان، فقال: بين محمد، وجعفر، قال:

  21. فكيف رأيتهما فقال:
  22. أبو نافع جار لها وابن برثن … فيا لك جاري ذلة وصغار (١)

  23. فغضب سليمان. وهذا الشعر لابن مفرغ.

  24. وحدثني التوزي عن الأصمعي قال: دخل خالد على نسائه فقال:

    إنكنّ لطوال الأعناق، كرام الأخلاق والأعراق، ولكني رجل مطلاق، اذهبن فانتنّ طلاّق.

    وقال خالد: ما أتت علي ليلة أحب إليّ من ليلة طلقت فيها نسائي، فرجعت والستور قد هتكت، ومتاع البيت قد نقل، وبعثت إليّ بنيتي بسليلة فيها طعامي، وبعثت إلي الأخرى بشيء أنام عليه.

    وقال خالد لابنه: يا بني كن أحسن ما تكون في الناس حالا، أقل ما تكون في الباطن مالا فإن الكريم من كرمت عند الحاجة طعمته، وإن اللئيم من ساء عند الفاقة أكله.

  25. وحدثنا المدائني قال: كان خالد يقول في الحجاج: عجبا لغلام ولد بالطائف، فلم تزل الأمور ترفعه وتخفضه، حتى أتى العراق بلا مال محمول ولا جند مفصول، فأباح أحميتهم، وأناخ بهم (٢) ، وأوطأ أصمختهم، وأتته الرجال شلالا، يؤتى بزيت الشام وصير (٣) مصر على البرد طردا.

  26. ورأى خالد في بعض دور أمراء البصرة مالك بن دينار، ومحمد بن واسع الأزدي وفرقدا السبخي، فمال إليهم ثم قال: ما خلطكم بنا عند هذا الباب فقد عهدناكم ترغبون عنه، والله ما يخرج إلينا منكم أحد إلا بشقاء، ولا يدخل منا أحد إليكم إلا بسعادة، ثم خاف أن يكونوا قد استغلظوا قوله فعاد إليهم فقال: الله يعلم أن قلبي يحبكم، ولكنا تمرغنا على هذه الدنيا فتمرغت علينا، وما شبهت بي وبكم إلا الجناح يكون معلقا بالدار، فإن شاء قائل أن يقول ليس منها لخروجه عنها قال، وإن شاء أن يقول إنه منها لتعلقه بها قال.

    وقال أبو الحسن: خاصم رجل خالدا إلى بلال بن أبي بردة فقضى للرجل على خالد، وتحامل عليه، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشّع. فقال بلال: أما إنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، فضربه فيما يقال مائة سوط، وأمر بحبسه، فقال خالد: علام تحبسني يا بلال وما جنيت جناية؟ فقال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وحاجب يقال له حفص.

    vol. 13, p. 302
  27. وقيل لخالد: ما بلغ من زهد الحسن فقال: لم يقلّب درهما قط ولم ير في سوق قط إلا مجتازا، وكان في نهاره معلما، وفي ليله زاهدا عابدا.

  28. وكان خالد يقول وهو غاز إذا سبقه القوم: أهكذا يفعل السراة وأهل المروءة؟ فإذا سبقهم فقيل له: تنهى عن شيء وتفعله؟ قال: فلم بذلنا الأموال في فرهة الدواب؟ وخطب خالد امرأة من بني سعد فقال لها: أنا خالد بن صفوان، والحسب ما علمت، وكثرة المال على ما بلغك، وفيّ خصال أعلمك بها

    vol. 13, p. 303لتقدمي على معرفة: إنه لا سبيل إلى درهمي وديناري، وأنا ملول فربما أتت علي ساعة لو أن رأسي في يدي لطرحته، فقالت: قد فهمت ما ذكرت وهذه خصال ما كانت لترضاها بعض بنات ابليس فكيف بنات آدم فارجع موفورا.

    وقال خالد: الإماء شر خلف من الحرائر، هن أوسخ رقابا، وأقل عقولا، فقيل له: فإنك لا تتخذ إلاّ الإماء؟ فقال: أما سمعتم قول القائل: خذ من القسّ بقوله، ولا تأخذ بعمله.

  29. وكان خالد يقول: ثلاث أضن بدرهمي فيهن: صداق النساء، وصلة الرحم، وشراء الموز، وأراد رجل أن يبني بأهله، فقال له خالد:

    بالبركة وشدة الحركة والظفر عند المعركة.

    وقال خالد: كانت لي امرأة وأنا ملول، فكانت تستخف بي وتقول:

    ما أعرف كريمة قوم صبرت على مثل ما أصبر عليه منك، فركبت يوما مع سليمان بن علي وعناني جديد فاتسخت يدي فجعلت أغسلها من الوسخ وأقول: الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين. فقالت: من طين ليس الذي يخرج منك. فطلقتها فقالت: طلاق وافق مشيّه.

  30. وحدثني أبو حسن الزيادي عن المبارك بن سعيد قال: كان عمر بن عبد العزيز عند بعض بني أمية، وعنده ابن الأهتم فأطرى ابن الأهتم بني أمية فأفرط، فقام عمر وهو يقول: من سرّه أن ينظر إلى الأفاك الأثيم، فلينظر الى ابن الأهتم، فلما استخلف قال: لا يدخلنّ علي ابن الأهتم، ولا خالد بن عبد الله القسري فإنهما مقولان، وإن من البيان ما فيه سحر.